مقالات

الصوت في القصة

” ذات مساء رائع كان إيفان ديمتريفيتش تشرفياكوف ، الموظف الذي لايقل روعة جالسا في الصف الثاني من مقاعد الصالة يتطلع في المنظار إلى أجراس كورنيفيل ……..وفجاة تقلص وجهه وزاغ بصره ، واحتبست أنفاسه ، وحول عينيه عن المنظار وانحنى …….و…إتش ..!! عطس”
من قصة ” وفاة موظف” أنطون تشيخوف

الصوت في القصة موضوع يقْصر المقام عن شرحه وتفسيره والتعرض له.
فهو موضوع مهم له من الدلالات الرمزية العميقة ماله ..
ونحن إذ نقرأ ونطالع الكثير من القصص ، سنقف عند مجموعة تشدنا إليها تلك المجموعة التي تستعمل الصوت في سطورها القصصية .
أما عن النص الذي بدأنا به مقالتنا، فقد تعرضنا لمقطوعة من قصة ” وفاة موظف ” وهي من مجموعة قصصية لأنطون تشيخوف بعنوان : السيدة صاحبة الكلب . سنجد لمغزى الصوت ملامح كثيرة في قصص أنطون ، فالسطر الأخير الذي يتحدث فيه الكاتب عن الرجل الذي يمسك المنظار ، ويصفه عندما تقلص وجهه وزاغ بصره وانحبس نفسه وفي لحظة إبعاد المنظار عن عينيه انطلق العطاس فجأة ” أتشي ” هذا هو الصوت في القصة ..فالصوت إيقاعه أكبر من سرد القصة ذاتها ، وكثير من القصاص يقللون من أهميته ؛ ونادرا ما يوظفونه بين سردياتهم القصصية .
عادة ونحن أطفال حينما نتجمع حول شاشة التلفاز نترقب ” الرسوم الكرتونية ” تلك التي تحكي قصصا عالمية ، فكان المميز في تلك القصص (صوت حوافر الخيول ، وصرير عرباتها …صوت الديكة صباحا ، صوت طنين النحلة …زقزقة الطيور ..حفيف الأشجار …خرير المياه …ثغاء الشياه ….أصوات بعض الطيور(غاق غاق ) صوت الحمام (هوهو..هوهو) صوت الضفدع (نق نق نق) خرير الماء (تك تك) الريح زوووووووو…
الصوت هو المحرك للقصة …فالراوي لاننتبه إليه كثيرا حينما يسرد قصة ” سندباد ..أو الأميرة ..أو المشاغبين ” بيد أننا نركز بعمق على الأصوات منتظرين انتهائه من روايته كي نسمع الأصوات ؛ فهي التي تؤثر أكثر في وجداننا وتشدنا لما بعد الحركة الصوتية .
في قصة الحرباء لتشيخوف “وفجأة يسمع أتشوميلوف صوتا يقول : آه إذن فأنت تعض أيها الملعون ..أمسكوه يا أولاد ..العض الآن ممنوع ..أمسك ..آه ويتردد عويل الكلب ..ويشرع خريوكين في الكلام وهو يتنحنح فيقول أتشوميلوف بصرامة وهو يسعل ويحرك شاربيه : هَم ..حسنا حسنا ويقول شخص من الجمع : يبدو أنه كلب الجنرال جيجالوف !
الجنرال جيجالوف ؟ هَم .. انزع عني المعطف يا يلديرين …أف ..ياللحر !”
فما يلوح في المجموعة القصصية لتشيخوف ، تردد الصوت في أرجاء قصصه ….أمر مستحب له وقعه الدرامي الفني ، إصدار النحنحة كقوله مثلا : هَم ْ هَم ْ …إشارة للفهم أو التعجب ..أهــ …هم ..أوف …
كل هذه الكلمات مدلولات صوتية ، حينما لا نستحضرها في الكتابة القصصية ؛ فإن أغلب القصص ستصبح مملة ومبتورة من أشياء كثيرة تلزمها … فالصوت صار لازم من لوازم القصة الفنية ، كما للوصف مكانة مهمة لايقل الصوتُ عنها أهمية .

وإذا عدنا إلى قصص الأطفال تلك التي تتحدث عن المغامرات والفضاء والكواكب ؛ سنجد النبرة الصوتية مرتفعة بل عالية جدا ..وتتمثل هذه القصص في لون يسمونه ( الكومكس)ألوان …وأصوات ..وحركات
قرأت في إحدى القصص التي تحكي حرب النجوم مرادفات صوتية ، بل بوسعي أن أقول : سمعتُ أصواتا منذ طفولتي ومازالت راسخة في ذاكرتي حتى اللحظة ..ففي القصص الكونية يستعمون أصواتا أكثر من الحروف السردية مثل” انطلقت المركبة بقوة زووووووووم …..صوتٌ قوي هز أركان المكان باف باف بم بم ..شعرت ُ أن أجنحة النوافذ تتداخل زْززززْ ازززززز …كانت السيارة منطلقة كصاروخ فوغ فوووووووغ
صرخت الفتاة …آآآآخ آآآخ ..شعر الشرير المراوغ بالمرارة : أعععع أع”
فهذه الإشارات تحكي حالات وهيآت مهمة في بناء القصة ، مهمة لشد الانتباه ومهمة في التأثير الوجداني ….
لماذا أتذكر قصة كرتونية تتحدث عن حرب النجوم بأصواتها وأصوات المحركات ..منذ عشر سنوات أوأكثر مضت ..ولاأتذكر قصة إنشائية جميلة تُسرد سردا طويلا متشابكا ، أستمتع بها في وقتها وأنساها مع مرور الزمن . ؟
للصوت دلالة قوية عميقة في بناء القصة دراميا وتخييليا ، ويتاكد هذا أكثر في قصص الأطفال المصورة و الملونة(الكومكس ) لنقرأ معا جملا مقتطعة من مجلة ماجد : هل ستنام بدون طعام ؟
بخ نم وأنت صامت !
خزانة ملابسكما ضيقة أووف
وفي صباح اليوم التالي : ها بماذا تشعر يا بني . ؟
كفى ..صوت الشخير مزعج خ خ خ خ ”
ربما يقول قائل ٌ : إن لزوم قصص الأطفال يختلف بنائيا عن القصص التي تلتزم شروطا معينة لبنائها فنيا ..إلا ان الأمر غير ذلك ، فالتجديد النوعي في قلب القصة له ماله من جوانب تشد القارئ ، تخرجه من قالب الكلاسيكية ، تشركه في المشاعر الصوتية ، تحدِّثه أنها تتنفس ينفسه وتحْدث صوتا كما يحْدثه في حالة غضبه ..سعاله …نومه …شخيره .. خطواته …همهمة طعامه ..مضغه ….وحتى ارتشافه للماء واندلاقه في معدته وقت العطش الشديد ..إعجابه ….كلها إيماءات صوتية ..تثير نوافذ خلفية في مخيلة القارئ ، فبتلك الإثارة والنقلة يحدث الانفتاح ، وبذاك الانفتاح يحدث الإقبال …وبالإقبال تهيش اللحظة ..تتذوقها ..تغمرك فتتوغل فيها …تشعر أنك أنت …

السابق
مطاردة
التالي
تعدديّة

تعليقان

أضف تعليقا ←

  1. اتمنى مزيد من الاعمال الراقيه والشيقه والممتعه التى تغطى رغبات القاري المختلفه وبالتوفيق استاده سعاد.
    محسن المزيود

    1. القاريء محسن المزيود أشكرك على مرورك وقراءنك ومتابعتك فهذا من دواعي سروري
      تحيتي

اترك تعليقاً

*