القصة القصيرة

الصديقان…

جلست بجانبه على حافة السرير، اقتربت منه بهدوء، أمسكت يده في حركة رفيقة ورحت أنظر إليه، أتأمله.
بدا مثل مومياء غادرتها الحياة منذ زمن بعيد، وجه شاحب، أطراف يابسة، وبقايا جسد تآكل بفعل المرض.
نظرت في عينيه، إختفت تفاصيل الحدة والقسوة، تلاشت، وحل محلها شيء يشبه الإستسلام.
أنا هنا من باب الزيارة والقيام بالواجب، فقد كنا صديقين.
اجتاحتني أفكار ومشاعر متناقضة.
أما هو فبدا سعيدا بزيارتي، سعيدا ومحرجا في نفس الوقت، فقد كنت دوما أواجه قسوته بضعفي.
كان يعتبرني ضعيفا، وبالمقابل كنت أنا أكره قسوته.
اجتمعت أسباب كثيرة جعلته ما هو عليه، فهو كبير العائلة، وهو الإبن البكر، والأخ الأكبر…
تقمص في سن مبكرة دور الزعيم، وعانى اختلالا فظيعا في تقدير الذات، كان يتصور أن العالم إنما وجد ليكون في خدمته وملك يديه.
الناس في نظره لا شيء، حثالة وأنذال…
لحسن الحظ هناك الزمن.
مرت سنوات طويلة، طويلة جدا.
وبقدر ما كنت أفهمه، أصبح متسامحا أكثر، أما هو فأدرك متأخرا أن قسوته ليست قوة، وأن ضعفي لم يكن ضعفا.
عاد الماضي فجأة مثل تيار نهر جارف، ذكريات وصور متلاحقة، تحدثنا لساعات، تحدثنا عن الزمن الذي ولى، ضحكنا من حماقات الصبا، تجنب هو الصور القاسية، ركزت أنا على الجوانب المشرقة لطفولتنا البعيدة، حبنا للطيور والحيوانات الحديثة الولادة، عصافير، مهور، حملان، جراء، قطط، فراشات…أغاني الرعاة، المطر ورائحة الأرض، الرجع البعيد لصوت البحر، خيوط الشمس تخترق غابة الأركان الكثيفة وترسم ظلالا لغسق جميل ودافئ…
شعرت فجأة بالسعادة، منتهى السعادة، فلاشيء يسعدني أكثر من الماضي البعيد.
كنت دوما أتسائل:
– لم تبدو طفولتنا البعيدة جميلة وسعيدة رغم البؤس والقسوة والحرمان؟
هو أيضا أسعدته الذكريات، بدا ممتنا.
نستعيد صور الماضي بفرح طفولي.
– أتذكر يوم اللقالق…؟
أضحك…
– أتذكر الحجارة اللينة ورحلة الفراشات…؟
يبتسم…
– أتذكر ليلة الزلزال…؟
– وأنت أتذكر مغامراتك الأولى…؟
يقصد مغامراتي العاطفية.
– نعم، أذكرها، كانت فاشلة، ولكنها جميلة…
تنمحي ابتسامته تدريجيا، ترتسم على ملامحه سحابة حزينة، شيء يشبه الندم ورثاء الذات.
– ليتني أمتلك بعضا من روحك المتفائلة !!
نظر إلي مستعطفا، وأشار بصمت إلى علبة السجائر الموضوعة على المائدة.
أشعلت واحدة، وثانية، ورحنا نذخن بمتعة.
نظرت إلى ساعتي، فهم هو الإشارة.
– ستزورني بانتظام، لا أريد أن أموت قبل أن أراك…
– سأفعل…
بدا مترددا، كمن يقاوم رغبة أو فكرة مستعصية.
– كنت أود أن أسألك…
– ؟؟
صمت للحظات.
– ماذ أقول لعزرائيل لو حضر فجأة ؟
بدا السؤال غريبا، فهو لم يكن أبدا متدينا، ولا يهتم كثيرا بالمثاليات وقصص الجنة والنار…
رحت أفكر في صمت، وأفلسف الأمور بطريقتي.
– ربما يخيفه الموت، لكن ما يخيفه أكثر هو فكرة الموت…فهو يكره الشيخوخة والعجز والمرض…ويكره أكثر أن يكون موضوعا للشفقة من قبل الآخرين.
نظرت إليه، كان ينظر إلي وينتظر الجواب.
قلت مازحا.
– لا أدري…ولكن يمكنك أن تقول أي شيء، فعزرائيل يقبض الأرواح فقط، أما يوم الحساب فما يزال بعيدا…
أطلق ضحكة منفلتة، ضحكة ممزوجة بسعال حاد.
– ستزورني إذن…
همهمت في حركة صامتة.
– نعم…
ودعته وغادرت.
كنت أبتعد، وكان صوته يتردد خلفي.
– ستزورني…أنا أعرف أنك تحبني…

السابق
لوحة خاصة
التالي
نكران

اترك تعليقاً

*