القصة القصيرة

الصدفة خير من الحب

ننتظر الكثير ثم نكتشف أن كل انتظاراتنا مجرد روتين يومي في حياة آخرين.. نعتقد أننا قمنا بالكثير وضحينا بالكثير من أجل أحدهم وفي لحظة انتظارنا للمقابل نكتشف أن كل ما قمنا به وما ضحينا به هو مجرد خطوة أولى عند آخرين.. نرى أنفسنا صغارا.. نقرر الانسحاب.. فلا نستطيع.. نقرر أن نضحي بالمزيد وأن ننسف أنفسنا من أجل أن ننال نظرة رضا، من أجل أن ننعم بدقائق حب.. دقائق نسيان.. دقائق متعة.. دقائق مجاملة.. دقائق هروب من ماضينا..
ثم تغير كل شيء في الزقاق الخلفي للمنزل حيث أحيا وحيدا.. صبيحة أحد.. أتخذ من منتصف اليوم موعدا لأستيقظ.. وأتخذ من المقهى الأقرب مكانا لأفطر.. لم أفكر في أن أنظر للمرآة لأعدل ما يمكن تعديله في خصلات شعري التي أصبح يتساقط منها الكثير.. اكتفيت بأخذ القبعة من رف الخزانة ووضعها فوق رأسي بعشوائية.. اكتفيت أيضا بارتداء قميصي الجينز دون أن أربط أزراره.. أما الأسوء.. يزعجني أن أنتعل الأحذية الرياضية ولا حتى الكلاسيكية في شهر مشابه ليوليوز لذلك اكتفيت بنعالي المطاطي.. غادرت المنزل مترنحا جراء النوم لوقت متأخر، بالكاد أفتح عيني، تزعجني أشعة شمس منتصف اليوم..
غادرت الباب الأول فالثاني بسلام وبعقل شبه معطل.. لعل كل الأجهزة الأخرى كانت معطلة أيضا باستثناء قدماي وعيناي.. أخطو متجاوزا الباب الثالث، الباب الخارجي.. ثم أتوقف مضطرا.. وكأنها هي.. توقفت هي أيضا.. تبعد عني مسافة مترين.. أقف عند الباب وتقف هي عند المنعرج.. تنظر إلي دون تتحرك وأنظر إليها دون أن أتحرك.. أتأكد إن كانت هي.. لعلها تفعل نفس الشيء.. تتزاحم الأسئلة بمخيلتي.. ماذا تفعل هنا؟ أية قدرة لسلطة القدر لكي يضعها في طريقي هنا بهذا المكان؟ كيف لسنوات أربع ألا تغير تماما ملامح جسدها؟ هل هي “نُهاد” حقا أم أني أعاني تبعات السهر والنوم لوقت متأخر؟
أدنو بخطوات متثاقلة، لا تتحرك هي، ساكنة دون أن تبعد بصرها عني.. ثم صارت المسافة بيننا لا تتسع لشعاع شمس.. تنفست بعمق أو لعلها تنهدت بهدوء.. اتسعت حدقة عينيها وهي تتطلع بي وكأنها تتأكد أنه ليس أحد إلا أنا..
– نُهاد.. نُهاد الطالبي..
– وتتذكر حتى كُنيتي.. بعد كل هذه السنوات أيها المساتي..
– أتذكر حتى لون السيارة التي كان يقودها عمك لحظة سحبك مني وللأبد.. صرت أكرهه كما لم أكره أحدا من قبل ولا من بعد..
قبل سنوات أربع، كنا معا، انتظرتها عند الرابعة زوالا أمام باب كلية العلوم التطبيقية.. تأبطت ذراعي كالعادة وغادرنا في اتجاه وسط المدينة.. دقائق عشر وتوقفت أمامنا سيارة بلون الرماد.. بمجرد ما توقفت حتى سحبت نهاد يدها وصرخت لاإراديا: “عمي..” لم أفهم شيئا لحظتها إلا بعد أن خرج من السيارة رجل بشارب بارز في بداية الخمسين تقريبا.. اتجه نحونا مسرعا ربما لأنه أوقف السيارة بوسط الطريق.. صافحني أولا وقبل نهاد على خدها وسحبها بهدوء دون أن ينبس بشيء.. كنت خائفا حينها من أن تكون ردة فعله عنيفة لكن لاشيء من ذلك حدث.. بعدها بساعتين وصلتني رسالة قصيرة جدا من نهاد:” عمي خيرني بينك وبين دراستي.. أحبك لكني اخترت دراستي”.. احترمت رأيها جدا رغم الوجع فأجبتها باختصار مشابه: “أحبك وأكره عمك”.. كنت أعرف أن عمها ذاك هو المسؤول عن تربيتها بعد أن توفي والدها جراء حادثة سير قبلها بعامين ولأنها لطالما حدثتني عن صرامته فقد كنت متيقنا أن تلك هي النهاية.. لم نلتق بعدها قط.. ولم نتحدث بعدها قط..
– هل مازلت تحب محمد شكري؟
– تلتقيني صدفة و بعد أربع سنوات من الغياب لتسألينني إن ما كنت أزال أحب شكري.. مازلت غريبة إذن.. أليس الأجدر أن تسألينني ما إن كنت أزال أحبك أنت؟
– كان الوحيد الذي تحبه أكثر مني..
– ما الذي أتى بك إلى هنا يا نهاد؟
– نفسه الذي تكرهه.. عمي.. أصبح يقطن بالقرب من هنا.. ماذا عنك؟ ماذا تفعل هنا؟
– جار عمك أنا إذن..
– تبدو في حالة سيئة على غير عادتك..
قالت ذلك بعد أن تطلعت بي.. تذكرت حينها أني أرتدي بطريقة عشوائية، وأني أقف بجانب الأنثى الأكثر أناقة بين اللواتي قابلتهن بحياتي ليومنا هذا.. كانت، وواضح أنها مازالت، تهتم بأدق تفاصيل ملابسها وجسدها، كانت تصر على أن يكون كل شيء مرتب ومتناسق بطريقة مختلفة عن نساء هذه المدينة..
– كنت في طريقي لأجلب ما أفطر عليه وأعود لذلك لم أحتج لأتأنق..
– تفطر عند منتصف اليوم.. إذن مازلت تعيش وحيدا؟
– للأسف أجل.. كم أمامك من الوقت؟
– ساعتين قبل أن يعود عمي للمنزل..
– تعالي سنجلب ما نفطر به معا.. تجيدين قلي البيض أليس كذلك..؟
تضحك..
بعضهم لا ننتظرهم.. لا ننتظر منهم شيئا لكنهم يمنحونا كل شيء مقابل لاشيء..

السابق
تَأْصِيلُُ
التالي
عبودية

اترك تعليقاً

*