مقالات

الصورة خنق للبياض أم قتل للنص ؟!

ونحن نتصفح المنشورات الأدبية والعلمية والإخبارية على اختلافها أنواعها على الحائط العام للفيس أو الخاص للمنتديات والمجموعات الأدبية يطالعنا كم هائل من الغث والسمين من الصور فتثير انتباهنا هذه الصور وفي بعض الأحيان تكون لوحات رائعة كاملة الإبداع فنطيل الوقوف أمامها مشدوهين ، ونمعن النظر ونتأملها ونتأوه في بعض الأحيان إعجابا أو نكدا ، ثم يزداد تعطشنا إلى مشاهدة المزيد من هذه الصور لإشباع غزيرة حب الاستطلاع والتطفل ! والمثير هو أننا لا نعير انتباها لما هو مكتوب و يديل الصورة سواء كان منشورا إخباريا أو قصة أو شعرا ، فننظر للسطور بخفض العين ، ولا ونرغب حتى في معرفة ما يحتويه هذا السواد ،و نعلنها حربا ضروسا على البياض في منتديات الفيس بوك وكيفما كانت النتائج أو الخسائر لا يهمنا الكيف ، ما يهمنا هو أن لا نترك للبياض متنفسا وحتى ذلك المتنفس للبياض نغطيه بالصورة والتي تكون في بعض الأحيان مثيرة للمشاعر، سواء في القصة أو الشعر و هناك من يوظفها أيروتيكية وفي اعتقاده انها تأسر المتصفح ليقبل على قراءة النص !متشبعا بفكرة وهو (لائط بالقلوب التي نادى بها القدماء ) ،ويكون قد غاب عن ذهنه أنه حجب النص بصفة نهائية لأن المتصفح أشبع تطفله من خلال الصورة ليمر إلى البحث عن صورة أخرى أكثر إثارة ، وأقول إن توظيف الصورة أثناء النشر تضيع على الكاتب قارئا أو متصفحا متعة تصفح النص لأن هذه الصورة تغنيه عن استعمال ذهنه وتوظيف فكره من أجل قراءة مركزة فيكون بكذلك كالمتبضع الذي يسأل عن أثمنة جميع المنتوجات ولا يشتري شيئا ، أضف إلى ذلك أن الصورة في بعض الأحيان توحي للمتصفح بمحتويات النص ، فيخبو في نفسه حب الاستطلاع والاكتشاف ، فالصورة قامت بالمطلوب وفسرت ما يستتر وراء السطور ،يجب أن نحدد موقفنا إذا كنا في معرض للصور أو في مرسم نتقبل نتيجة إعراض المتلقي على قراءة النص لأننا أشبعنا فضوله قبل أن يلج إلى محتويات منتوجنا الأدبي ، وإذا كنا ننشر شيئا مكتوبا على مستوى اللغة المنطوقة فالمستحب أن لا نشتت انتباه المتصفح بين لغتين لغة الإشارة أو الصورة واللغة المنطوقة والمكتوبة ، فلا بد أن تحل إحداهما محل الأخرى ، كلنا نريد أن نستحود على انتباه المتلقي بجميع الطرق ، لكن بالأدب الجميل المقنع العميق الدال لا أن نشرح له ما نريد تبليغه بلغتين في آن واحد لغة الصورة ولغة الحرف دون التفكير بأن العقل البشري لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل اللغتين معا لهدف واحد هو أنه يشبه الجارور به حجيرات ان فتحت كلها او بعضهما في نفس الوقت يرتبك فمن سيماه انه مرتب ويحب الترتيب ! لهذا نجد في كثير من الأحيان أن اللوحة الإشهارية تكتفي بالصورة دون التعليق ،أو التعليق على المادة دون الصورة ، لنفترض أننا نشاهد شريطا سنيمائيا مدبلجا بغير اللغة الأصلية ، فماذا يقع ؟نتعب في محاولة يائسة للتركيز على الصورة والقصة والقراءة للشريط المتحرك في اسفل الشاشة نضيع في السطور وتنفلت منا مشاهد على مستوى الصورة أو تضيع السطور ولا نفهم المغزى ولا المعنى مما نشاهده هكذا يقع ، عندما تنشر النص مرفوقا بالصورة كما لو اننا نفقد الثقة في نباهة المتلقي وذكائه و مدى مقدرته على فهم ما خطت اقلامنا..فكاننا نستغيبه ونعود القهقرى إلى الصفوف الأولى في المدرسة عندما كنا لا نقرأ درسا إلا بالصور ، وتلك فترة وهذه فترة أخرى يفترض فينا التحلي فيها بالنضج العمري والأدبي ،والثقة في النفس اولا ثم الثقة في من نعرض عليه ما كتبناه ، سيغوص اكيد في السطور وسيفهمها بطريقته الخاصة لما ينتفي العنصر الدخيل الغريب المتطفل على النص .
بعض المنتديات المحترمة تنبهت إلى أن الصور مجرد إضافة لا ضرورة لها وتمنع النشر المرفوق بها وأظن ان هذا ليس راجع إلى اقتصادها في البياض وإنما إلى كونها على يقين بأنها تعي مدى خطورة الصورة وقدرتها السلبية على امتصاص انتباه القاريء ،وجعله يحجم عن القراءة ،فالنص الجميل كالمرأة الجميلة لاتحتاج إلى تبرج وماكياج ، والدميمة لن تصبح مليحة ولو غاصت في بحر من العطور ومواد التجميل .
وخلاصة القول أظننا قد تجاوزنا مرحلة شرح القصة بالصورة ولكل فترة تقنياتها قد تأسرني الصورة ،فاعلق عليها تعليقا يليق بها لا أن أشرح بها نصي ، وقد توضع لاستنفار الملكات الإبداعية منفردة وتجري حولها مثاقفة أدبية محفزة على الخلق …وهذا غير منفر بل مرغوب فكلنا في بعض الأحايين نحس أن معيننا نضب ونحتاج وخزة من صورة معبرة لنخرج من مرحلة الركود إلى جو الإنتاج والامتاع .. وبعض الصفحات تعتمد هذه الطريقة وتعتبر سنة محمودة تجمع حولها المبدعين فيتواصلون ويتقارعون بالكلمة الجميلة .. لكن لا يحبذ أن نترك البياض يشكل لنا عقدة فنعمل على خنقه بالصورة ، فهناك مثلا من يقلقه البياض لأنه كتب ومضة شعرية لا تتجاوز ثلاثة أسطر شعرية يمسك بخناقها البياض فلا يجد بدا من أن يحجبه بصورة روماسية وفي بعض الأحيان تكون رومانتكية ، وقد لا تحترم شعور المتصفحين ، وفي أحيان أخرى هناك من يشارك هذا النوع من الصور ، وتكون الصفحة رهن إشارة أبنائنا مثلا وهذا لعمري محرج وغير لائق..خصوصا للفئة العمرية التي يفترض فيها النضوج والتمييز وتعتبر القدوة … من خلال هذه المقالة المتواضعة إخواني أردت أن أوصل فكرة الفصل بين اللغتين لغة الصورة واللغة المكتوبة ، فكلاهما توصلان المعنى الذي نريده دون أن يشكلا ثنائيا مترابطا فلكل (مقام مقال ) الصورة في مكانها والنص المكتوب في مكانه ولا غلبة لهذا على ذاك ، والله الموفق

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
حصان واهم
التالي
فُرصةٌ ضائعةٌ

اترك تعليقاً

*