القصة القصيرة جدا

العاصفة والغربال

من آن لآخر ، يمرُّسرب غربان ونسور..
يمرُق بين الجدران الهامدة، كأنما ينبت من أعشابها الطيرُويحلِّقُ..
والسَّماء معصوبة الجبين من وراء الغيوم تدفع سحائب الدخان الكثيف إلى غرب البلاد.. ولم يخطر بالبال ان طائرات تفرُّ أجنحتها اللاَّمعة عادت ترسم خيوطا طويلة قطنية خلفها.. للهاربين الحفاة.. لله الوجهة والأمروالبحر .. من تحت خباء النخيل ، رفع حاجباً كالخوذة المكسورة نحو جبهة السماء.. وسالت تجاعيد رقبته لتحيط بصدره غضبانة آسفة.. كانت عيناه تتوهجان كأنهما جمرتان بلا حرقة .. صرخ :
— اليوم إضراب عمال الميناء..
هيه ، نظم المضربون موكباً يتقدمه علم آخر وبه نجمة وهلال..
وقاطعه رفيقه :
— المخبرون عيونهم على المدينة، اليوم فقط لن ترتِّق عيونهم ملامحنا..
وما كاد يتمتم حتى لاحت في الأفق البعيد سفينة بعرض الموج مندفعةََ، تحوم حول بقايا زورق غوص قد أمسك رجالها التسعة عن الصَّمت..
تراجع يخفي عنهم هامته .. قد غاصت دموع النخيل في وجنتيه وارتد خوصها يشوك جسمه الواهن.. وبإشارةِِ حالمةِِ وقبضة شديدة استوى رفيقه قائما.. وحين خروجهما من المخبإِ، قامتْ العاصفة تنصب سلالم الموج كي تطول سماءهما، وراحت سماؤهما تنزل إلى البحر في لحظة من غاضب أشرِِ. وصارعت معهما هؤلاء الرَّهط التسعة .. تكوَّمت أكداس لا شكل لها من الأجساد، دماء من فوقها دماء .. وتكوَّرت مزق من اللحم على الصَّواري والأعمدة . وتدلَّت الحبال المقطعة كالمشانق، وتهاوت الحواجزعلى الأطراف مهشمة.. ولمَّا همَّا واستعدَّا للانتقال إلى السَّفينة التي استوليا عليها.. نعقت غربان، ولامست الطائرات سطح الموج..تنتشل حيَّا رفيقََه المخبر..!، كان جسده المغدور بالقذائف يغرق كما الغربال شيئا فشيئا..

السابق
من غير ميعاد
التالي
تسيب

اترك تعليقاً

*