القصة القصيرة

الشاردة

حين سار زورقي هذا في هذا البحر الذي غيّر لونه وغيّر لطفه بوجه الموج الغاضب لأتفه نسمة، كنّا يا صديقتي لا نأبه بالموج العاتب، بالسواحل الممدودة أمامنا في الأفق باسطة ذراعيها فرحا وإستقبالا..لا..ما كان النورس يعني لنا إلا المضي قدما دون الإلتفات إلى الوراء. وكان الزورق كالرضيع يهدهده الموج تارة وتلاعبه الأسماك تارة أخرى. وكان الأفق ربيعيا وبسمات ثغرينا بريئة براءة أهلنا الرّحل..رغم الوسط البدوي وعادات العشيرة التي تحيطنا وتكبّلنا جعلنا من عالم الأحلام والخيال عشيرتنا التي لا تطؤها إلا اللواتي ينجبن شجعانها…
هل تذكرين يا صديقة العمر حين كنا نتباسط الأفكار ونتطارح الأسئلة. لم نحن عالة وسط عائلة لا تعترف إلا بالذكر؟؟ تذكرنا تلك العيون الجائعة التي ترصدنا في كل زقاق نمرق منه. تبّا قد سرقوا براءة الطفلة الصغيرة من قلبينا ولم يكن يعنيهم غير جسدينا..هل تذكرين قائمة الممنوعات التي تصدرها يوميا العائلة؟ كنا نتفنن في سبّها..
البحر عريض وطويل.أحيانا اشعر أنّي قطرة غريبة من مياهه. والزورق كأنه يتعب ويتذمر في سكون.إني أحس ملله وعرقه..آه لو كان يستطيع أن يتحدث..أن يصرخ..أن يرفض..
بعد إبحار طويل ها أنا ألج هذا الشاطئ الحجري وهذه الأحجار الناتئة تخبرني في تحدّ سافل أنها النهاية..
اعذريني يا صديقتي فدمع العين همار..ما أستطاع أحد إيقاف هطول الأمطار من السماء..إن شيئا قويا بل إحساسا عارما لا يكف يعصر مقلتي لتسيلا دمعا سكيبا..صديقتي قد كنت لي الحبيبة والأخت بل كل عالمي البريء. قد كنت الصدر الذي أبثّه لواعج نفسي التعيسة وكنت اهرع إليك في الضرّاء والسرّاء . وكنت تمطريني بالأخبار والطرائف.لا تضحكي مني فقد نسيت أن كل واحدة كانت تثرثر أكثر من الأخرى..فكيف لقلب ما ذاق غير الكبت والحزن وسط هذا العالم الرجولي أن يعيش وحيدا؟؟ لمن افرغ أحزاني؟؟ لمن أستريح بعدك؟؟ لقد حلمنا بالحرية والانطلاق في هذه الدنيا نلهوا ونمرح نزور كل الدنيا..
آه يا صديقتي في صدري ما يسع كل مجلدات وكتب وموسوعات العالم من كلام لا ينضب..هل تدرين أن كلّ حرف في هذه الورقة بدمعة وكل دمعة بوخزة في قلبي..عجبا ما ظننت نفسي يوما أنّي باكية كل هذا البكاء.أحقا رحيلك بين شمس وضحاها ؟ أاصير وحيدة؟؟! إني لاأستطيع أن أتصور أني سأدق بابكم فيجيبني الصدى والخلاء..ما الذي جنيت وأنا اليتيمة في هذه الدنيا القاسية؟ مصيري بعد الآن الشجن والسجن . سأكون حبيسة البيت كما صدرت الأوامر. محرم علي النور لأنّي ببساطة كبرت..
واها ياصديقتي قد يأتي اليوم الذي تقرئين فيه هذه الذكرى فتكتشفين أن كل حرف شذرات من روحي المعذبة لفقدك.. ها أنا اجرح كفي لتسيح قطرات دمي على هذه الورقة شاهدة مدى الحياة على صدقي وحبّي لك بكل جوارحي القابعة في غياهب العذاب المرير.
إنّي أتعذب يا صديقتي منذ ولدت..والآن عذابي أكبر من أي وقت مضى..إنّه كالسّم الذي يقطّع الأحشاء بدون رحمة.إني أحس به وجعا قاتلا ينثال من عيني دمعا غزيرا. كلما أردت أن أنهي هاته الكلمات يأبى القلم عليّ ذلك بالرغم من كل هذا الذي كتبته إلا أنّي لم أوفق في رصد سخطي من القدر وعذابي يا صديقة الأيام الحزينة..
لكن لا بد لهذا الزورق المسكين الصبور الذي عاش أحلى وأسوأ سنيّ عمره في هذا البحر أن يلتطم بحجر ناتئ لا يرحم ويصبح لعبة بين راحتي الموج..لابد أن أضع قلمي.. وداعا يا صديقتي وداعا..
قرأت آمال هذه الكلمات والدمع يبلل منديلها ..إنّها تدرك مدى تعلق صديقتها سعاد بها ولكن هل كان بمقدورها أن تقرّر أو أن تختار؟ هي العائلة اضطرت للرحيل نظرا لطابع عمل الوالد.
-ما بك يا بنيتي فالصمت يلفك منذ قدومنا؟!
جاءها صوت أمها بعيدا كأنه يصدر من عالم آخر. أحسّت أن أحدا يمسك بها ويهزّها بعنف.تعيد أمها السؤال وتتفرس وجهها لكنها لا تعثر إلا على الصمت. تلاحظ الدفتر الموضوع على ركبتها..تلمح أربع قطرات دم يابسات..تحرك رأسها غير آبهة وتمضي.أصوات أخوتها الصغار تتداخل..البيت يتحول إلى ضباب كثيف.يد مجروحة تسير نحوها..تمسح العبرات من على خديها.. صورة هاربة من الذاكرة تقفز أمامها..طفلتان ومحفظتان وشارع طويل وواسع..كانتا تمضغان علكتين..تدندنان بأغنية لا يصلها إلا هذا المقطع(هيا نلعب قبل المغرب..)تنقطع الأغنية..ينقطع الصوت وتعود ثانية الصورة..طفلتان تجلسان في طاولة واحدة..معلم يميل إلى السواد ينهرهما يصرخ فيهما
-أنتما مكانكما البيت.أنتما بنتان..لم تلعبان مع الذكور..؟
تتذكر أن أخاها ضربها لأنها تأخرت في العودة..تقول أمها:
*أنت بنت والبنت عار يجب أن يوارى الدار.
كلمات لم تفهمها..عيون ترصدها هنا وهناك..تسائل صاحبتها
-لم أصبحنا محطّ إهتمام؟!
وبمرور الوقت تجد أن جسدها الذي نما هو السب..أسئلة كثيرة تنمو في رأسها وتنتحر..فتى وسيم يعترض طريقها يقول لها كلاما حلوا.يعجبها في داخلها لكنها تسبّه وتشتمه..في الليل تعاتب نفسها..إنها تجهل لم تصرفت هكذا..يومان مرّا من بعد توديعها صديقتها..ترجتها أن تصبر..نعم بدأت الصورة تتضح إنها تتذكر فقط..أحست بضيق لفقد سعاد..تسقط دمعتان أخيرتان..تطفئ النور وتسدل الغطاء على كامل جسدها..صوت هر فوق السطح يعوي عواء غريبا ثم يتلاشى في هدوء..هدوء .

السابق
غزاويون
التالي
حفنة تراب

اترك تعليقاً

*