القصة القصيرة

الطبيبة

كان يسير ببطء شديد نحو المشفى بثيابه الرثة, وعلامات التجهم بادية على وجهه, بقرارة نفسه كان يعلم أنه سيتم رفضه, ومع هذا تقدم للأمام رافعاً رأسه ,عدل من هندامه. ما أن وقف أمام المبنى, وجد شخصاً آخرا ينتظر دوره في المقابلة خارج المبنى. وقف خلفه وملايين النحلات تزن بدماغه . لمَ لا تعود أدراجك من حيث أتيت ؟” جاءه صوت من الأعماق ” لن يقبلوك! اراد الإستدارة فسمع صوتاً من الداخل ينادي عليه : لبيب . تفضل بالدخول حان دورك, نظر للصوت النسائي العذب الذي يناديه وابتسم : ست الدكتورة آمال حضرت بناء على طلبك وكنت صراحة خائفاً أن تكوني نسيت,
نظر لبيب إلى الطبيبة الشابة الممشوقة القامة وسار خلفها متجاهلاً الطابور الطويل الذي ينتظر دوره ..
“انتظر هنا قليلا.” تركته واقفاً أمام باب مكتبها , نظر إليها بقية الأطباء ثم للرجل الذي يقف أمامهم وهمس أحدهم لها :_ هل أنت مجنونة؟ أنا غير موافق عليه. .
لولاه ما كنت تراني واقفة أمامك الآن هو من انقذ حياتي حين لدغتني أفعى في مكان قريب من بيته.-
أنت حرة , عليك تحمل المسؤولية كاملة , أنت نائبة مدير المستشفى ولك كافة الصلاحيات, لكن أنا غير موافق .-
نادت على لبيب وقالت له ببسمة مصطنعة :_ ألف..ألف مبارك ..تم تعينك ممرضاً في المشفى, يمكنك مباشرة عملك بعد غد.
أحقاً ما تقولينه ؟-
أجل ..يمكنك أن ُتبّشر زوجتك ووالدتك…-
لم أنس لك هذا المعروف ست الدكتورة . .-
قفل راجعا إلى بيته وكأنه عصفور غّريد يقفز من غصن لأخر ليبشر بمولد بشرى خير لم تكن معروفة بقاموس حياته المرهقة،
وبيده أموالاً منحتها له الطبيبة ليشتري ملابساً أنيقة تليق بعمله الجديد..
الغياب الطويل عن زوجته وأولاده كان يزعجه ويقض مضجعه, ولكن كان عليه تقبل الأمر أو سيفقد الوظيفة التي طالما تمناها.
لعبة القدر هيَ من جعلت الطبيبة تزور قريته ذلك اليوم لمعالجة مرضى كجزء من عمل خيري . كانت تجلس تحت شجرة تستريح بعد معالجتها عدة حالات تعاني من تسمم غذائي. حين لدغتها أفعى, كان يقف على مقربة منها , يساعدها وهي تعالج المرضى .
درس في جامعة التمريض ولم يقبل أحد أن يوظفه فعاد لقريته يجر أذيال خيبته . تزوج فردوس ابنة العمدة ولكن لخيبته لم يهده والدها قطعة أرض كما توقع . بل جعله يشتغل مزارعاً لديه .. أخيراً ابتسم له الحظ..
كانت نريمان كالفراشة تطير من عنبر لعنبر تتفقد المرضى وكان لبيب يسير وراءها كظلها. قالت له وهي تفتح باب أحد العنابر:_ قد راهنت عليك لأنني متأكدة أنك ستثبت للجميع أنك من أمهر الممرضين .
قد عرفت مني كل ما ينبغي معرفته, لكن لا تتردد بسؤالي متى احتجت مساعدتي.
هاتف لبيب زوجته تلك الليلة وتناقشا بالمشروع الذين يودا عمله بعد فترة حين يوفرا المال الكافي.
وأتى الخريف ومعه هاتفٌ صباحي موجعٌ للغاية ، استيقظ لبيب من شبه غفوة احتاجها بعد تعبه الطويل اليوم السابق -حالات طواريء جمة لم تتوقف ومما زاد الأمر سوءاً المرأة الحامل التي فقدت جنينها في المشفى وكاد الأطباء يفقدونها لولا الطبيبة الماهرة ناريمان ومساعدته الجبارة لها.وضع يديه على أذنيه وحاول َالنوم مجدداً ، لكن الرنين المتواصل للهاتف أجبره أن يرد.

– أنا ناريمان ، أخبر الطبيب حسام أن يناوب هذه الليلة بدلاً مني .حالة طارئة اضطرتني أن أغادر المشفى على عجل، والدتي تعاني حالة ربو حادة . سأعود متى استطعت.

توجه إلى غرفة الإستقبال ، لم يجد الموظفة هناك.. بحث عنها بكل مكان إلى أن قادته قدماه لغرفة صغيرة بآخر الممر..سمع صوت قهقهات توقفت فوراً حين شعرت بوجوده.. طرق على الباب بقوة . أخيراً خرج الطبيب حسام برفقة الموظفة.
– انسى كل ما رأيته الآن, أرجوك. إن عرفت زوجتي بالموضوع ستطالبني بالطلاق. إنها لحظة طيش مني.. لا أعلم لمَ فعلت هذا.. قال الطبيب حسام بخجل وهو يطرق رأسه.
– يكفيك دراما حبيبي..ادفع له ما يطلبه مقابل أن يصمت. صعق لبيب..” أيعقل أن هذه هي موظفة الإستقبال الخجولة التي استقبلته قبل شهرين تقريباً. هل جنّ العالم؟. تذكر زوجته الحامل وطموحاتهما للمستقبل فأخذ النقود وقال للطبيب : لا تنسى الليلة أنت الطبيب المناوب ..وغادرهما بصمت .
– أتظنينه يا عزيزتي سيلتزم الصمت؟ لا أريد أن يعلم عنا أحداً.
– متى سنتزوج ؟
– نتزوج؟ لم نتفق على الزواج. أنت تعلمين أنني أحب زوجتي ولن أتركها . كم أنا جد آسف لتصرفي الأحمق.
– ألست خائفاً أن أخبرها عنا؟
– لا لست خائفاً.. لأنني أعلم إن فضح أمرنا لن يكون هذا من صالحنا, خصوصاً أنت. أنبها ووجه لها نظرة قاسية.انسي ما حدث تماماًً. سأقدم استقالتي غداً وأتوجه للعمل بمكان آخر . وضع حسام يديه على وجهه وشرع بالبكاء. حاولت لميس أن تضمه لكنه دفعها وغادر المشفى .
– معك حق عزيزي.. ونظرت إلى حقيبة يدها.
عادت ناريمان للمشفى وتوجهت مباشرة لغرفة الحامل وصعقت حين وجدتها بحالة يرثى لها: يا الهي..!!

النزيف لا يتوقف .. أين الطبيب حسام ؟ فتحت غرفة الطواريء لتوقظ لبيب: استيقظ لبيب.. أين الدكتور حسام؟ سنفقد المريضة ..كانت ناريمان ترتجف كورقة في مهب الريح ..نهض لبيب كالمفزوع وتوجه مباشرة ليبحث عن الطبيب . أجابته عاملة الإستقبال وهي تغمزه :إنه نائم .
– كيف هذا ؟ ألم أوكد عليه أنه الطبيب المناوب. أيقظيه بسرعة هناك مريضة وضعها حرج.
عاد لبيب إلى الطبيبة ليجدها منهارة .. قالت له وهي تغالب دموعها: حاولت كل ما أستطيع لكنني لم أستطع انقاذها. أتمنى أن يكون هذا كابوساً مزعجاً.
بحث لبيب عن الطبيب حسام بكل ركن بالمشفى لكن لم يجده..
– ما العمل ؟ لميس والطبيب اختفيا.
– أنا ملومة . سأسلم نفسي للشرطة . شعر لبيب بالخجل الشديد من نفسه ..الدنيا أصبحت تدور به – ضميره بدأ
يستصرخه أن يعترف رغم أن المال لا زال يغني مواويله بجيبه ويعزف له على أوتار الغنى والرفاهية .
– الطبيب وائل شهدَ لصالحك وكذلك الطاقم الطبي بأكمله ، لكن تم سحب رخصة الطب منك. قال لها المحامي بحزن . كانت ناريمان تتكيء على قضبان السجن وهي تنظر له بكأبة تختزن كل هموم الكون.
والدتها المسكينة من سيعنى بها طيلة فترة سجنها . أغمضت عينيها وهي تتذكر تلك الحامل وهي تستنجد بها .. الطنين يكاد يصم أذنيها : رباه رحمتك ..!! أنا لا أستحق حتى الشفقة .. أنا المذنبة..
لم يكن تشجيع المحامي لها وهو يغادرها ليريح قلبها الذي يعاني سكرات الموت .

– أح.. الطقس بارد جداً هذا المساء. لكنني يا سيدتي لن أتزحزح من هنا حتى تخبريني أين زوجك؟ لي شهر أراقب بيتكما ولا أرى له أي أثر. أريد أن يتدخل لينقذ الطبيبة .
– ما هذا الذي تقوله؟ قالت له زوجة الطبيب الحامل . ” أفهمني , رجاءً ما الذي يحدث؟
لم يستطع لبيب أن يخبرها عن خيانة زوجها لها، لكنه أخبرها أن زوجها لم يقم بواجبه تلك الأمسية المشؤومة .
-لو أخبرتني مسبقاً لوفرت عليك الكثير . أعدك سيحضر وسيعترف بذنبه وعليه تحمل المسؤولية كاملة.
قالت ناريمان لوالدتها وهي تعانقها بحرارة : كم اشتقت لك يا روح الروح. كيف تصرفت في غيابي؟
– صديقك الطبيب وذلك الممرض لبيب كانا يعتنيان بي.. اجلسي حبيبتي وارتاحي. أعددت لك طعامك المفضل.. جلست ناريمان قرب والدتها ولكنها لم تكن معها فعلياً . كان اعتراف لبيب طعنة قاتلة في قلبها الحنون . كيف قابل معروفها بالاساءة. كانت تنظر لوالدتها وتحاول رسم ابتسامة على شفتيها لكنها فشلت فشلاً ذريعاً. كانت والدتها تراقب كل اختلاجاتها بمزيج من الحزن والشفقة. سنسافر غداً للريف لتريحي أعصابك حبيبتي .لا تقلقي كل شيء سيكون على ما يرام.
نهضت ناريمان مبكرة وعدت بسرعة البرق، رياضة لم تزاولها من فترة طويلة..شعرت بالطمأنيينة تتسرب لروحها المحلقة بفضاء العزلة . رفضت الزواج من حبيب قلبها وائل لتعتني بوالدتها ..جردت نفسها من كل المشاعر أو هذا ما ظنته , إلا أن وجدته يدافع عنها دفاع الأبطال مالاً ومحاميه الخاص وكل ما باستطاعته عمله.
توقفت قليلاً لتستجمع أنفاسها، حين سمعت صراخاً يأتيها من بيت لبيب .. هرعت لتعلم ما الخبر.. وجدت الباب مفتوحاً على مصراعيه.
أرجوكم أنقذوه .ابني سيموت.
تجمدت ناريمان أمام الباب.. كل الوجوه تحولت إليها..
“لا أستطيع .. لا أستطيع. ”
” أتوسل إليك أن تنقذي وحيدي ..”
نظرت إليهم ناريمان مطولاً وأغلقت الباب خلفها. صدى صوتها كانت تردده الجبال .

السابق
القبرٌ الثلجِيٌّ
التالي
هدْم

اترك تعليقاً

*