القصة القصيرة

الطيبون يرحلون وكذلك الأشرار

ما هو الموت.؟.. وما حقيقته ..؟، هل الموت نهاية الأشياء ،؟ . أم بداية حَيَوات أخرى جديدة ..؟ حياة أبدية نجهلها ، قد تكون سعيدة ، أو قد تكون شقاء ، من يدري ..؟.. أنا أعلم ذلك ، بل وأؤمن به أيضا ..
الموت .. هذا الكائن العجيب الذي يقف حارساً علي بوابة الغيب البعيد ، ذاك القطار الذي يركبه الجميع ، ويحملنا قصراً ودون رغبة منا إلي هناك حيث ينبغي أن نكون في مكان آخر، وفي زمن آخر ، هناك بالتأكيد عالمٌ آخر يختلف تماماً وبكل المقاييس عن عالمنا ،
الموت هو الحقيقة الكبرى التي لا يستطيع إنسان كائن من كان أن ينكرها هذا الكائن العجيب الذي حير الباحثين على مر العصور وعبر التاريخ ،
الموت كل ما يمكن أن نعرف عنه أنه مخلوق غير مرغوب فيه لدى كثير منا ، وله صولات وجولات ، وله رُسل وأعوان
الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات.. هل تستطيع أن تنكر الموت ..؟..؟.
(( كُلَّ باكٍ سيُبكى ، وكُلَّ ناعٍ سيُنعى، وكُلَّ مَدْخورٍ سيفنى ، وكُلَّ مذكور سيُنسى ))
ما أبشع تلك اللحظات التي تمر علينا حين نفارق فيها من تحب، صعب جداً أن تري من تحب وهو يتعذب أمام عينيك ولا تستطيع أن تفعل له أي شيء ، إلا الدعاء ، والبكاء حد النحيب ،
أحاول أن أنسي ما قاله أبي عند الموت ، وما قاله أخي عبر الهاتف ..
ــ أبي يحتاج إلي عملية جراحية دقيقة، ولكنه لم يقوى عليها لحكم السن ،
هكذا قال لي أخي ، أما الطيب كان له رأى آخر ، عندما قدمت له الإشاعات والتحاليل الخاصة بأبي ،
ــ من قال هذا،؟، بل يمكنه أن يعمل العملية ولكنها مكلفة بعض الشيء ،؟!
آآآه يا أيها الموت البغيض ، لو كان لك قلب.؟.. لو كنت تعرف ما الحب..؟ لو كان للموت قلب ..؟.. أو يملك مشاعر وأحاسيس مثلنا .. لنفترض ذلك دعونا لنفترض ، تري أكان سيفعل بنا ما يفعل ،؟، تري هل سيرحمنا ..؟. وهل يتركنا وشأننا ،؟.. أنا افترض مجرد افتراض ، هل تراه يستطيع أن يفعل بنا ما يفعل ،؟.. كم أنت قاسٍ أيها الموت البغيض إلي النفس ، إني أكرهك من كل قلبي ، نعم إني أكرهك ولا أريدك ..
” مشيناها خطا كتبت علينا … ومن كتبت عليه خطا مشاها ”
” ومن حانت منيته بأرض … لم يمت في ارض سواها ”
مازلت أتذكر ذلك اليوم البعيد ، حين مات أبي ، أستطيع أن أتذكر كل شيء الآن، أنا بكيت ، نعم بكيت عليه، وعلي كل من رحلوا، بكيت حتى انتحبت، ودعوت لهم أيضاً ،
كل شيء يمر الآن أمام عيني، كما لو كان شريطاً سينمائياً ، كم كانت تلك اللحظات قاسية، وصعبة ، وعصيبة علي النفس ،
يومها كنت علي الجبهة أوأدي الخدمة العسكرية ، وقد فرغنا من طابور الهتاف ، وكانت الشمس تجنح للغروب ، وكنت أشعر بقدميَّ لا تستطيع أن تحملني ، ولا أقوى علي حمل جسدي المتهالك ، الذي أنهكته الشمس ، والتدريبات الشاقة ، حينها شعرت بقبضة في قلبي ، وكأن أحداً يريد أن ينزعه من صدري، قُبيِل الخبر الذي جاءني ،عبر صوت أخي في الهاتف ، ليخبرني بما حدث ،
ــ أبوك راقد علي فراش الموت ويريد أن يراك قبل أن يموت “،
لم أذكر ماذا قولت له وقتها .. لكنى أذكر جيدا أني غبت عن الوعي ، ووقعت من طولي، وحملوني رفاقي إلي داخل العنبر ، في محاولة لإنقاذي
ــ آآه أيها الشراب اللعين ..
أبي مات بعد ما ودعني، وأوصاني بأمي خيراً، أبي كان يعاني من ارتفاع في ضغط الدم، في أخر مرة تركته فيها ، كان علي ما يرام، وكاد أن يشفي نهائيا، فقط خرج ليقضي بعض حاجاته، وفي طريقه للعودة ، وتحديداً أمام شارعنا الضيق ، وقع في حفرة كبيرة لصرف صحي لم يزل بعد في طور الإنشاء ، فكسر فخذه ، وأصيب بإصابات بالغة ، ملعونة هي كل الحفر التي تملأ شوارعنا ، وملعون من يتركها لكي نقع فيها ، ما أكثر الفساد في بلادنا . وما أكثر الذين يموتون بسببه ، حنانيك يا الله ؟!!
ــ كأن واحداً ضربني بين كتفي وهو يقول لي كفاك فلم ادري بعدها بشيء
ـــ ستشفي بإذن لله يا أبتي، وتقوم لنا بالسلامة ، قل يا رب ،
أني أكرهك أيها الموت المقيت ، لأنك أخذت أبي ، وأخذت كل الذين نحبهم إني أكرهك ولا أخافك ، ولم أعد أهابك ولا أخاف منك ، ليتك تأتي الآن ، فالتأتي إلي الآن ، إني منتظرك ، فأنا بعد ما رحل عني أعز وأغلي الناس ما عدت أخشاك، ولا أهابك ، ولا أرغب في البقاء في هذه الحياة البائسة ،
ـ تبا لهذا الشراب اللعين ، لقد أسرفت علي نفسي الليلة ..؟!!.
صديقي الطيب بالأمس القريب مات هو أيضاً، صديقي كان لا يؤذي احد ، كان رجلا صالحا ، اشهد علي ذلك ، كان لم يعاني من أي شيء ، فقط مات في هدوء ، ورحل عن هذه الحياة، وترك كل ما فيها، ومات أبي من قبل ، أبي عاش فقيراً ، ومات فقيراً ، وأمي رحلت بعد أبي ببضع سنين ، ماتت هي الأخرى ، بالإهمال الطبي في احدي المستشفيات ، حيث لا عناية ، ولا رعاية ، ولا اهتمام ” فشل كلويي ، وارتفاع في ضغط الدم ، ونزيف في المخ ” كانت تعاني من أمراض مزمنة كل تلك الأمراض أصابتها في الكبر وابني الصغير مات أيضا بمرضٍ غامض، وإخوتي، وكل أصدقائي الطيبين الذين أحبهم رحلوا عن هذه الحياة ، كلهم ركبوا قطار الفراق وسافروا ، لا بل أخذهم الموت جميعاً ، إلي حيث هناك العالم الأخر، وأنا أيضا انتظر دوري، سأموت يوماً ما حتماً ، ولا شك ، ولا محالة سأموت ، وسألحق بهم في يوم من الأيام ، كما أنتم ستموتون أيضاً ، ما أقصرها من حياة،؟! وما أبشعها من تلك اللحظات التي تكون عند الفراق ، ماذا أقول لك يا أيها الموت القاسي ، البغيض إلي كل نفس ، ليسامحك الله ،
ـــ إني أريد أن انسي كل شيء الليلة ..؟!..
كم من مرة جاءني الموت ، ورأيته وجهاً لوجه ، ولم أمت ، كم من مرة لم يستطع أن يهزمني الموت، في النهر المجاورة للجسر حين كنت صغيراً اللهو والعب مع أصدقائي ، تحديته أكثر من مرةٍ ولم أمت ، دخلت معه في صراع مرير وغلبته ، وحين كبرت وركبت موج البحر الهادر ، وعندما التهمتني النيران في صبيحة أحد أيام الشتاء القارص، وأنا أتلمس الدفء أمام موقد النار حُرقت، ففزت عليه أيضا، لكن أعترف بفشلي وهزيمتي أمامه حين يأخذ من أحب، ولا استطع أن أنقذه من براثنه، لأنه هو الأقوى دائماً وفي النهاية سيغلبني، أعرف ذلك جيداً ، وأعترف أمامك أيها الموت انك أنت الأقوى ،
تباً لهذا الشراب اللعين ، إنه لا يفعل شيء ، وأنا أريد أن أنسي كل شيء ،
أريد أن أستريح ، آآآه لو تأتي إلي ألان أيها الموت البغيض لأستريح ،
أحقاً ما قرأت عنك ، لقد قرأت عنك الكثير والكثير ، وأنا لا ادري أن كان ما قرأت حقيقة ، أم مجرد أخبار ، أو ربما تكون قصة من نسيج خيال ، لكم نسجت حولك الأساطير ، والخرافات ، هل حقاً انك كل يوم تتفرس في الوجوه ، مرتين في الصباح وفي المساء ، وتنادي علي الناس ” يا أبناء الأربعين ، استعدوا فقد اقترب الأجل ، ويا أبناء الخمسين أوشكتم علي الرحيل ، ويا أبناء الستين قد أعزر الله لكم ، ويا أبناء السبعين تهيئوا للقاء ، تري أقصاب أنت أيها الموت،؟.. أم بستاني تقطف الزهور الجميلة من حياتنا .؟.. أم وحش كأثر لا ترحم أحداً،؟!!.. أجبني بربك من أنت .؟..
ما زلت أتذكر أبي في اللحظات الأخيرة وهو علي فراش الموت ، وما قاله لي قُببِل أن يموت ، وهو يتوجع من شدة الألم ، والدموع تملأ عينيه ،
ــ راعي أمك ، وحافظ على صلاتك ، وأمن بالله وبقدره ،
ــ ………..
أعطني الكأس واسقني ، فالشراب قد ينسي لبعض الوقت ، وأنا أريد أن أنسى كل شيء ، ولو لبعض الوقت ، ناولني كأساً آخر ، ولا تشفق عليّ فما منا من أحد يستطيع أن يفلت من براثن الموت ، وقبضته القوية ، الكل سيبتلعهم الموت في جوفه.. الطيبون يرحلون وكذلك الأشرار ، حتماً يوماً ما سيرحل الجميع ، فكل شيءٍ له نهاية ، حتى الموت له نهاية ، يقيناً ، أيها الموت القاسي لك نهاية ، أنا أعرفها جيداً ستتجرع من نفس الكأس الذي سقيت به الخلق ، ولكن تلك النهاية ليست في هذه الحياة ، ستكون هناك علي رؤوس الأشهاد ، لأن هذا العالم فاني ، وإلي زوال ، نعم إلي زوال ، الكل سيفني ، وليس غير الله يبقي ، ومن على فالله أعلى.

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
وضوح
التالي
المقطع الأخير

اترك تعليقاً

*