القصة القصيرة

الصف

تمضي بكم الحافلة جميعا ، فتخفي رأسك من نوافذها التي تبهرك بخيوط الشروق الساطعة في هذه الرحلة الفريدة من نوعها التي تجمع أصدقاء المدرسة ، ما زال أصحابك يتذكرون أنك كنت تختبئ كلما دخل الأستاذ القسم ، كنت تحني رأسك و تضع محفظتك أمامك درعا تحفظك من نظراته ، و من مباغتتك بسؤال معجر ، أو حتى سؤال عادي بسيط ،تكره الاستجواب من صغرك ، كما تكره المفاجأة ، لم تكن تدري ما يجري في القسم ، كما لا تدري الآن ما يجري في الدنيا . يعرفون أنك ما كنت تتوارى من الأستاذ خوفا ، و لكن وقاية ، فكم مرة اصطدمت بالأساتذة الذين لا يريدون أن يتركوك تركن بسلام في تلك الزاوية ، لم لا يفهمون أنك متعب إلى حد الثمالة ؟كاره لعالمهم هذا المحصور بين أربعة جدران مثقوبة بنوافذ حتى لا تنفجر على أصحابها ،يجهلون أنك مهيئ ذات سانحة لاتخاذ موقف بطولي ، بل و انتحاري يحسدونك عليه ، و قد فعلت و فعلت ، لكنهم دائما كانوا يرمونك بالتهور و الدروشة ، حتى تعيش سعيدا لا بد أن تلغيهم من حياتك أو تقاطع جلساتهم الليلية الموجعة ، أو تهاجر ، لماذا لم تراودك فكرة الهجرة يوما ، كما فرّ أصحابك ؟ أ لأن بدنك يقشعر كلما وقفت للنشيد الوطني و تذكرت تضحيات المخلصين ؟ انتهى كل ذلك و بقيت مهاجرا في عينيها وحدها فقط ، أربعين سنة غير قادرة على إيصالك إلى الضفة الأخرى .. من سفينة إلى أخرى ، و لم تصل إلى مثلث برمودة بعد ، أم أنت مسحوق داخله و لا تدرك مأساته ؟ الراجح أنك في هذه الحالة ، و مع ذلك يقولون عنك الآن أنك ناجح في حياتك ،ما هو معيارهم ؟ هل هي هذه الابتسامة التي يحسدك عليها تمثال البرونز الصدئ ؟ أم هذه الرتابة التي لا تعرف أدنى خروج عن خط التجاعيد المقيتة ؟ تهتز غبطة بهذا الإطراء ، لكن قد يكون النجاح في الكثير من الأحيان نتيجة التفنن في كتم الصراخ ، حتى ذلك القبو الذي ورثته عن جدك صار يتجسس عليك ، وجب عليك و أنت داخلك أن تستعمل كاتم الآهات ، لكي لا تلغى من قائمة الناجحين .
لا تسلم من مسحة الاستشفاء من أولئك الذين كانوا لامعين ثم خفتوا بسبب الإدمان ، أو بسبب انحرافات ذكورية منكرة ، أو بسبب الطلاق و تشتت انشغالاتهم و أموالهم في المحاكم و الأطباء النفسيين ، يستحقون ما يحدث لهم ، ألم يكونوا يتغامزون عليك كلما مرت تلك بهم ؟ بل و يصرحون أحيانا ببعض الأغاني ليغيظوك ، كنت طودا أمامهم ، و كنت تتغابى ، على فكرة ما زلت تركب هذا الحصان إلى اليوم ، لم يكب بك مرة واحدة ، ستموت و أنت تكتوي بحرقة الأسرار فاضحة عنهم جميعا ، تحتفظ بحقك في الانتقام في الوقت المناسب ، أنصحك بأن تدونها مع وصيتك لتكون وثيقة ضغط للعائلات التي ترفع أنفها أعلى من حجم خدها . و لا تنس أن تخط في وصيتك أن يرفعوا رأسك قليلا تعويضا عن سنوات خفضه في القسم ، عسى أن يرتاح هيكلك العظمي من الانحناءة القسرية التي فرضها عليه انعدام مواكبة الأحداث ، فالقبر قسم مغلق من كل النواحي انتهت فيه حصص الدروس الخصوصية . . .
ماذا لو تخلصت من أصدقائك ؟ الأكيد أنك ستعيش سعيدا ، لكن لو فقدوك فإنهم سيعيشون دون إثارة و تندر، على العكس تماما تتمنى لو يكثر أعداؤك لأنهم ليسوا حتما أشرار ، و لكن الظروف وضعتهم أمام مصلحتك أو مبادئك أو العكس ، لو خيرت بين زوال أصدقائك أو أعدائك لملت إلى الخيار الأول بكل أريحية ، لذلك هم صادقون حين يقولون عنك بأنك (مدنس) أي موغر الصدر، يحسّون بذلك من أعماق أعماقهم ، لكنهم لا يملكون الدليل ، في انتظار عثورهم على ما يثبت إدانتك تمتع ببريق أعينهم التي تسطع على أشفارك فتظلل عينيك بأشجار الجوز الفاخر ..

قاص و شاعر و كاتب

السابق
نصفينٌ
التالي
لقاء

اترك تعليقاً

*