مقالات

السياق اللغوي وأثره في ترجمة العنوان

إن العنوان وإن استفتح بسواده بياض الورقة أو المطبوع عموما إلا انه يكون آخر الأطراف النصية الملتحقة بالركب الكتابي، إنه تأخر “استكتابي” قد يكون من الحكمة وضعه في الحسبان ومراعاة تراتبيته المتأخرة لحظة ممارسة فعل الترجمة، بمعنى إرجاء ترجمة عبارة العنوان إلى حين نفض اليد من غبار النص الأكبر، بعدها لا بأس إن شُرِع في التعامل على انفراد مع العنوان، ذاك أن هذا الأخير، على صغر جرمه وحجمه، يكاد يمثل لوحده عالما أسلوبيا له جماليته الخاصة التي يتعين إزاءها استنفار قدرات تبليغية من جنس ما يعرف بالأسلوب الإقناعي التحفيزي l’exhortatif الذي يتوافر لدى كل ذي ريشة ويراع إذ قد يحتاج الأمر أحيانا إلى الاستنجاد بخدمات أهل الاختصاص في المجال الإشهاري الدعائي من مثل ما نصادف لدى دور النشر للصحف والكتب، رجال قد مكنتهم خبرتهم الطويلة في مجال التعامل مع عبارات «ما قل ودل» من تحسس العصب النابض للكلمة إن لم يكن القبض على أكثر من سر خفي من أسرار كيميائها العجيبة.

قد يكون العنوان أول عنصر “كتابي تشكيلي” تقع عبارته بين فكي قلم المترجم «المجرم» كما يسميه الناقد Santoyo J.C (1) ،وهو وسم ووصم فيه ظلم إذا قصد به جميع المترجمين،وتوصف عملية الترجمة بأنها خيانة((Traduire c’est trahure ، ولفرط شبه عبارة العنوان بتلك الإشهارية المضيئة المعلقة أعلى بيوتات التجارة بغية اقتناص النظر ومغنطة الحواس، فإن حرص المترجم سينصب على استحضار ذلك التلألؤ والبريق للعنوان والإصرار في ذات الوقت على عدم الإضرار ببعديه الدلالي والجمالي، حسن نية قد لا تتوج بعطاء في المستوى المطلوب، بل إن الفعل الاستبدالي ذاك قد يتسبب في إلحاق الضرر بعضه يمس العارض الثانوي، وبعضه يصيب العصب الحي للعنوان فيشله شلا، والسؤال الذي يطرح: ترى ما هي طبيعة هذه الاختلالات التي تعتور توقيعة العنوان ساعة ترجمته ؟
إن الرغبة في الوقوف على بعض صنوفها وظروفها مبتغى يصعب تحقيقه ، لذا كل ما نأمل تحقيقه لا يزيد على رغبة في التمثيل على بعضها، وقد أعرب Gerard Genette وهو يضع نقطة النهاية لكتابه الموسوم “عتبات” “Seuils” (2) عن عميق أسفه لكونه لم يتمكن من التعرض لهذا الوجه الإشكالي المرتبط بترجمة العنوان.
1- ترجمة العنوان في سياق لغته الأصلية :
كثيرة هي العناوين الشائعة الذائعة بين أيدينا والتي لم تسلم من أثر الخدش والتشويه حتى لحظة الإخراج لها من طور المخطوط المدون باليد إلى صيغة السفر المطبوع.
لقد مر الفعل التحريفي أو التصحيفي لبعض العناوين دون تحريك ساكن من سواكن واقعنا النقدي العربي،يقول عبد السلام الهراس “فهذا مثلا مصنف في التراجم يذاع بين الناس وينشر بعنوان “طبقات فحول الشعراء”، أشرف على نشره محمود محمد شاكر عام 1952 والأصل في العنوان هو “طبقات الشعراء”، دون لفظ “فحول” المنتحل”(3)، ومثل ذلك قد يقال عما عرف به “العقد الفريد”،” إذ الأصل فيه «العقد» دون نعت “الفريد” المحتسب احتسابا على العنوان وما هو منه في الأصل المخطوط وقد يكون من مبررات هذا الاستحضار لصفة “فريد” ظنا خاطئا من لدن المحقق يحسب أن «العقد» جاء لمزاحمة كتاب «اليتيمة» ومنافحته في مجال تخصصه المعرفي، وما الأمر كذاك في الحقيقة، إذ المتواتر، تاريخيا وأدبيا، أن النص الأندلسي الموضوع في موازاة المصنف المشرقي «اليتيمة» هو كتاب “الذخيرة” لابن بسام.” (4).
وعليه، نحسب – يضيف عبد السلام الهراس -” أن لفظ “الفريد” المفترى على العنوان الأصلي لفظ مستمد من طبيعة تقسيم للكتاب اعتمده ابن عبد ربه الذي راح يوزع عادته على نحو 25 قسما هذه لفظة “الفريدة” فيه تستتبع مباشرة القسم الأول منه والموسوم به بـ« لؤلؤة السلطان» أما ورود القسم المعنون بـ”اليتيمة في النسب والأصل”. وفي إشارة لربما ضمنية إلى المصنف المشرقي، فتتقهقر إلى مقام لاحق.وفي ذلك الترتيب المعتمد عن قصد ما يقول،تلميحا لا تصريحا،تفوقا «للفريدة» على “اليتيمة” أو على الأقل ذاك ما اعتقده الناسخ المحقق للمخطوط (5). ورغم ذلك ظل الكتاب يحمل إلى يومنا هذا ذات العنوان المغير “العقد الفريد” بدل العنوان الأصلي كتاب” العقد” .
وقد يبلغ الخلاف حول مؤدى العنوان ما بين النقاد، قدامى ومحدثين، إلى حد أن يرد العنوان بأكثر من صيغة من مثل ما كان مع “خريدة القصر وجريدة العصر” لصاحبه عماد الدين الأصفهاني، إذ رغم صحة نسب التسمية لمصنف الكتاب، إلا أن هوى بعض الجامعين من أمثال صاحب “معجم الأدباء” أبى إلا أن يشير إليه تحت عنوان “خريدة القصر في شعراء العصر”، ومثله حاجي خليفة صاحب “كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون” الذي أورده معدلا على النحو التالي “خريدة القصر وجريدة (أهل) العصر”(6) لكن هذا الاختلال للعنوان قد لا يرد كل مرة على نحو تزيد لفظي على الأصل بل قد ينجم أثره التحريفي وتنجر عنه تهجية غير سليمة للعنوان وعدم التزام بتراتبية الحروف، من مثل ما كان مع عنوان كتاب الجاحظ الذي شاع وذاع بين الناس باسم “البيان والتبيين ” والصواب: “البيان والتبين” أي دون ياء ثانية، فيما يتبدى من نسخة “كوبريلي” (7)
وقد ينال الخلل ترتيب أحرف العنوان فيكون الناتج ما كان مع مؤلف اشتهر” بـ”أدب الكاتب” وما هو في الأصل كذاك، إذ الأسلم إن لم يكن الأصح مخطوطا: “أدب الكتاب “، بدليل وجود شرح له مسجل بعنوان:”الاقتضاب في شرح أدب الكتاب” لواضعه السيد البطليوسي (521هـ).(8)
إنها عينة من أشكال التحريفات والتصحيفات التي تطال عبارة العنوان عن قصد أو غير قصد وهو ينقل ويترجم من أصله المنسوخ باليد إلى طابع طباعي دون اجتياز لحاجز اللغة الواحدة، يحدث هذا كله للعنوان وهو مستقر مقيم في لغة الأهل والخلان، والسؤال: ماذا يحدث له لحظة التطلع إلى عبور الضفة الأخرى لمخاطبة الآخر؟
إن الوقوف على بعض المظاهر التحولية للعنوان أثناء حدوث فعل الترجمة يستدعي دراسة بعض النماذج العنوانية وتبيان ما ينالها من اختلال لحظة الترجمة من أو إلى اللغة العربية.
2 – ترجمة العنوان في سياق لغة الآخر
عنوان “الأيام” لطه حسين نموذجا “*
لقد قامت Hilasry Wayment بترجمة الجزء الثاني من «الأيام » لطه حسين إلى الانجليزية عام 1948 تحت عنوان “The Stream of Days” أي “تيار الأيام” أو “دفق الأيام” كما ارتأى ميشيل الأزرق في مقال نقدي له نشر في الموقف الأدبي (9).
لقد لاحظ صاحب المقال على المترجمة إيثارها التعامل مع النص البيوغرافي العربي من منطلق الاستحضار لمعادله الفني لا الحرفي فكان التصرف المتكرر في أكثر من عبارة وفكرة وصورة بغية التكييف والأقلمة لها إلى أن بلغ الفعل في بعض الأحيان مشارف الفعل المخل بمؤدى العبارة العربية، من ذلك على سبيل الذكر لا الحصر، إقدام المترجمة على اقتراح لفظة “حبوب” beans (التي تحيل في الانجليزية على معنى الحبوب عموما أو الفاصوليا أو الفول على السواء) بديلا معجميا عوض لفظ “الفول” الأصلي، وليس من شأن التغاضي عن هذا التدقيق اللفظي أن يخدم طبيعة المحمول الخطابي ذي المقومات الحضارية والاجتماعية لمصر وأريافها.
فالفول فيما يذكر عالم البنيوية “كلود ليفي شتراوس في مصنفه “Le regard éloigné” (10) نبت كان له حضور مشهود في حضارات الناس ومعتقداتهم، ما بين مقدس له ومدنس له منجس، إلا انه في كلتا الحالتين، ظل ويظل محفورا على الذاكرة الجماعية للشعوب، وعليه، لا ضرورة موضعية تبرر التعامل معه – ترجماتيا – من مستوى التبسيط المستخف أو المهون من شأنه بوصفه مجرد “حب من الحبوب”، وعليه، فالمرور مرور الكرام على جسد هذه الدالة الحضارية الكامنة كمونا في هيولي لفظة “الفول” فيه ما يمثل زلة دلالية معجمية ليست بالهينة.
ولمثل هذه الألفاظ والمفردات الخاصة ببعض البيئات والحضارات من الأثر التدليلي ما يشاكل من حيث عمق الأثر، تلك الضربة الختامية لريشة فنان، سواء تمثلت على نحو مضاف أو تعديل طفيف ولعلها تأتت على نحو لطخة أو نقطة،لا تزيد على ضربة واحدة لفرشاة إلا أنها لمسة فنية في مقدورها أن تحدث تعديلا وتغييرا لوجه الرسم أو اللوحة وتقيد شاردا فيها وتوسع ضيقا، ومن هنا كان لابد من الإشارة إلى مدى خطورة المخزون الدلالي لبعض الألفاظ المعجمية دون سواها
ومن هنا تتجلى حقيقة الترجمة، وما يكتسي فعلها التحويلي من درجات في التعقيد والعمق قد تشارف أفق الاستحالة بين الفينة والأخرى.إنها ترجمة تتجاوز الحدود اللسانية لتنفتح على أفق عالم معرفي عميق الغور، متشعب الأبعاد متداخل الاختصاصات بحيث لا غنى في إطارها للبعد التاريخي الحضاري الماضوي عن خدمات اجتماعية ونفسية وسياسية ، إنها “الوظيفة الميتالسانية” التي لم تتنبه لها مترجمة “الأيام” لطه حسين بدءا من لفظة العنوان.
إن ما يلاحظ في مستهل هذه الترجمة المنجزة للعنوان، كونها – كما لفظيا – لا تلتزم بحدود الأنموذج العربي المشكل في أصله اللغوي من مفردة واحدة. لقد أضحى العنوان في النسخ المترجمة مزدوج اللفظ (مسند ومسند إليه) ورد لفظ «الأيام» مسبوقا بـ “Stream ” أي تيار، مجرى، و هو في مقام “الإضافة” إذ لا وجود له في العنوان العربي”الأيام”.
إن هذا الاستفتاح للعنوان الانجليزي “The Stream of Days” بلفظ “دفق” ما يوحي عنصره اللغوي بانسيابية وتدفق يطبع أياما كأيام طه حسين بل إن انتقاء طه حسين للفظ “الأيام”، وهو الأزهري المتشبع ببلاغة القرآن، المتمرس على قاموس الأدب الجاهلي ، الدارس لفطاحل الشعر من أمثال المعري والمتنبي، لدليل على العسر لا اليسر، الضنك لا الرغد في العيش، الانتقاء يحيل على مرجعية أدبية وقرآنية تقف على طرف نقيض من معنى راهن مكتسب يؤشر على التعاقب والتوالي الروتيني ما بين ليل ونهار.
“أيام ” طه حسين أيام تشاكل أياما لعرب تكاد تكون كلها كرا وفرا وسلبا ومعاناة، إنه البعد الدلالي القديم “Le sens archaique” المنطبق على خصوصيات سيرة ذاتية مفعمة بالمتاعب والنوائب، وهو معنى لا يمكن القبض على ظله الدلالي من قبل مترجم أجنبي، إن أدرك من لغة الغير سرا، غابت عنه أسرار وأسرار.
لقد غلب على لفظة”الأيام” في الموروث العربي معنى المشقة والتعب والضنك في أغلب الحالات ، إنها أيام استوطن جنباتها الهم والغم إلا فيما ندر، أيام طفل ضرير يعاني شظف الحياة وما يصاحب ذلك من ألم نفسي وشعور بالعجز ، وأحلام بسيطة تتمثل في القدرة على القيام بأشياء يؤديها الصبية في مثل سنه… هذا عن العنوان وموقع لفظة “الأيام” في سياقها الخاص لكن هذا لا يعني أن استخدام اللفظة في مواقع أخرى من نصوص الكاتب وارد بنفس العمق الدلالي الذي جاء به على وجه الخصوص ضمن السياق العنواني، و لا حرج على اللفظة أن تتخلى، لحظة اندراجها في السياق العنواني عن بعض مكونات “صبغتها الدلالية” المعتادة لتنفرد بمعنى خاص أو متخصص، فللمقام العنواني حضور متميز في الرصف والتأليف، وهو ما لم تتمكن المترجمة الانجليزية من حدسه وتحسسه ربما لعدم تمرسها على الأسلوب المتميز لكتابات طه حسين الموصوف بالسهل الممتنع.
و بعد هذا النقد للترجمة الانجليزية للعنوان، يقترح بن عبد الله الأخضر بديلا يتمثل في لفظ Chronique يحمل في ثناياه معنى “الايام” مضافا اليه معنى الإعسار والأزمان والتعقد كمثل قولك الأمراض المزمنة:maladies chroniques ، اللفظ، رغم مراوحة دلالته ما بين معنى الأيام عموما والمذكرات التاريخية إلا أنه مازال يحتفظ ببعض «الجلال» الدلالي والخصوصية التي كثيرا ما جعلته يلازم استخدام المجال الطبي والاكلينيكي تحديدا.
والسؤال: أليست أيام طه حسين ضربا من الأيام العصيبة التي تشاكل في عسرها العسير ليالي السقم والألم ؟ إنه اعتقادنا(11) الذي يحملنا على المراهنة على لفظ Chronique بديلا معجميا أعجميا يترجم بعدا عميق الغور ترشح به لفظة «الأيام» في الاستخدام «الطهحسيني» ودون الزعم من بإمكانية ترجمة نفس اللفظة في الاستخدام العربي القديم والمعروفة بـ “أيام العرب” بنفس المعادل اللفظي، ذاك أن اللفظة لا تتقبل بالسهولة هذه ترجمة منحطة وحيدة موحدة، لذا نعتقد إن ترجمة لفظ «الأيام» بالمفهوم المصطلح عليه في الأدب القديم تكسب قربا دلاليا من اللفظ الغربي Geste وان ترجم دوما في العربية بمعادل «سيرة أو سير» فلفظ Chronique أو Chronicle الذي يقترح بديلا اصطلاحيا للفظ «الأيام» عند طه حسين اقتراح يلمس من خلاله ما في المفردة من إشارة خفية واشية بمعاني الشدة والعسر إلى جانب معنى التتابع والتلاحق للمحن والإحن. فلفظة Chronique تشير في الاستخدامات القديمة على ما يرادف المعنى الاصطلاحي للتاريخ، وفي أيام طه حسين ما يناظر الفعل التاريخي الذاتي التراجمي وفيها أيضا، ما يماثل( غما وهما) أياما شهيرة مأثورة قد خلت صنيع رجال ذكرهم التاريخ، فكان:
– “يوم حجر” يوم ضم مأساة امرئ القيس: من يوم تتويج أبيه إلى مقتله، إلى موت الشاعر نفسه.
– و “يوم ذي قار” ضم حياة عدي بن زيد العبادي وشعره.
– و “يوم داحس والغبراء” احتوى سيرة عنترة.
– و”أيام عامر وغطفان” وتعد ملحمة كبيرة لحياة الحارث بن ظالم المري، الشاعر الفارس المعروف بوفائه وفتكه.(12)
فأيام طه حسين بخصوصيتها، ليست على هذا النحو أياما كأيام العوام حتى تترجم بلفظ مبتذل كـ Jours أو طفولة Childhood إنها أيام متميزة في معركة طاحنة كان فارس ميدانها فتى ضريرا بصيرا حق لفعله البطولي أن ينعت بالأيام إذا كان لأقرانه من المبصرين يوم، إنه المعنى ذو الغور البعيد الذي يستشف من استخدام “طه حسين” لكلمة ليست هي الوحيدة التي انطمس معناها الأصيل ليكبسها آخر بديل في ظل شيوع الوهم الترادفي الذي يقع في فخه “رجالات في الأدب لهم حساب جار مشهود في مصرف الشهرة وذيوع الاسم من مثل شاعر القطرين حافظ إبراهيم حين أقدم على ترجمة رواية الأديب الفرنسي الكبير Victor Hugo الموسومة بـ Les Miserables بلفظ “البؤساء” يترجم معنى البؤس والادقـاع، ولكن الحقيقة غير ذلك، إذ العرب، فيما جرى به العرف اللغوي تصطفي لذلك لفظتين متباينتين لصيغة الجمع فتقول – أولاهما البؤساء، ممثلة لجمع «بئيس» بمعنى البطل الذي لا تحل له عريكة،أما”البائسون” فيؤشر بها إلى معنى الشقاء وزراية الحال”(13).
3 – العنوان مترجم إلى العربية
“رانبو” وعنوان مجموعته “illuminations” نموذجا*
إنّ ما يطرأ على العنوان العربي من تغيرات ساعة النقل له من اللغة العربية إلى سواها، فإن العكس من ذلك هو المتوخى من المثال الثاني للشاعر الفرنسي “ارتور رانبو”، العنوان وارد في الأصل اللغوي بـ:”illuminations” والذي تعاطي سواد المترجمين على أساس تأشيره إلى معنى الإشراق الصوفي، ومن ثمة ترجمته عربيا بـ”اشراقات”، والرأي عند “صاحب المقال” أن هذا المعادل المعجمي لا يزيد على كونه البعد الأولي السطحي للمعنى، فأول ما يتبادر إلى ذهن المتلقي ساعة الذكر لرانبو: “الفتى الألمعي المتصوف فما تروي جملة من الأقاويل والتخريجات المتعلقة بطبعه البوهيمي وشذوذه وشروده سنين عديدة عبر متاهات عدن بحثا عن نعيم ضائع وربما مطاردة لظل تاريخي، يقال إنه عربي”(14)، أقاويل شتى شكل مجموع نسيجها الفرضي ما يشبه الهالة الأسطورية التي كبست حقيقة الفتى المراهق المرهق بملابسات وضع وطني غاية في التضعضع.
فاسم “رانبو” كاد على هذا يرادف معنى المتصوف العازف عن متع الدنيا العاجلة، ومن ثم دأب قلم الترجمة والنقد على السواء على التعامل مع لفظ illuminations على مستوى حده الاصطلاحي التصوفي، وذلك لجملة من الأسباب:
إن التعامل مع اللفظ معفي من علائقيته التاريخية والأدبية وحتى البيوغرافية كانت وما فتئت سمة واصمة لأكثر من ترجمة، فالإقدام على ترجمة اللفظة المعنونة illuminations دون اعتبار للخلفيات البيوغرافية والثقافية الخاصة بالناص عموما، يشكل صورة من صور التعامل المسطح مع أبعاد متعددة للنص، والمترجم بوصفه مبدعا ثانيا للنص،وشريكا في عملية الخلق الثانية ،من مهامه معاودة استحضار الظروف والملابسات التي رفدت العمل ساعة ولادته، غير مستهين بالعناصر البيوغرافية والتاريخية التي صاحبت العمل. فالنظر في مثل هذا العنوان يحيل على” زمن إبداع متقوقع على مشارف 1776 رغم أن زمن النشر الفعلي سيتأخر حتى عام 1886″(15).
إن التاريخ الأول لإبداعها يحيل على عهد إقامة للشاعر في الديار البريطانية رفقة جيل من الأدباء استهواهم مثل هذا التصنع اللغوي الهادف إلى إثبات الذات المعرفية بما تمتلكه من اطلاع على لغة الآخر كما درجت على ذلك ارستقراطية المجتمعات، إنه إمرار على الصنعة والتصنع عرفت موجته بموجة Snobisme في كتابات شتى أدباء العصر من مثل Balzac الذي شاء له هواه البورجوازي أن يجري كلمات بالإيطالية على لسان شخصية من مثل “سارازين ” على خلاف كاتب روسيا “Tolstoi ” الذي لم يتردد هو الآخر، ضمن رائعته “حرب وسلم ” في الزج بأكثر من عبارة فرنسية ضمن المكتوب الروسي وقريبا جدا منه Marcel Proust في جزء من مطولته الروائية Un amour de Swann حيث Odette de Cre’cy لا تفتأ تطلقها ألفاظا وعبارات انجليزية تصنعا لحديث تتصوره يليق بمقامها الراقي، وما نموذج بودلير بعنوانه الشهير” Le Spleen de Paris” شاهد يضاف إلى ما عداه ليقول فيما يقول مدى تعلق جيل “رانبو” بمثل هذا التشكيل الألسني المتعالم.
هذا عن طبيعة العصر وما انطبعت به نزعته في التشكيل النصي، أما إذا استقرأنا “بيوغرافية رانبو” فيمكن الوقوف على عمق العلاقة التأثرية لرانبو بالأنموذج البودليري والإشادة بفنه الساحر بوصفه مثالا جديرا بالاحتذاء والاقتداء وفي هذا الشاهد السيري مضافا إليه قراءة في مجمل القصائد المدرجة تحت هذا العنوان وهي قصائد توصيفية راصدة لأكثر من منظر ومظهر وقف عليه رانبو الشاعر الصعلوك، يمكن الزعم أن لفظة illumination تدل على معنى اللوحات التزيينية في الانجليزية بدل نظير ومرادف فرنسي يعني الإشراقة، فترجمة العنوان ذاك بمعنى “الإشراقات” ترجمة لا تتعامل إلا مع الجذر الدلالي الأول للكلمة وقبل أن تدخل حرم الشاعر لتولد ولادة جديدة بين أنامله ويستعطيها هواه وولهه بالتشويش على وقار اللغة معنى خارجيا مستجدا لا منتظرا ، فالربط التلقائي لمعنى الإشراق بلفظ illumination ربط ربما وقف وراء تكريس معناه”الخاطئ” أولئك المتحدثون عن رانبو حديث
المتصوف المتقشف المولى ظهره لترف العاجلة، المشرئب قلبا وقالبا إلى حيث الجذر “الأبوي” منغرسٌ، إن هذا الصنف من النقاد كثيرا ما نسي في مقاربته للنص “الرانبوي” ما قد يكون للزمالة الأدبية من أثر موجه لعملية الانتقاء للعنوان الذي جاء عند «رانبو» مقتديا بالمثال”النرفالي”.
لقد كان لـ” جيرار دي نرفال” Gerard de Nerval فيما تذكر معطيات سيرة ذاتية ملحقة بالديوان، مجموعة من الكتابات النثرية بعنوان , “Les illumines” كان قد أصدرها عام 1852، عرض فيها لعينة من رموز طائفة سرية من”المنورين”، ذات الأصل الألماني والتي وجدت لها طوال القرن الـ18، نشطاء ومتحمسين في فرنسا تحت طائل تسمية Les Martinistes نسبة إلى قطبيها الفاعلين “Martinez et St Martin”.
فهل يكون فعل النسج على منوال العنوان “النرفالي” قد استهوى قلم “رانبو”؟ لقد أورد “فرلين”ذاته عرض مقدمة كتبها لعام 1886، جاء فيها على الخصوص:
« Le mot ” illumination” est anglais et veut dire gravures coloriées – coloured pglates- c’est même le sous titre que M: Rimbaud avait donné á son manuscrit ». (16)
الترجمة : “إن كلمة “illumination” كلمة انجليزية وتعني اللوحات الملونة، وإنه العنوان الملحق الذي كان رانبو قد اتخذه لمخطوطه.
إن ما جاء في كتاب خاص بعلاقة رانبو بانجلترا أصدره V/P/Underwood (17) من أشكال التحليل والتعليل المستمد من بطانة النصوص لا من مظهر خادع للعناوين ما يمكن الاعتداد به حجة دامغة على متانة الحبل الصري الذي كان يشد الفتى شدا وثيقا إلى الديار الانجليزية وما حفلت به من معمار يبدو أنه فعل فيه فعلته وأثر ذلك على هذه اللوحات الكتابية المنثورة نثرا شاعريا،كما كان الأمر مع سليله فولتير الذي استهواه من انجلترا وجهها البرلماني الديمقراطي.
إن الذي سيحرك حس شاعر فرنسي قادم من ضاحية فرنسية يحاصرها السأم من كل صوب وحدب سيكون هذه المرة عمرانا متدفق الأشكال ترفده حركية دائبة تجعل من هذا البلد أشبه ما يكون بلوحة تستأثر بالاهتمام وتحرك سواكن وكوامن الإلهام، وهو ما أتاه قلم لـ”رانبو” سجل ما قد رآه بالأفق الانجليزي يومها.
وإمعان النظر في مضامين هذه الأشعار المنثورة بمستطاعه أن يضع اليد على عمق ذلك الأثر الذي يقف وراء انحشار لفظ انجليزي على نحو عنوان عام لمجموعة من المقالات الوصفية؛ بل لا ضرر أن يتزين ما خط بالحرف الفرنسي بعنوان مستمد الدلالة من معجم الانجليزية ما دام هذا المرصود إجمالا واقعا في حياض المحيط البريطاني.
وخلاصة القول أن بعض العناوين، حين نخضعها للترجمة، تكشف عن ضروب من المقاومات يشاكل الكثير منها مقاومة الشعر لحظة التوق إلى استنباته في لغة الغير، والسؤال الذي ظل يخامر صاحب (المقال) وهو يشتغل على فقرة العنوان المترجم هو: “ألا تكون صعوبات ترجمة العنوان منطلقة أولا وآخرا من طابع شعري كامن فيه كمونا سواء في إيجازه أو مبالغته أو حرصه على تجويد شكلانيته ومظهره الجمالي الخارجي ؟”
المؤكد على أيامنا أن العنوان ماض في اتجاه الشعرية، فالرواية التي استهلت العنونة بصيغة العنوان القصير المشكل من علم أو مسند ومسند إليه هاهي اليوم تمضي في اتجاه الاستعارة للعنوان الطويل الذي يضارع شطر بيت وهذا بلغة متميزة تماهي لغة القصيد فعناوين “Francoise Sagan” الروائية الفرنسية ذائعة الصيت عناوين ما فتئ يلازمها ملازمة طابع شعري صارخ، من مثل “سلاما أيها الحزن “tristesse Bonjour ” أو “في سنة في شهر ” “Dans un mios, dans un an” ومثل ذلك كثير.
ويبقى العنوان على هذا عنصرا كتابيا لا يمكن الاستهانة بإسهاماته في إثراء وتلوين البعد التشكيلي للكتابة، ومن ثم يتوجب على المترجم مراعاة حرمة له انتهكت مرارا وتكرارا على أيام كانت يد الناشر تتدخل في الضبط لديباجته النهائية، أما اليوم فإن أكثر من عنوان قد وجدتأو أوجدت له فقرة قانونية في نص العقد المبرم ما بين الناشر والمبدع ترعى له ماء وجهه دون أن يعني هذا طبعا تكرس القاعدة والتوبة النصوح بالنسبة لكل ناشر أو مترجم فالفروق ما فتئت تتوالى أخبارها لكن مع بقاء حق المبدع قائما في المطالبة باحترام الصيغة العنوانية الأصيلة أو تعديلها في حدود ما يتفق عليه أو يرخص به المبدع.
ذاك غيض من فيض مستعصيات قد تطرحها إشكالية العنوان لحظة التسويق له في لبوس لغوي جديد إنها إشكالية تقتضي من الراغب في مدارستها مدارسة موضوعية أن يعمد إلى تصنيف العنوان بحسب جنسه أو قالبه الأدبي (جنسية المكتوب)، ذاك أن العنوان الشعري غير العنوان الروائي ناهيك عن أثر العامل الزمني في قولبة وضبط تلك الديباجة.
إن الإشكالية غاية في التعقيد وتستدعي من أهل الاختصاص النقدي تدقيق النظر في متشابك خيوطها ولم لا استحداث فقرة خاصة في نظرية الترجمة تعني بجماليتها درسا وتمحيصا؟.
إن العنوان وإن استفتح بسواده بياض الورقة أو المطبوع عموما إلا انه يكون آخر الأطراف النصية الملتحقة بالركب الكتابي، إنه تأخر “استكتابي” قد يكون من الحكمة وضعه في الحسبان ومراعاة تراتبيته المتأخرة لحظة ممارسة فعل الترجمة، بمعنى إرجاء ترجمة عبارة العنوان إلى حين نفض اليد من غبار النص الأكبر، بعدها لا بأس إن شُرِع في التعامل على انفراد مع العنوان، ذاك أن هذا الأخير، على صغر جرمه وحجمه، يكاد يمثل لوحده عالما أسلوبيا له جماليته الخاصة التي يتعين إزاءها استنفار قدرات تبليغية من جنس ما يعرف بالأسلوب الإقناعي التحفيزي l’exhortatif الذي يتوافر لدى كل ذي ريشة ويراع إذ قد يحتاج الأمر أحيانا إلى الاستنجاد بخدمات أهل الاختصاص في المجال الإشهاري الدعائي من مثل ما نصادف لدى دور النشر للصحف والكتب، رجال قد مكنتهم خبرتهم الطويلة في مجال التعامل مع عبارات «ما قل ودل» من تحسس العصب النابض للكلمة إن لم يكن القبض على أكثر من سر خفي من أسرار كيميائها العجيبة.

الأستاذ:العربي مصابيح
ماجستير – مناهج البحث اللغوي-

المراجع:

(1) Genette (G): Seuils Paris, ed Seuil, 1987
(2) J.C Santoyo, El delito de traducir Leo, Universidad de Leo, 1985.
وترجم النص إلى الانجليزية بعنوان يحمل أكثر من أثر للخيانة النسبية:
Williams Wendy , Those Criminals The Translators in Language (Monthly).29, 1986, p.8.
(3)عبدالسلام الهراس ، مشكل عنوانات بعض الكتب المهمة، مجلة الفيصل ، ع. 233، 1996 ص.28
(4) عبدالسلام الهراس ، المرجع نفسه،29
(5) عبدالسلام الهراس ، المرجع نفسه،29
(6) – سيد أحمد محمد ، المصدر الأدبي( مفهومه وأنواع دراسته)، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986، ص.58.
(7) ينظر صفحة للعنوان مصورة عن نسخة “كوبريلي” أوردها عبد السلام هارون ضمن طبعة البيان والتبـ (ي)ن، بيروت، دار الجيل، د.ت.
(8)عبد السلام الهراس ، مرجع سابق ، ص.30
* انظر مقال للأستاذ بن عبد الله الأخضر،إشكالية ترجمة العنوان، جريدة المؤتمر العراقي،العدد1348 ،20 أيار 2007 ،([email protected]) (9) ميشيل الأزرق ، هل نجح مترجم “الأيام” إلى الانجليزية أم أخفق ؟ مجلة الموقف الأدبي، ع. 109، أيار 1980، ص.146-149.
(10)Claude Levi Strauss, Le regard éloignéé, Paris, plon, 1983 pp .263-275.
(11)بن عبد الله الأخضر،إشكالية ترجمة العنوان، جريدة المؤتمر العراقي،العدد1348 ،20 أيار 2007 ،([email protected])
(12)عادل جاسم البياتي ، عن مقدمة كتاب أيام العرب قبل الإسلام لأبي عبيدة بغداد، دار الجاحظ للطباعة والنشر، 1976، ص. 73-74.
(13) بن عبد الله الأخضر،إشكالية ترجمة العنوان، جريدة المؤتمر العراقي،العدد1348 ،20 أيار 2007 ،([email protected])
اعتمدنا في بعض معلومات هذا العنصر على دراسة للأستاذ بن عبد الله الأخضر(ناقد جزائري)،إشكالية ترجمة العنوان، جريدة المؤتمر العراقي،العدد1348 ،20 أيار 2007 ،([email protected]).
(14)المرجع نفسه.
(15)- Rimbaud (A): Poe’sies, saison en enfer, Illuminations et autres textes Paris, Gallimard, 1960
(16) P.Brunnel et Y.Cheverel, précis de littérature comparées (sous direction), Paris, PUF, 1989, p.30
(17)V.P.Underwood,Rimbaud et l’Angleterre,Paris,Nizet,1976.

السابق
رائحة الطين
التالي
المقاربة التداولية، المصطلح والمنهج.

اترك تعليقاً

*