القصة القصيرة

الطريق الدائري

لم يكن من الممكن أن يسير بالسيارة أكثر من ذلك، تنحَّلت الإطارات تماما وبدأ الجسم المعدني في الإحتكاك بالأسفلت وإطلاق شرارات نارية. توقف بالسيارة على جانب الطريق غاضبا منها بعد أن خذلته ولم تساعده للوصول إلى المدينة القريبة، نزل منها ورائحة الإحتكاك تزكم الأنوف، كان الوقت قد تعدى منتصف الليل بقليل. رغم صفاء السماء في الصيف القائظ إلا أن الحركة على الطريق نادرة والسيارة التي تمر كأنها طائرة، لم تفلح محاولاته في إيقاف أية سيارة، أغلق سيارته وبدأ في السير لاعنا حظه، عدة كيلومترات تفصله عن المدينة على الطريق الدائري الجديد. لاح له سلم يؤدي إلى طريق مختصر يعرفه مسبقا، نزل السلالم المتهالكة وهو على غضبه، لم يجد أحدا أسفل الطريق، ازداد غضبه، في العادة يتواجد سائق ينتظر زبون آخر الليل، أين هو هذه الليلة؟ سار على الطريق الصغير الموازي لمجرى مائي ضيق. منطقة فلل وقصور قديمة لم يعد أغلبها مسكونا. قل غضبه وزاد توتره مع سماع حفيف الأشجار الكثيفة بفعل موجة ريحية مفاجئة . هدأت حركة قدمه مع إحكام الظلام قبضته عليه، مؤامرة كونية غير مفهومة.
سار بهدوء أكثر. سمع صوت كلاب قادم من بعيد، كاد أن ينهار، توقف تماما عن الحركة، نظر خلفه، لا معالم لأي شيء، ابتلع الظلام الأخضر واليابس، لابد من المواصلة، سار يتحسس وقع أقدامه وقد سيطرت عليه فكرة الخلاص من هذا الموقف الخانق.
فجأة، رأى عينين حمراوتين مواجهتين له، توقف عن التنفس. ظهرت أنياب حدة ومعها صوت يزوم بغضب. في اللحظة التي انطلق فيها الكلب العملاق نحوه كان هو يقفز عبر المجرى المائي الموازي لسور فيلا تبدو مهجورة، قفز الكلب خلفه فاضطر إلى تسلق السور المتوسط والقفز في الناحية الأخرى والنباح الغاضب يلاحقه حتى سمع وقع احتكاك مخالب الكلب على جدران السور، أخذ نفسه قليلا وتفقد خسائره، بعض الجراح الناجمة عن تسلق السور عبر الأفرع الخفيفة الكثيفة، كميات كبيرة من الأتربة التي تؤكد عزلة المكان، قام يتحرك بهدوء وترقب، تبين أنه في حديقة قصر ضخم، الحديقة ممتلئة بالتماثيل والمخلفات المهملة. سار يعرج بسبب كدمة مباشرة في ركبته جراء القفزة. كان أكثر ما يخشاه أن يفاجئه كلب آخر، لكن يبدو أن المكان لا تسكنه إلا الأرواح.
صدمته الفكرة وسيطرت عليه حنى تمكنت منه. توقف تماما عن الحركة. تمتم بما يحفظ من أدعية. لكن موجة خوف عاتية اجتاحته حين ربتت يد ثقيلة على كتفه…
تصبب عرقا وتجمدت أطرافه. التفت في بطء قاتل. أذهله وجه الكلب يواجهه تماما وعينه تقطر غضبا وشرا. الكلب واقف على قدميه الخلفيتين كالبشر، أدرك من يواجه. ابتلع ريقه وعاد خطوة للخلف. لاحظ حوافر الماعز بدلا من أقدام الكلب يقف عليها ذلك الكائن الذي اقترب منه نفس الخطوة، رائحة أنفاسه لا يطيقها بشر، عاد مرة أخرى للخلف لكنه تعثر في شيء ما فوقع على ظهره، انقض الكلب عليه وربض على صدره، ضحك وبدت له قرون يحاول أن يخفيها، ازداد رعبا لكن ذهنه عمل سريعا، مد يده إلى جيبه فأخرج مفاتيحه، في لحظة واحدة غرز مفتاح السيارة المستدق في كتف الكلب الذي أصابه الذهول وعاد خطوتين للخلف ثم أطلق عواءا كالذئب، وقف نصف الكلب كأنه مشلول، يدرك أنه الآن قد سيطر عليه وأصبحت حياته في يده، حاول التحرك للإبتعاد فوجد عشرات العيون الحمراء تحيطه من كل جانب، عاد فاحتضن نصف الكلب من الخلف مهددا بقتله، تطاير الشرر من العيون لكنها ابتعدت للخلف قليلا. سار يدفع نصف الكلب أمامه وقد تمكن منه الرعب حتى بال في بنطاله. سار به وسط العيون المترقبة المتحفزة، خرج من باب القصر الذي تم فتحه وأسيره أمامه. وصل إلى الأسفلت وأصوات من كل جانب بدأت تزداد حوله، واضح أن الهدف السيطرة عليه بالخوف، ورغم خوفه إلا أنه تشبث بنصف الكلب لأنه أمانه الوحيد، طلب منه أن يخبر أصدقاءه أن أية حركة غادرة ستساوي عمره، ألقاه على الأرض ثم امتطاه. رغم ثورة نصف الكلب وعواء كل من حوله واهتزاز الأشجار بعنف إلا أنه لم يعص أمره.
ضربه على مؤخرته فبدأ في العدو وهو يزأر كالأسد وأطياف كالنار تتطاير حوله، اخترق الأرض الزراعية حتى وصل إلى أعتاب مدينته. ابتعدت الكلاب الأخرى بينما ازداد عواء نصف الكلب رعبا. عند اقتراب الطريق الرئيسي كان الفجر على وشك البزوغ والحركة بدأت تدب في الشوارع، ربطه في عمود وأخذ مفاتيحه، في لحظة لم يراه. ذهب مسرعا إلى الطريق المأهول وما أن رأى بشرا حتى سقط مغشيا عليه..
أفاق ليجد نفسه في مستشفى يحيطه الهدوء والسكينة. ضرب على زر فدخلت زوجته والممرضة سريعا، تبعهما الطبيب الذي اطمأن عليه وبشره بزوال الخطر بعد ليلة عصيبة. سأل زوجته عما حدث فأخبرته أنه نجا من حريق سيارته الذي جعلها كتلة خردة. ولا أحد يعرف كيف وصل إلى أول المدينة. تعجب محاولا تذكر الأمر. خرجت الزوجة مسرعة لتخبر بقية الأسرة حسب طلب الطبيب أن تفعل ذلك بالخارج. لاحظ تحولات تحت معطف الطبيب. نزل إلى أقدامه. كانت كأقدام الماعز.

السابق
طلق رشاش
التالي
كيد الرجال

اترك تعليقاً

*