قراءات

السهو موت، والحياة محض زمن، قراءة في نص “آسف.. حدث سهواً”

للكاتب عبد الكريم الساعدي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

السهو
موت، والحياة محض زمن
السهو ليس فعلا قاتلا إلا عندما يصير مصيراً.. تلك هي الفكرة الأهم والأكثر ألما على من طاله السهو القاتل.. الحق أن لقصة عبد الكريم الساعدي ” آسف…حدث سهواً ” فهمان،  الأول يحيل إلى الفرح والثاني يحيل إلى الحزن.. فلو تمثلت لنا القصة بشخصية نبيل فهي مفرحة من جانب العيش لأشهر بلا هموم مرضية، ولو ظلّ ينتظر الموت لكان في تعاسة كاملة ولمدة شهور، لكن القدر جعله يعيش مرتاحا لمدة حياته التي سبقت موته ولو أنه أحسّ بنهايته قريباً من ساعة وفاته .. وهي محزنة لو أخذناها كونها تخص الجار الستيني. فقد عاش بحزن مؤسي وقلق شديد، طيلة أشهر، ومن المؤسف أنه لم يفرح حين علم بخطأ التشخيص لأنه ـ على ما يبدو ـ قد أحسّ بنهايته القريبة حتى وأن تأجل موته قليلاً. ربما نال شيئاً من الفرح بعد موت نبيل, إذ مُنِحَت له حياة جديدة،لكن فرحه مغمس بالأسى على جاره الشاب ..لنتابع القص على الأسس الآتية / القناعات
القصة قد زحزحت الكثير من الرواسخ التقليدية لقناعاتنا إذ كنّا نعتقد بأن الموت مأساة فصار للموت طعم الانتظار, وربما الانتصار عليه ممكن ..نرى للمعالجة الفنية التي أجراها كاتب القصة أهمية خاصة بتغيير نمط قناعاتنا القرائية لكونه اتبع الوسائل الأتية:

1ـ لم يُتْرَك الوصف يتبعثر ليشمل الموجودات كلّها المسهمة في القص وغير المسهمة فيه.

2ـ سيطر على الحوارات وألزمها بما يسعف الحدث فقط .

3ـ تصاعد بالروي ليقنع القارئ بأن المصائر التي جاءت بالتقارير قطعية فيما أبقى التحولات (لاحقة) لتصل القارئ إلى النهاية فيكتشف فـخ الـسرد الأهم (تبادل نتائج التشخيص المرضي) .

4ـ إدارة السرد بحيادية لا تسمح بالأفتعال العاطفي ليجد الكاتب نفسه منحازاً للشخوص جميعاً بما فيهم القارئ كشخصية مكملة للذيوع الإبلاغي للحدث.

5ـ اللغة التي تصيغ اللقطات السردية بشكل لوحات متفارقة متلاحمة متضافرة في أهدافها، وتصعيدها للأحداث بذات التوتر من البدء حتى المنتهى، جعل القناعة الفنية تغلب على حقائق الأحداث الحياتية، فصدقنا بأن الخطأ التشخيصي أنتج تلك المأساة المزدوجة. تواليف لعل السر الأساس في نجاح قصة حدث سهواً لا يعود إلى العوامل المذكورة أعلاه فقط إنما إلى ظاهرة التوليف التي اتبعها القصاص عبد الكريم الساعدي, إذ هي عملية مَنْتَجَة من وضع للحدث ثم مجاورته بآخر والآخر بآخر .. وهكذا..، ثم إجراء عملية إلحام تشبه الديكور الخارجي ثم عملية دمج المشاهد المقطعة حتى تصير لوحة متتامة تقول ما يريده الكاتب .. الأسطر الأخيرة تمكننا من التوصل إلى صواب الفرض هذا.. لنتابع/ [ الطبيب .. يعتذر .. ـ آسف جداً، حدث سهوا ! ـ ماذا فعلت؟ وأيّ أسفٍ هذا؟ لقد هشّمت مرايا الحياة. يرنو ببصره إلى السماء، يحدّق بعيداً، ربما سيتوهج بستان الأحلام في خريف العمر. يزمّ شفتيه بعصبية، يبصق في ورقة التحليل، يزيح كابوساً مرعباً بابتسامة هازئة بما تبقّى له من سنين ………….. ] فالنتيجة وضعت الطبيب جنب المريض جنب التقرير الغلط, ثم وضع لمسات الديكور التي هي كلمات ( يعتذر، و، آسف، و، أي أسف هذا)، ثم يتم دمج الأحداث بأقوال الفاعل الأهم ـ المريض ـ بقوله “لقد هشمت مرايا الحياة” إذ المرايا تعكس المظاهر والتهشم يعكس الدواخل، وبهذا الدمج تصير اللوحة قطعة واحدة تحكي فلسفة كونية تخص حكم السماء على الأرض بالتغير المطلق للوجود.

السابق
آسف.. حدث سهواً
التالي
ضريبة النور في نص “أوتار”

اترك تعليقاً

*