مقالات

الشطب والجملة في القصة

عندما تريد زوجتي أن تشتري لباسا معينا وأكون في رفقتها أحبس أنفاسي لأن ما تقوم به يقلقني ، تطلب من صاحب الدكان أن يكدس أمامها عشرات الألبسة ،فأتضايق مكان صاحب الدكان فيقول لي لا عليك يا سيدي أتركها وشأنها ! وعندما تنتهي تقول:
– الآن سأختار ما يحلو لي ،عندما تكون الملابس معلقة لا أستطيع التركيز ! فكرت فيما قالته زوجتي : رأيتها تعطيني التقنية المفيدة والناجعة في كتابة القصة القصيرة ،كيف ذلك وما العلاقة ببن هذا وذاك ؟
وفي الكتابة القصصية تأتيك تلك الأفكار الرائعة صدفة ودون سابق إنذار كالصفعة على قفاك ،هجوم سيل من هذه الأفكارويكون أمامك دقائق معدودات لتحاصرها أو تتبخر من ذاكرتك فتطارد السراب أو خيط الدخان ،فالذاكرة لا تنتظرك لأنها ستنغلق على نفسها فتضيع منك قصة رائعة وجميلة ، لكن اذا كاتت لك حنكة الصياد ، فإنك ستتمكن من لملمة أفكارك كيفما اتفق وتستأمنها مدونة حتى لا تضيع منك ،وعند ذلك تجلس جلسة الصياد فتنتقي ما جمعته من أفكار وتعابير وتراكيب لعوية ، وترمي في البحر تلك الأفكار التي تراها تثقل شبكتك بدون فائدة ، تبدأ في عملية الطرح والزيادة أي الشطب والإضافة ، وكأنك تطرز لوحة من الفسيفساء .تضيف ما يجب إضافته وتزيل ما يمكن إزالته ،قد يقول قائل : لماذا كل هذا التعب ؟ أقول اطلعت على إبداعات بعض خيرة كتاب القصة القصيرة والرواية فاستنتجت أن الكاتب( ليس من يعرف أن يكتب بل الكاتب البارع هو الذي يتقن عملية الشطب ) وكما كان ينصحني الاستاذ محسن الطوخ ،ولكن أن لايكون الشطب مجانيا وإنما الشطب الذي يستفاد منه في تحسين التغيير ،فهناك من الرواد من كان يكتب الفصل من الرواية ثم يشطبه وهناك من كان يشطب الرواية بأكملها لأنه لم يستعذبها أولم تعجبه ، فذاكرة الإنسان عندما لا تعطيك دائما الأجود عندما تكتب !ولتؤمن بأن ذاكرتك جيدة وليس مثلها أي ذاكرة أخرى .لكن يجب أن تسايرها في هبلها مرة وفي ذكائها مرة أخرى ، فهي تلاعبك لعبة الغميضة عندما تغفو ، كالبرق تومض لك بفكرة ثم تومض بأخرى أكثرعمقا ثم تتداعى الافكار كالحائط القديم ؛ فتضطر إلى شطب أفكار والاحتفاظ بأخرى لأنك تبحث عن الأجود في الكتابة ، وقد تأتيك فكرة رائعة لكنك لا تحسن التعبير عنها أو أنها لا تقنعك ، فتمارس عملية الشطب والحذف والإضافة من جديد ! من خالال هذه المقالة أتحدي كل من يقول إنه انتهى من نصه ولو كان منشورا منذ عشرات السنين .لأ ن الذاكرة دوما تجدد أفكارها تبعا لظروف الكتابة والتفكير ! و تكون للظروف النفسية للكاتب أيضا أهمية كبرى في إعادة الكتابة ،وما دامت كتابة النص لا تنتهي أبدا فكذلك قراءاته بدورها لا تنتهي أبدا ! أما عندما تنشر النص أو تكتبه على الورق وتقول: إني أقوم باللمسات الأخيرة أو ما يسمى (الرتوش ) فإنك لاتصدق نفسك ما تقول ، فاللمسة الأخيرة في النص الإبداعي مستحيلة ،وإنما تمارس عملية التخلص من بضاعتك وتتركها للقاريء والناقد يتكفلان بها ، فلو أعدنا النظر في النصوص التي نشرناها بسنوات لاعدنا كتابتها عشرات المرات من جديد ! إذا كان هذا فما الفائدة من الشطب والحذف إذن ، الشطب يجعلك تحكم السيطرة على الجملة الشعرية ،آه عفوا القصصية ! لكن لا باس فالجملة القصصية جملة شعرية لها إيقاعها الخاص بها ولها دفقتها الشعورية ولها حيزها من البياض والسواد فهي ليست كلاما عابرا ناقلا لأفكاروانتهى ! فهذه المزايا هي التي تجعلها مخالفة للغة النثر بصفة عامة ، وإن كانت نثرية ، وإحكام السيطرة على الجملة القصصية يتجلى في عملية التشذيب ،وحسن استعمال المقص. فهي أشبه بالشجرة إذا لم تشذب فروعها لا يمكنها ان تظهر بمظهر أنيق ولائق وجمالها يتوقف على قدرة البستاني على التشذيب ! تزيل من الجملة تلك الشوائب و الأوصاف المجانية التي تثقل كاهل جملتك فتسبب لها الترهل الذي يشتت انتباه القاريء ، سأعطي مثالا قد يكون حيا لما تمت مناقشته ، جمل القصة القصيرة أشبه بوخز الإبر في دماغ القاريء ، الوخزة التي تكون ومضة برق ، لا أن تكون وخزة ثقيلة تؤديه وتؤلمه وتتعب ذوقه ، وكلما كانت الجملة جذابة كلما طمح في غيرها ، حيث تنزل عليه تلك الجمل كالقطرة الباردة تستقر في حلق محموم . فيكون السياق العام للنص حريريا ناعم الملمس يفرح فيه القاريء ويمرح دون ملل أو كلل ، أما اذا كانت غير مشذبة فانه سيعزف عن متابعة القراءة من الجملة الأولى فيتأفف ويتضجر، ويقول : أنا أبحث عن المتعة الفنية ، ولا أبحث عن (صداع الرأس ) . وهذا من حقه ، فالكتابة تقنيات فنية يجب أن يشتغل عليها الكاتب ، الشطب واجب ، وحتمي كذلك للبحث عن روابط جديدة لجملك ، فحتى تكون الجمل جميلة وجذابة لا تعمد إلى استعمال الروابط فيما بينها لفظيا فربما هذه اللفظية ،تساهم بشكل أو بآخر في إضعاف جماليات التراكيب ، قد يقول قائل فما هي الروابط التي سنوظف في الربط بين هذه الجمل في النص ؟! أقول ، إن الحنكة اللغوية ، تجعلك تتحكم في روابطك على المستوى المعنوي ،في بعض الأحيان تتحول علامات الترقيم إلى روابط ووميض الجمل في السياق العام ينير بعضها بعضا ، فتلمع هذه (الجمل/ الدرر ) على البياض كما لو كانت أضواء تصدرها تلك الهوام الليلية المضيئة في عمق العتمة ، عند ذلك تقول كتبت محاولة قصة أما القصة الحقيقية فإنها لن تكتب أبدا ، وربما لن تكون نهايتها إلا بنهاية كاتبها ، في بعض الأحيان اقرأ. بعض القصص خصوصا القصيرة جدا لأن كتابها أصبحوا كالفطريات أو أشباح منتصف الليل ، رغم أن الأغلبية الساحقة لا زالت لم تمارس هذا النوع من الكتابة ممارسة فعلية بعد ، فهي جنس سردي على مستوى التحجيم قد يكون من ثلاثة أسطر أو أربعة ، فتكتب هذه الأسطر الأربعة في ثلاث جمل أو أكثر بلغة مباشرة تثير القرف والتقزز ،فالجملة التي تتجاوز السطر تصبح عبئا ثقيلا على جماليات الكتابة ، فالقصة أشبه بالقصيدة الشعرية إذا كان السطرالشعري لا يتجاوز رؤوس الأصابع من الكلمات فكذلك جملة القصة يجب أن تكون أقرب إلى هذه اللغة الراقية التي تخضع لشطحات نفس الشاعر، فما دام الشاعر يتحكم في مساحات البياض والسواد في قصيدته فلماذا لا ينهج القاص النهج نفسه ويتحكم في جمل قصته ، فأجمل شيء في القصة هي ذلك الإيقاع الجميل الذي تحدثه وأنت تقف على جملك جملة جملة أثناء القراءة لأن كتابة قصة متعة شخصية قبل امتاع القاريء يقول “روبرت هنري” : ((لكي يكون الفنان ممتعا للآخرين لابد أن يكون ممتعا لنفسه وان يكون قادرا على الشعور المكثف والتأمل العميق )) وكاتب القصة فنان بالضرورة . فلا داعي لتوظيف الجملة التي تتعبك أثناء القراءة وأثناء الكتابة ، فالكاتب الجيد كما يقول” تولستوي ” :(( إن الكاتب الجيد هو الذي يستطيع أن يكتب قصة كاملة من شجار رآه في الشارع )) ! لا تستقيم كتابة القصة القصيرة بنوعيها إلا إذا أدمنا القراءة لعباقرة الفنون السردية القصيرة ، لنستفيد من طرقهم في التعامل مع الجمل في القصة ، وإذا أحكمنا السيطرة على جملة القصة ، نكون نجحنا نسبيا في طريقة الكتابة ، وأفتح باب النقاش لنقاد القصة القصيرةلإثراء الموضوع ،والله ولي التوفيق ،

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
زخرف
التالي
مدخن نهم

اترك تعليقاً

*