القصة القصيرة

الصدى الصدأُ

.. اغلق الهاتف، وعاد يقول، بملامح جامدة كما في وجه تمثال :
– سّ حميد لن يقبل بأي عذر، ولو كان مشفوعا بألف شهادة طبية.! ولن يسمح في صوت ثمين، دفع مقابله سلفا، حتى ولو كان صاحبه مريضا..؟
– أليس في قلبك موقع لذرة رحمة، قلتُ بنبرة يائسة، واضفتُ :
– ألا ترى ان والدي لايستطيع حتى الوقوف، فكيف يمكنه الادلاء بصوته..!؟
– ليس من شغلك ذلك ، رد بحزم
– وماذا لو مات في الطريق الى المخدع او منه.!؟ قلتُ بلسان المغلوب على امره.
– إن سّ حميد يقول لك، بالحرف الواضح، انه يريد صوتا دفع ثمنه مسبقا.! يريد حقا له.! وليمتْ بعد ذلك.؟
– ليمتْ بعد ذلك..!؟ رددتُ مستنكرا، عاجزا..
– لايهمه سوى النجاح في هذه الانتخابات. لقد دفع مالا طائلا مقابل ذلك، وليس مستعدا لسماع اي هراء آخر..!
– هراء آخر..!؟ انزلقت الجملة من فمي كلعاب دهشة خائفة. ونظرتُ الى السيارة الرباعية المزمجرة عند الباب، والى الوجهين الجامدين، المأمورين، الماجورين.. لسعتني دمعة عالقة في هدب امي كشوكة. رأيتُ السماء فوقي قبة مقفلة صماء، واحسستُ الارض تحت قدمي بساطا مسننا، وانا حافٍ، وعلي السير… علي اللعنة..؟ فار دمي.. لكنه لم يندفع خارج عروقي. احتقن في حلقي، واخذتني جلطة معنوية جعلت لسان روحي يجتر طعم مهانة وذل كطعم التعذيب..؟
صرختُ في نفسي، لنفسي، دون صوت، وبالم كاوٍ :
– نعم لقد وقعتُ في شعكم ايتها العناكب الماكرة..لكن ماذنبي إن كنت الذبابة..!؟ وهل تستشار الذبابة عن امكانية وقوعها في خيوط العنكبوت..!؟ كنتُ ذبابة، ولم اكن نحلة..ونصيبي كان سطل قمامة الفقر، ولم يكن مزهرية..!؟ وكانوا قد نصبوا شُعّا، لمّا كنتُ تائها انوس تحت ضيقٍ متعاظم من مصاريفي ومصاريف اسرة يعضدها مصروف دواء مرض والدي المزمن. مصاريف ثقيلة، مبهظة امام دخل فلاحة معاشية تنضب حثيثا..؟ فالحاجة ليست دائما ام الاختراع، بل تصبح احيانا اخرى اما للخضوع والانصياع..! لقد كنتُ كما ذبابة تهرب من هَشِّ كفٍ الى آخر، فاطبقت خيوطهم علي..! إذ قال لي ذاك المدعو سّ حميد، اثناء الحملة الانتخابية :
– انا لا اشتري منك الاصوات.. فقط اساعدك لوجه الله بهذا المبلغ الهزيل.! فانا اعرف ان تكاليف الدواء باهظة، وان
هذه السنة الجافة كادت ان تأتي على الزرع والضرع والشجر، وانك لاتملك دخلا آخر غير غلة الارض والشجر الممعنة في الهزال.. لهذا اساعدك بهذا المبلغ الهزيل ، واعدكَ ان اتكفل بعلاج والدك ولو استدعى الامر اجراء عملية جراحية، بعد مرور هذه الانتخابات..فقط انصرونا باصواتكم، عسى ان تكون نصرة لكم..!
كانت عيني تصطدم بنظرته الزجاجية، وشكي كان يتلاشى كسحابة خفيفة من سماء فقرٍ يظل يحدق اليك. وكان المبلغ كبيرا علي، انا الذي لن يجد احدا يستدينه ثمن دواء الوالد. فدستُ على كرامتي، واخذتُ المبلغ. خفضتُ رأسي، وابتلعتُ غصة اخرى، اخشنُ..!
افقتُ.. كان راسي مبللا بالماء..! وجسمي منشورا كقطعة قماش..! وفي عيون امي وزوجتي واطفالي، رايتُ الدموع مخضبة بالخوف..؟ وهمست في وهن لنفسي :
– لقد اغمي علي..!
وحين اوقفاني، صاح احدهم اركب..! رايتُ والدي متهالكا داخل السيارة، مغمضا عينيه في استسلام مطلق. حاولتُ ان اصرخ في وجه العصابة.. لم استطع.؟ دُفِعتُ الى داخل السيارة الرباعية، حاولت رفع قدمي، فاصطدم رأسي بحافة الباب…؟

السابق
أبيض وأسود
التالي
الإطار

اترك تعليقاً

*