قراءات

السرد الممتنع وفاعليته الدلالية في قصص الكاتب صالح هشام

النصوص المختارة: لعبة الكنز، شجرة اللعنة، طواحين الرياح، أحلام النوارس وقال الراوي.

1- توطئة ..
أصعب شيء في الكتابة أن تستكنه حقائق الأشياء والكلمات بلغة سرد تبدو سهلة التركيب وكأنها جد عادية تبعث على الاستغراب من التوقف عليها. قد نستدعي السرديات وأخواتها لمقاربة البنية الحكائية فيها، وننتهي في آخر المطاف بنوع من الاستياء المعرفي لكونها تظل سجينة تحديد طييعة العوامل المبنينة للسرد على حساب اللغة التى ينهض عليها السرد ذاته والعالم الذي تخلقه أو تحاول تشييده وفق منطق ما تمليه العملية الإيداعية. ولكأن قواعد السرديات واخواتها كانت سابقة على السرد ذاته مع أن مجملها تكونت من فرضيات استنباطية مستنتجة منه ولا شيء يخول لها حسبما ما هي عليه ومن حيث هي فرضيات لها ما عليها وما لها من حاصل ” علمي” في المنهجية أن تتحول إلى قواعد صورية تنصب نفسها الحكم الوحيد عليه و على ما يتوجب أن يكون عليه. فالنص يقرأ انطلاقا مما يعطيه هو للقراءة وإن تعددت أبعادها وليس انطلاقا من البحث فيه عن احترامه أو لا، لما تمليه السرديات وأخواتها. فكيف نقرأ النص إذا ؟ وهل هناك كيفية ما، لها حدودها المعرفية في قراءته ؟
يقول لنا باشلار بأن أفضل طريقة في قراءة النص هو ” الانتماء إلى مدرسة البساطة ” . والبساطة هنا تحيل في معناها الإبستيمولوجي على فكرة محاولة التخلي عن كل الخطابات البرانية المتقاطعة مع الخطابات الجوانية لأنها تشكل عائقا بيننا وبين القبض على لحظة الانقباض الانشائية ” la saisie poétique ” في علاقتنا مع النص وفضائه الإنشائي . وهي نفس الفكرة التي سنجدها فيما بعد لدى جاك لاكان ورولان بارث وجوليا كريستفا وإن كان ذلك في إطار معرفي مختلف.
وعليه، لن نبحث في نصوص الأستاذ صالح هشام عن الرؤية من الخلف وعلاقة السارد بالشخصيات والكاتب وهل ” احترم ” قواعد السرديات أم لا، سنتناولها من حيث ما تفرضه هي وما تنسجه من عالم خاص بها بعيدا عن كل سجال مفاهيمي ، علاوة على أن الأستاذ صالح هشام هو نفسه في إحدى قراءاته النقدية يدعو الكاتب إلى تكسير مستوى الحقيقة في الفنون السردية مادامت مثلها مثل الشعر ومادام إهمال اللغة فيها هو إهمال لفنية الكتابة بصفة عامة. وتلك هي ” الحالة الاستثنائية” التي تتمظهر في قصص هذا القاص الاستثنائي وتؤثتها. إنها قصص تحتفل بما يمكن تسميته ب ” لغة السرد الممتنع ” المعتمدة على تيميات معقدة حيث المعطي البديهي فيها تحايل تقني لممارسة الحفر على المعرفة ذاتها ولبناء عالم القول فيها. لغة السرد الممتنع هاته هي خاصيته في خلخلة بداهة الحكي ببداهة مدهشة تكاد تنسينا أنها غير بديهية وبالتالي تخفي ما تتميز به من استحداث طريقة جديدة لا تفرق بين لغة القص وسرديته في بناء النص القصصي. ماذا نعني بلغة السرد القصصي الممتنع ؟ وما هي سيميولوجية تمظهراتها في نصوص القاص صالح هشام ؟.

2- وقفة منهجية..
اعتدنا أكاديميا وفي كل وقفة منهجية أن نشتغل نظريا على المفاهيم قبل أن نشتغل بها على المادة الموضوعة على المحك النقدي. إلا أن وقفتنا المنهجية هنا تختلف عنها بعض الشيء إذ تتعلق بالمادة نفسها وما تفرضه علينا من أسئلة قد تَخلق التباسا منهجيا إن لم نجب على ما تطرحه من علامات استفهام منبثقة منها أولا وقبل كل شيء. لماذا نتكلم بالجمع عن نصوص القاص صالح هشام مع أنها نصوص متفرقة هنا وهناك لا يلم شملها كتاب ورقي أو على الأقل إليكتروني ؟ كيف ستكون قراءتنا لها؟ هل سنقرأ كل نص على حدة بمعزل عن النصوص الأخرى أم على العكس من ذلك ؟ وما مدى نجاعة القراءة في كلا الحالتين ؟ جوابان مقتضبان، يتعلق الأول منهما بالنشر والثاني بطبيعة القراءة ذاتها ومبتغى مبحثها المعرفي.
إنه لمن تحصيل حاصل العودة إلى خبايا كواليس النشر الورقي ومرارة محنة المبدع في عالم اللوبيات التي تستحوذ على مفاتيحها، مادام أن كل شيء يخضع لصفقات تحكمها “ثقافة الوزيعة المخزنية” الضاربة في اللاوعي الجمعي. وعليه، فلا غرابة أن تشكل القيمة المُضافة لنصوص القاص صالح هشام في الكتابة الإبداعية استثناء يؤكد قاعدة “ثقافة الوزيعة المخزنية “هاته برفضها لها ولطقوسها التي لا علاقة لها بما تسميه خدمة الأدب ( بالتأكيد هناك مبدعون آخرون يعيشون نفس الوضعية، على سبيل المثال لا الحصر: القاصة مهدية أماني).
قد نحرج المنهجية بشكل ما في كيفية اختيار النصوص التي لا حول لها سوى أن تكون متفرقة هنا وهناك، لكننا لن نجترح المعرفة التي ينتجها كل نص مادام مبتغى قراءتنا يتحدد أساسا في مبحث لغة وأسلوب لغة السرد المشتغل بهما وعليهما في النصوص من أجل خلق عالم المعرفة فيها. وهذا يعنى أنه يحكم طبيعة قرءاتنا أولا وأخيرا ويفرض عليها أن تكون قراءة مستعرضة تتبع تيماتها في النصوص من حيث هي فضاء سرديات لغة القص.

3 – مرتكزات معمارية الفضاء القصصي .
تعتمد جميع النصوص المطروحة للقراءة المستعرضة على ركيزة تتكون من ثنائية عضوية تمنطق مجريات الأحداث حسب موضوعات و فضاءات كل نص.
ففي نص لعبة الكنز يصارع البطل أخاه، وفي نص طواحين الرياح و شجرة اللعنة يدخل مع صديقيه في مغامرة غرائبية ، بينما في نص أحلام النوارس يجعل من صديقه مرآة لما يصبو إليه، وفي نص قال الراوي يكون راويا يبلبل توقعات مستمعيه. صور البطل تختلف في ظاهرها من نص إلى آخر، تارة نجدها في علاقة تقابل أو علاقة تماهي، وتارة أخرى في علاقة تضاد أو علاقة صراع، إلا أن كينونتها تلك لا تنتجها إلا بواسطة خلقها لبطل آخر يعضد شبكة العلاقات التي تتوطد من خلالها مجريات الأحداث. بطلان هما يبنينان معمارية النص بمستويات متعددة ووفق ثنائية عضوية تأسيسية لها: البطل السارد له / البطل السارد عنه.
البطل السارد له، لا إسم له غير أنا نصية تحمل ضمير المتكلم للحدث والبطل السارد عنه يحمل اسماً يخدم دلالة علاقته بالبطل السارد له: قويدر في أحلام النوارس ، انكيدو في شجرة اللعنة، أحمد في طواحين الرياح، أخي في لعبة الكنز ، باسثتناء قصة “قال الرواي ” التي يبدو أنها تتحرك داخل كلام ينطوي على حكاية أو رواية يرويها راوي لجمهور مستمعيه. فما علاقة السارد له بالسارد عنه ؟ وما طبيعة مفهوم البطل كقاسم مشترك بَيْنهمَا؟ إنها أسئلة تختزن في طياتها الأدوات المعمارية التي يشتغل بها القاص صالح هشام في قصصه . السارد له يستهل النص ومن ثمة الحدث ويتموقع فيه كبطل يؤثت صفات البطولة ثم يقحم معه في بطولته السارد عنه كي يفجر الحدث بنهاية درامية أو شبه درامية تغيرمن معادلة البطولة إذيصبح السارد له بطل البداية والسارد عنه بطل النهاية. تلك هي بنية القص في مظهرها الصوري ، منها وبها تنسج الأحداث فضاءها وتنتج الفاعلية الدلالية (كريستفا) لغة السرد فيها ومحفزاتها. وتلك هي أيضا تقنية القاص صالح هشام التي تجعل من بنية القص دالا إجرائيا في فاعلية القص الدلالية التي سنتطرق إليها فيما بعد.
السارد له والسارد عنه يشكلان إذا ثنائية عضوية بحيث أن وجود أحدهما مشروط بوجود الآخر في توليد مجريات الحدث وأبعاده الدرامية . يخضعان لحركية زمنية نفسية مرتبطة أساسا بعمل الحدث في مخيلتهما : السارد له يقول ما لا يقوله السارد عنه، والسارد عنه يقول ما لا يقوله السارد له إلى أن يكتمل القول في النص ومن النص ليقول ما لا يقولان فيخرج عن زمن النص ويعتنق زمنا لا زمن له في النص سوي زمن مخيلة ذاكرة تتوسل أحيانا الأسطورة وأحيانا أخرى عالما غرائبيا. إنها ثنائية عضوية تخترق النصوص بما فيها عتباتها/عناوينها التي تتكون من كلمتين: لعبة الكنز/ طواحين الرياح/ شجرة اللعنة/ قال الراوي/ أحلام النوارس. عناوين تزاوج تقريبا بين النكرة والمعرفة وخالقة حقل دلالات لمعرفة فضاء القول فيها. كيف يمكن للكنز أن يكون لعبة وللرياح طواحين وللعنة شجرة وللنوارس أحلاما وللراوي قولا؟ وكيف إن غيرنا موقع دلالة النكرة بدلالة المعرفة أن يصبح للكنز لعبة وللطواحين رياحا وللشجرة لعنة وللحلم نوارس وللقول راويا؟ قراءتنا السريعة لنصوص القاص هشام لا تسمح لنا من حيث غرضها بتناول الحقل الدلالي ( المعجمي والمفهومي ) للكلمات وما تخوله من تخريجات تساعد أكثر على تحليل عمقها، وإن كان يؤسفنا غيابه في مقاربة القصة بصفة عامة والاعتماد فقط على تطور الحدث والشخصيات فيها. فعلاقة الكلمات بالأشياء في القصة ليست دوما علاقة إخبارية صرفة للحدث ذات دلالة خطية أحادية الاتجاه ، لأن الكلمة لا تستطيع قول كل خاصيات الشيء. تحيل إليه بقدر ما تسميه ، والإحالة تعني أنها لا تطابق كليته في مدلولها نظرا لكونها دالا لمدلول عام تتفرع عنه دوال لمدلولات أخرى داخل نفس حقل دلالة الدال الأول، مما يفتح تعدد القراءات ( معذرة عن هذه الجملة المكثفة حتى لا أطيل! )
من المقاربة الأولى لعتبة النصوص نتلمس مؤشرات الحقل الدلالي الذي تشتغل فيه ، وهي تتوزع على شقين :
– الشق الأول :لعبة / لعنة / رياح / أحلام / الراوي. ويتمحور حول ثنائيتين في حقل دلالي موحد : لعبة/لعنة – أحلام / رياح . اللعبة تتحول إلى لعنة والأحلام إلى رياح في كل القصص بينما الراوي يتابع بداية نهاية الرواية بدون نهاية ولا بداية.
– الشق الثاني : شجرة / طواحين/ الكنز / قال / النوارس. وهو يحيل على أشياء ذات وجود فعلي في ماديتها بما فيها ” قال” التي تتبث وجود من يقول القول. كلها تتوخى مفعولات الخصب في أبعادها الدلالية.
وبين الشق الأول والشق الثاني تتحدد في المقاربة الأولية معالم نهاية الحدث في القصة إن جاز التعبير، وكأن عتبة النص تضمين لما ستقوله أو تقوله نهايته. غير أن نصوص الأستاذ صالح هشام لا تقرأ بكل هذه السهولة . إنها تحتاج إلى مفتاح آخر لفك وتفكيك لغة سردها الممتنع للحدث وعمق دلالتها. العتبة بوابة بكل أشكالها وما يترتب عنها ؛ وأن نستعملها ” بمثابة نقطة ذهاب وإياب إلى النص من أجل تعديل المواقف القبلية”، فهذا يعني أنها تخضع لما يمكن تسميته ب ” خرجة النص ” التي تتجاوز منطوقه لتشمل الفاعلية الدلالية ( كريستفا) التي تحكمه وتحكم عتبته.
وعليه ، فإن نصوص القاص صالح هشام تتفرد بقوتها الخلاقة في الحقل الأدبي أو كما يقول الأستاذ محسن الطوخي : ” فالعالم في قصص هشام لا يطابق العالم الذى نعرفه، بل هو أقرب لصورة العالم في أذهان الشخصيات الأساسية في نصوصه”. إنها نصوص تَخلق عالمها وعالم المعرفة الذي تنتجه بمنأى عن الصور الجاهزة للعالم الذي نعرفه. وتشتغل على ثنائية عضوية تبنين معمارية النص بشكل يستجيب لفاعلية دلاليتها. السارد له والسارد عنه يختلفان فيها عما قد نجده في نصوص كتاب أخرين ويتميز توظيفها بخاصية سردية ولغة سردية تكسر منطق البطل والبطل المرافق، البطل وظله ، وتشتغل عليهما ” ككائنات مفهومية ” ( ج. دولوز) تولد الدلالات في النص.

4- تقنيات السرد القصصي .
لعل أول ما يشد في القصة هو تقنيتها في سرد الحدث؛ الحدث في حد ذاته قد يبدو غير ذي قيمة فنية إذا اختزلناه من حيث إخبارياته . وبداهة أنه كلما ضاقت مساحة القصة ، تكثفت تقنية السرد فيها، التقنية هنا لا تقتصر فقط على بعدها الذرائعي بل أيضا على ما تحمله من دلالة في الاشتغال على الحدث . ولهذ فلن نقف في قصص القاص صالح هشام إلا على تقنية السرد التي نعتقد أنها تحمل معها قيمة مضافة في العملية الإبداعية . وهما تقنيتان تتمثلان في النقلة السردية والمونولوج الحواري.
– تقنية النقلة السردية
يبدأ السرد في قصة لعبة الكنز بربط عنصرين مضادين : ” تفحصت الخريطة (..)كان صوت قرصان الكرايب يهمس في أذني : إنه لك! ستجده ! كنت هذا القرصان هو أنا! وحللنا في بَعضنا البعض ! “. السارد له يتفحص خريطة لعبة الكنز من حيث هو فعل عادي يتحول تدريجيا إلى تماهي سردي بين السارد له وقرصان الكرايب. يأتي إلى هذا الأخير عبر صوته الذي يفتح له عالم التوحد به فتنحل الأنا في الآخر وتصبح الخريطة مسرحا لسارد إشكالي يمزج المتخيل بواقع القصة. وعلى نفس النحو، تستهل قصة شجرة اللعنة : ” جمعت قبضتي الصغيرتين . أعتصرت الفراغ. حدقت في المرآة وأمعنت التحديق حتى كدت اخترق نفسي بنفسي وضربت على صدري بقوة، بكلتا يدي كالغوريلا (.) : أنا ( سليل الوركاء )، أنا الثور النطاح ! أنا !! أنا …” وسليل الوركاء هو ما تسميه القصة ( البطل الجميل) الذي يسكن السارد له :” لو لم أكن مدفوعا من ذلك ( البطل الجميل) في نفسي (…) وأكاد أسقط اعوي كالذئب المسعور ويموت ( سليل الوركاء )”. السارد له هنا ينهج أيضا نفس الطريقة في تهيييء ما سيجعله يدخل هو أو تدخل إلى جوانيته أنا الآخر لتحول أناه الى أنا أخرى ، إنه ( البطل الجميل) ( سليل الوركاء). والعملية تتم عبر المرآة التي تعطي صورة منعكسة بين الأنا والآخر.
الخريطة في لعبة الكنز والمرآة في شجرة اللعنة تشكلان نقطة وصل بين عالم السارد له وعالمي البطل الجميل وقرصان الكرايب. إنها حلقة وصل تخول للقاص صالح هشام إبداع ما يمكن تسميته ب ” تقنية النقلة السردية” . ماذا يعني ذلك ؟ النصان يقومان على مرجعيات سابقة له : أسطورة جلماجش و قصة جزيرة الكنز. قد نقول إنها عملية ” امتصاص” ؛ النصان امتصا نصين كل حسب مجريات الحدث الذي يشتغل عليه. لكن : ماذا يعني امتصاص؟ وكيف لنص أن يمتص نصا آخر؟ وهل كل إحالة على نص آخر هو امتصاص ؟ التناص من حيث هو امتصاص أخد أبعادا وتوجهات متباينة المواضيع والأهداف في الآونة الأخيرة ( intertexualité – hypertextualité paratextualité – transtextualité-interdiscursivité…). أصبح النص مجرد امتصاص لا حدود له ، مفهوما ميتافيزيقيا لا تتحدد ماهيته إلا بمفعولات رجعية من نص إلى آخر والذي لا أخير له، وهنا الانزلاق الأيديولوجي في القصة الذي يخلط بين الامتصاص الإبداعي للنص والنص من حيث هو لغة لها تاريخها وتاريخ تطورها من خلال النصوص. لهذا فاستعمالنا لمفهوم التناص يتعلق بالامتصاص الإبداعي الذي لا معنى له بدون عملية التحويل. التناص امتصاص نص لنص آخر بقدر ما هو تحويل له (كريستيفا).
وعملية التحويل هي التي تعطي للامتصاص النصي قوة الخلق الإبداعي وبالتالي خاصيته من حيث هو نص لا يعيد نسخ النص الممتص إلا ليخلق ما يميزه عنه ويمنحه تفرديته الإبداعية.
ونرى بوضوح أن نصوص القاص صالح هشام لاتتوقف على امتصاص أسطورة جلجامش ( شجرة اللعنة ) أو حكاية جزيرة الكنز ( لعبة الكنز ) أو أسطورة أبي الفوارس ( قال الراوي ) أو قصة القائد البربري ( أحلام النوارس) أو عالم الكائنات الغيبية ( طواحين الرياح )، فهي تقوم بتحويل منطوقهم في ” علاقة بدون علاقة” كما يقول دريدا. النص الممتص يتحول إلى نص آخر في النص الذي بدوره لا يمكن قراءته إلا من خلال العودة لما امتصه وإن تم تحويله ليخلق هوية نصية مغايرة له. وهذه العملية المفارقاتية يروضها القاص صالح هشام بتقنية النقلة السردية التي تبعثر أوراق الامتصاص فتحول الحكاية إلى قص والرمزية إلى مادة أخرى للقص. وعليه، البطل الجميل سليل الوركاء في شجرة اللعنة لا نستطيع اكتشاف فاعليته ما لم نربطه بالشجرة في النص التي تفجر عالمه في عملية الامتصاص التحويلية. الشجرة جذور وأغصان والبطل الجميل من شجرة الوركاء( جذور النسب) يبحث من خلال المرآة عن توطيد انتمائه لها عبر إشكالية معرفة الرغبة والرغبة في المعرفة التي تقود مغامرته هو والسارد عنه (انكيدو ) إلى اجثتات جذور الشجرة وبالتالي ضياع أهل القرية ل ” رأس الخيط” ( نحيل إلى دراستنا لهذه القصة : المرموز بين الرغبة والرغبة الأخرى في قصة ” شجرة اللعنة”). روعة عملية الامتصاص التحويلية التي يقوم بها القاص صالح هشام تتمثل في تحويل أسطورة جلجامش ( mythe ) إلى متخيل طفل ( البطل الجميل سليل الوركاء ) في طور تكوين أسطورته الذاتية كضرورة نفسية ، أي ” un mythe endopsychique” ( فرويد) . وهي عملية تحويل تنتهي ” بعلاقة بدون علاقة ” وتنتج معرفة خاصة بالنص وفي النص ولا علاقة لها بما امتصه من نص . إنها هويته النصية التي يبدعها بدون استنساخ أو إسقاط على النص الممتص .
وتأخذ عملية الامتصاص التحويلية نفس الحبكة في نص لعبة الكنز حيث ينتقل بِنَا القاص هشام إلى عالم آخر عبر تقنية نقلته السردية : من عالم قصة جزيرة الكنز إلى عالم طفل في صراع مع أخيه حول كنز نرجسية كل منهما في تتبيث الذات، من خريطة حقيقية بمتاهاتها ومستغلقاتها إلى خريطة نفسية تعتمل في جوانية السارد له والسارد عنه في ” علاقة بدون علاقة”. ما هو كائن في النص الممتص يتحول إلى ما يريد أن يكون عليه النص الذي يمتص، أي نصا آخر له مفاتيحه المعرفية الخاصة به.
وعلى صعيد آخر نجد عملية الامتصاص التحويلية في قصة أحلام النوارس تتوخى تكثيفا مقتضبا من خلال القائد البربري ( طارق بن زياد) وموضعة السارد له بين أبواب الجنة وأبواب جهنم ، بين اقتحام فردوس الضفة الأخرى أو البقاء في رحاب أرض متشققة عقيمة الأمل، بين التاريخ الإسلامي في فتوحاته وتاريخ السارد له في إحباطاته. السارد له أمام البحر، يشرئب إلى الجنة الخضراء ووميض حريق السفن في عرض البحر يلف دماغه بتاريخ القائد البربري، يخط خطة هروب عظيم من الجحيم إلى الفردوس، تعجبه خطة القائد ، يدقق في كلمات خطبته كلمة ! كلمة ! ثم عندما يفشل يستنتج خطأ فهمه لتاريخ القائد. إنه التاريخ الذي يستعصي على ” ذاكرة مثقوبة ” كما جاء في النص، يستنطق الزمن في تاريخية مجده وفي آنيته المقوضة لما صنعه في التاريخ. وهي نفس المعضلة في قصة قال الراوي الذي ما إن يغير من بداية الحكاية حتى تنتهي الحكاية ذاتها بدون حكاية. تنتج هذه القصة عملية امتصاص تحويلية مزدوجة، أولا لوضع الراوي ذاته من حيث رمزيته التخييلية وثانيا لما تحمله القصة من حكاية يرويها الراوي خلافا لما تعودت عليه المخيلة. مفارقة جد دالة على هوة العلاقة بين حكاية أبو الفوارس في المخيلة والحدث في القصة الذي يجعل من الراوي يبحث عمن يحكي حكايته ويروي عجائبه وغرائبه هو الراوي ، وكذلك بين الحكاية التي يريد أن يرويها لمستمعيه مغيرا من تسلسل الأحداث فيها ( أسر أبو الفوارس) وتشبثهم بعدم تغيير أطوارها لأن ” القفز على الأحداث يربك حركة الأبطال ويخلط الأمور ويضر بحبكة القصة ويفقد رأس الخيط” ، ولأن ” أبا الفوارس لا يساق كالسبايا. وهذه خيانة له ولحمزة البهلوان وللظاهر بيببرس ولأبي زيد الهلالي ولسيف بن ذي يزن . والهذيان في حق هؤلاء يعتبر أكثر جرما من الجريمة نفسها”. إنه امتصاص تحويلي مكثف الدلالات يعطي لتقنية النقلة السردية بعدا آخر في قصة قال الراوي بين أبو الفوارس في الحكاية الشعبية وأبو الفوارس في حكاية الراوي الذي يبحث عن راو يحكي حكايته في القصة.
من الواضح إذا أن القاص صالح هشام يجعل من نصوصه حقلا لعملية الامتصاص التحويلية التي تتنوع من قصة إلى أخرى ، فتتجول نقلته السردية من عالم إلى آخر، من عالم الأسطورة الى عالم الحكاية ومن عالم العجائب إلى عالم الكائنات الغيبية كما هو الأمر في قصة طواحين الرياح. ففيها يتنقل بِنَا على عدة محطات غريبة عن بعضها البعض ، من طلاسم كتاب” مغني اللبيب” لابن هشام الأنصاري المصري لفك مستغلقات حروف المعجم فيه إلى منجنيق مدينة شالة الأثرية الذي يقذف بكرات اللهب ؛ ومن صليل سيوف تتقارع وصهيل خيل وحمحمة مع أنه لا وجود لخيول ولا لحمير ولا لبغال، إلى هذا الفارس الذي يمتطي حصانا أعجف نحيلا، ساندا جسده على كتف الفراغ اللامتناهي وماسكا رمحا قديما، مقبضه في الأرض ونصله يدغدغ النجوم في السماء. ومن أشباح تطوق السارد له والسارد عنه إلى عويل أشباح التاريخ . نص ” طواحين الرياح ” عبارة عن فسيفساء لتقنية النقلة السردية بين سلسلة من الامتصاصات التحويلية : تاريخ طلاسم الحروف، تاريخ مدينة شالة المعتمة ، تاريخ الأشباح في ذاكرة جمعية. إنه لا يمتص فقط تاريخهم ولكنه يكتب قصته بتحويل تاريخهم إلى استنطاق للتاريخ في القصة.
القاص هشام صالح يشغل مادة القص بمنأى عن كل موقف ايديولوجي اتجاهها. فلا يهمه واقعية الأشياء في وجودها المادي مادام يكتب نصا إبداعيا وليس مقالا أو بحثا حول ماهية وجودها العلمي. وعندما تمتص نصوصه خطاب الذاكرة الجمعية الثرية بكائنات غيبية، فهي تقوم بتحويلها وفق مستوى الحقيقة التي تقاربها هي كفاعلية إبداعية. ويكفينا أن نعطي بعض الأمثلة في هذا الشأن من خلال المونولوج الحواري الذي يخترق بعض نصوصه.
– المونولوج الحواري
نقصد بالمونولوج الحواري هنا أن السارد له يتكلم عبر صوته وأصوات أخرى تتكلم عبر صوته داخل ما يقوله هو. وما يقوله السارد له كما بينا من خلال تقنية النقلة السردية والثنائية العضوية التي تحكم معمارية النصوص أنه صوت الأنا وصوت الآخر معا. يتكلم ب ” أناه ” فيما يتكلم ” الآخر” فيها حيث تصل تقنية النقلة السردية إلى أبعد مداها.
فالسارد له في المونولوج الحواري ليس له صوتا أحاديا يناجي به نفسه أو يكلم ذاته . حوارية مونولوجيته تتجلى في احتضانه لأصوات متعددة حسب منطوق القصة وطبيعة مجريات أحداثها . هكذا نرى السارد له في قصة طواحين الرياح يمتلك صوتا خاصا به كسارد له للحدث وصوتا آخر لصوت الآخر فيه وفي النص : ” – أنا قاهر طواحين الرياح ! أنا القادم من زمن العواصف والرياح ! أنا بروموثيوس أنا قاتل زيوس ، أنا الكبد المتجدد ، أنا الثورة ، أنا التغيير.. أنا..أنا…أنا، يتلاشى الصوت شيئا فشيئا .” صوت السارد له في النص والصوت الآخر الذي يتكلم عبر صوته يتلاشيان تدريجيا ويفتحان أفقا لقراءة تسلسل مجريات الأحداث في النص. ما يقوله السارد له هو ما تريد أن تقوله القصة عبر أصوات متعددة في صوته الحامل لفاعليتها الدلالية، هو الثورة، هو التغيير ، هو بروموثيوس ، هو كل ما لا يستطيع المونولوج أن يقوله بدون حوارية.
وهو أيضا في قصة لعبة الكنز بطل حكاية جزيرة الكنز وفي شجرة اللعنة ( البطل الجميل ) الخارج من أسطورة جلماجش . إنه صوت السارد له المتقاطع مع صوت الأسطورة وصوت الحكاية ” في علاقة بدون علاقة”. وكأن تقنية النقلة السردية للقاص صالح هشام تغامر هي أيضا في الاشتغال على أصوات متعددة تحمل السارد له بقدر ما يحملها وفق فاعلية النص الدلالية.

5- من تمظهرات لغة السرد الممتنع إلى الفاعلية الدلالية فيه.
ماذا نعني بلغة السرد الممتنع ؟
غالبا ما نحلل السرد في تقنياته وعلاقات الشخوص فيما بينها، متتبعين كيفية تطور الحدث بهم ومعهم ؛ نبحث فيه عن تقنياته المحضة قصد الوقوف على مدى تحقيقه لحبكة القصة أم لا، وننظر جنب ذلك إلى لغته وسلامتها الصورية والفنية في مصاحبته إياه. السرد أولا من حيث تسلسل الأحداث وتداخلها مع بعضها البعض ، ولغته ثانيا من حيث قدرتها على تتبعها وكيفية الإفصاح عنها. وعندما يقتضي الحال ، نعرج على ما تحمله من بلاغة في الوصف وانزياح في التعبير. يعني أننا في العمق نقرأ السرد ولا نقرأ اللغة من حيث هي فاعلية دلالية فيه وفي الحدث ذاته وليست مجرد أداة تابعة له لا قيمة لها إلا في كيفية تعبيرها عنه. لغة السرد التي نتحدث عنها في نصوص القاص صالح هشام لا نعني بها تلك التي نقطعها إلى وحدات أو جمل حسب الذائقة الجمالية ونحشرها فيما ننعته بالجملة القصصية. إنها لغة القص في النص الذي يقول الحدث واللغة من حيث هي حدث فيه، وهو ذاك الذي نسميه بلغة السرد الممتنع. لأن السرد قد يبدو سهلا في ظاهره لكنه معقد في تحليل بداهة الأشياء التي تفجرها لغته. ومما لا شك فيه أن قصص القاص صالح هشام تنهل من معين الحكاية اعتمادا على تقنية النقلة السردية التي تجعلها في ” علاقة بدون علاقة ” داخل عملية الامتصاص التحويلية، لكنها تستثمرها أيضا كقيمة قصصية في تحويل لغة الحكي إلى لغة القص. لغة الحكي لغة عارية تكتب الحدث يكل حمولته الرمزية والدلالية ولغة القص لغة تكتب اللغة من السرد وبالسرد ولا تخضع لخطية الحدث الدلالية.
لو نأخذ كمثال لإيضاح ذلك في قصة أحلام النوارس، فإننا سنلاحظ مايلي في لغتها السردية :
– شقراوات / لحم أبيض/ شبقية/ استمناء ذاكرة مثقوبة / استعذاب اغتصاب/ الجنة/ الفردوس/ رغبة جنونية/ القائد البربري / البحر.
– عقوق/أرض متشققة /حموضة كبث / قطع حبل الصرة/ عض ثدي الأم/ لن تلدك مرة أخرى / جحيم / غسل دماغ/ حرق أفكار قديمة / يا ابن العاهرة.
هذه العينة من التعابير تحمل دلالتها في سياق جملها وقد ننساق بسهولة في البحث عن بلاغياتها ناسين أنها تخدم لغة القص في فضاء القصة. فهي تتمحور حول ثلاتة دوال : الأرض /المرأة / البحر. ودال المرأة يتوسط دال الأرض ودال البحر. المرأة / الأم على اعتبار أن الجنة العليا تحث أقدامها” والمرأة / الحلم من كونها الجنة السفلى في تناقض مع الجنة العليا. وهنا السارد له يفضح علاقة دوال التعابير في الجملة مع الدال العام في القصة المرأة / الام. ماذا تقول لنا لغة القص؟ من ناحية، تعطينا مفاتيح حول السارد له : لحم أبيض / شبقية / اغتصاب / استمناء / استعذاب/ رغبة جنونية، ومن ناحية أخرى، تضعنا أمام : كبث/ عض ثدي / جحيم / يا ابن العاهرة. الأرض متشققة والرغبة تستمنيء في ذاكرة مثقوبة تبحث لها عن ذاكرة محصنة في الجنة/الفردوس لكنها تصطدم بخوائها الذي ينتهي بالسارد له على أنه ابن عاهرة يخون الأرض.
ليس مجالنا هنا تحليل قصة أحلام النوارس، إنها فقط مثال لما نجده في باقي القصص، والمثال هو الشيء ذاته ( فرويد). وإذا كان هو الشيء ذاته ، فهذا يعني أنه يدخل في سياق الفاعلية الدلالية التي تحكم نصوص القص هشام.
كما رأينا من خلال مقارباتنا لقصص الأستاذ هشام صالح أنها مبنية على ثنائية عضوية تتميز بعلاقة تداخل بين السارد له والسارد عنه ويغيب رأس الخيط فيهما. ورأينا كذلك أن تقنية النقلة السردية تخضع لنفس المنطق اعتمادا على عملية الامتصاص التحويلية في ” علاقة بدون علاقة” بين الماص والممتص حيث بداهة الحكي تمتصها لغة القص. وعتبة النص تتوقف في زخمها الدلالي على ” خرجته”. وخرجة النص هي الفاعلية الدلالية التي تحكم داوله في نسج مدلولاته. وبمعنى آخرإن فضاء القص هو الذي ينتج دلالته في دواله وليس في جمله أو ما يسمى بالجملة القصصية. ودال النصوص على اعتباره فاعلية دلالية بموجبها نقرا لغة القص هو ” رأس الخيط”.
الراوي يبدأ من بداية النهاية، فيتوه ” رأس الخيط ” في مخيلة مستمعيه كما في النص ، يبحث له عن راو يحكي حكايته مشيرا بالتالي على نهاية مخيلة الكتب التي منها ينسج حكاياته . لم يعد لخيط الحكاية رأس يعيد لها حيوية الاستمرار في الحكي. عويل أشباح التاريخ تحملها الرياح في قصة طواحين الرياح. التاريخ أصبح شبحا يمتطي صهوة الجنون الذي لا أول له ولا آخر ، ولا رأس لأي شيء فيه سوى كائنات غيبية تأتي وتمضي كما هو الريح. الشجرة اللعينة أفقدت القرية ” رأس الخيط ” كما في النص. ورأس الخيط تاريخها الذي ينهار مع انهيار اجثتات جذور الشجرة وانهيار شجرة ( البطل الجميل) ( سليل الوركاء). رأس الخيط لا نجده بين صوت السارد له والاصوات التي تتكلم عبره. بين الانا والآخر حيث انا الاخر وجه اخر لانا الانا . والقاص ينبش في ذاكرة وطفولة وماض وتاريخ لعله يجد رأس الخيط.

السابق
في الحديقة
التالي
فقير

اترك تعليقاً

*