القصة القصيرة

السباحة فى الفراغ

كان يجلس وحيدًا ..
مستغرقًا فيما وصل إليه حاله ..
قانعًا بما ساقه لنفسه من ذرائع و حجج عديدة .. مصدقًا لما يتناقله بعض العامة عنه من البشر ، و قولهم : ــ
البعد عن الناس غنيمة ..
ابعد عن الشر و غنِّ له ..
هكذا صارت حياته أو تكاد …
لم أراجعه فيما اختاره لنفسه .. تركته لبعض الوقت حتى يصل للحقيقة الدامغة بنفسه .
اعتزلته و أخذت أراقبه عن كثب .
لما كانت حرارة الشمس قائظة تلهب بطون الأسماك فى قاع البحر .. بحث فى كل شبر من الأرض حوله عن بقعة ظل يستظل تحتها .
وجد على بعد شجرة واقفة وحيدة على جذعها الضامر ..
أوى إليها ينشد نقطة من ظل أو نفحة من ريح رطبة هادئة تهدئ من روعه .
فلا الشجرة أظلته و لا الريح الطليقة حوله رأفت لحاله ، و لا سيل أفكاره المعوج المتساقط من جبينه المعروق على بدنه النحيل توقف للحظة .
لم ينعم بلحظة هدوء .
الأفكار من أصغرها لأعظمها تقذف به بكل واد ، و تنـقله من حال سيئة إلى حال أكثر سوءًا ..
تروّى قليلًا فيما ذهب إليه من أفكار ..
فجأة .. تذكر أن الذى أودى بـه و أوصله إلى هذا الوضع هو الإمعان الزائد فى التفكير العميق فى كل المواضيع التافه منها و الجاد على حد سواء أكثر مما يجب .
و الأكثر من ذلك الجرى وراء كل تفصيلة شاردة كانت أو واردة مهما كان مثقالها ، و الوقوف بالبحث فى كل مناحيها ، و حساب كل الاحتمالات المتوقعة و غير المتوقعة صغرت كانت أو كبرت كعادته الدائمة .
على غير العادة قرر الكفَّ فورًا عن التفكير مطلقًا فى كل المواضيع التى تحيط به .
ارتضى لنفسه العيش عيشة البلهاء على ظهر الدنيا ككثير من البشر من حوله .
احتاط لنفسه من أى تدخلات خارجية ترده عن قراره هذا ، و لو كانت عن طريقى .
فكان هذا اختياره الوحيد و الثابت ، البُعد ، ثم البُعد لأقصى مسافة ممكنة تتاح له ، حتى يصل بذاته إلى ضالته …
لم أعترضه البته ، كما لم أمنعه قبل الآن عن الخوض فى كل الأمور التى كانت تكدر صفو المجتمع و مواجهتها معى ..
تركت له الساحة فارغة على مصراعيها ..
غير أنى لم أكن أوافقه منذ البداية على قراره هذا ..
شَخَصَ أمامه سؤال حائر ..
بدا على شفتيه المتلعثمتين سؤال ثان :-
ماذا أنت صانع ؟
خاصة و لم يمرعليك مثل هذا القرار من قبل ..
حتى عندما كنت شابًا قويًّا لم تقوَ على شد الحزام على وسطك المخلوع ، و كنت تنقب فى خشاش الأرض لاهثًا خلف لقمة عيش شريفةٍ بعيدًا عن عرق النساء و سهر الليالى الرخيصة …
لم يصل إلى ريح طيبة تنقذه مما عزم الأمر عليه ..
على الفور شحذ ما تبقى لديه من همة و إرادة ، و سن سكينه القديم و حزم الأفكار كلها قديمها و حديثها فى {بؤجة} واحدة و قذف بها على طول ذراعه فى كوة سحيقة كان حفرها ذات يوم ليدفن فيها بقايا انكسارات لحقت به فى يوم من الأيام .
ما إن فعل حتى هدأت نفسه و انتظم خروج و دخول الهواء إلى صدره .. هكذا توهم أنه استراح .
استلقى على ظهره ، ثم كشف عن ساقيه و عرضهما لآشعة الشمس اللافحة .. رافعًا ساعديه ناحية الفضاء الفسيح ..
لم يمنعه أو يعنفه أحد على فعلته هذه !.
تبسم سعيدًا بما صنعه ، و لم يكن هناك مردود يقذف به لظلمات تعود عليها زمنًا طويلًا .
ضحك ضحكة عالية رجت المكان كله ، و لم يكن هناك مردود أيضًا كسابقتها .
راح يضرب بعنف وجه الفضاء من حوله بذراعيه المفرودتين عن آخرهما حتى خارت قواه و ارتطمت رأسه بالأرض ..
عندها تملكه إحساس لم يعرفه من قبل …
إحساس جديد ..
إنه قادر على إحداث شىء ما دون أن يلقى به داخل الزنازين الانفرادية ، و خلق حياة جديدة خاصة به .
خبأ صنيعه هذا بين طيات جلده السميك إلى زمن قادم ، ربما يحل عليه وقت يعود عليه بالنفع ..
بحث عن شىء جديد آخر يصنعه دونما تفكير ينقله لوضع أفضل مما هو فيه ، فأمعاؤه تعوى من طول الخواء .
شىء لا يوقعه فى المحظـور و يقال عنه أنه شخص لم يحترم عهوده ، و دائمًا ما يرتد فى كل أمر يقطعه على نفسه بنفسه .
أخذ {يطرقع} أصابعه الواحد تلو الآخر ، و هو يحصى عدد الطرقعات ..
ما إن وصل إلى الرقم الخامس و العشرين حتى أطلق
صرخة مدوية عبقت المكان بالأتربة و الغبار من شدة قوتها .
تفصد جبينه بهطول سيول العرق القديم الذى لم يتوقف عنه للحظة طوال الثلاثين عامًا السابقة .
تذكر التاريخ ..
غدًا يوافق الخامس و العشرين من الشهر الجديد ..
موعد نظر القضية المتهم فيها بمحاولة مقاومة السلطات الحاكمة .
عند رجع صدى الصرخة من الفضاء الفسيح الذى يلفه تنبه للخطأ الذى وقع فيه …
على الفور كذب كل ما كان يتناقله عنه العامة ..
اكتشف بذاته خطأ ما قرره دون تدبر ..
تمثل أمام نظره القاعدة القانونية الثابتة ..
(ما بنى على باطل .. فهو باطل) .
قذف ببدنه الخفيف للهواء الثقيل ..
عند الصرخة الثانية .. كان ميزان العدالة منصوبًا فوق جبهته العريضة ، و القاضى ينطق بالبراءة من كل ما هو منسوب إليه ، لأنه شاب يسبح فى زمن العدالة و الحرية و الكرامة الإنسانية المملوء بالأمانى الممكنة ، و لم يعد يسبح فى الفراغ .

***

السابق
قتال
التالي
تــداول

اترك تعليقاً

*