القصة القصيرة جدا

العاصفة

السحب كثيفة والمطر ينهمر، والطيور تهرب إلى أعشاشها.. كان الظلام قد غطى الحي.. بدأ الناس يهرولون مسرعين غير مهتمين، بتلك العجوز وهي داخل بيتها القديم، فكل شيء قد يصبح خراباً بعد قليل.على مرقدها الصغير غطت جسدها الواهن بثوب قديم، ظهرت من تحته عيناها الضعيفتان.. أهو هلع أم انتظار لما هو آتٍ؟ وهي ترفض أن تنادي على من هم يركضون من دونها.. والعاصفة تقترب.
قال لهم عراف الحي: القيامة بعد أسبوع
لم يولوه اهتماماً إلا عندما رأوا في الأفق إنذاراً بالقيامة.. أو هكذا خيّل لهم بأنه كان على حق.
قيل في ذاك اليوم أخفى المخمور زجاجة الخمر ودلق على جسمه قنينة من العطر النفّاذ حتى يضلل عن حقيقته. اعترف الزوج لزوجته بأنه كان يخونها وأنّ له ابناً من الحرام، اشترطت عليه قبل أن تسامحه أن يسامحها هي الأخرى، لأنها كانت تخونه في ماله. ومامن ساكن في الحي إلا وكانت له خطيئة يريد من الآخر أن يغفرها له.
صاح عراف الحي في الملأ: إنني أكذب وماكنت أصدق بأن نبوءتي سوف تتحقق.. صَدقَ هو الآخر نبوءته!
يرسم البرق وشاحاً، ويزداد هزيم الرعد. العجوز ظلت صامدة، والطمأنينة تغشى صدرها، رغم ارتعاشة سَرتْ في أطرافها.. وبضعة طيور أليفة قد ضلّت طريقها إليها فاتخذت من بيتها مأوى لها.. وكلب لاهث يحتمي بالحائط.. وصارت القطط صديقة للفئران!
قالوا: إنّ العاصفة لم تستمر أكثر من دقيقة أو دقيقتين بينما تجادل آخرون على أنها استمرت لشهر أويزيد هكذا قالوا.
دار في عقلها.. هل سوف تنجو من زلزال العاصفة؟ هل مابنته طيلة حياتها السابقة كافٍ لنجاتها؟ ظلت قابعة داخل بيتها وأبوابه تكاد أن تُخلع من مكانها، كانت قد تزودت كثيراً لمثل هذه اللحظات، بقوة تستمدها من مكان ما في روحها. عندما عاد الجو إلى صفائه، طلق الزوج زوجته بعد أن تشاتما، والمدمن بحث عن زجاجة خمره.
السارق قال:
إن المال خاصتي
عراف الحي قال للملأ:
ألم أقل لكم إني أعلم مالا تعلمون؟
وألوان قزحية في كبد السماء كأنها تبتسم للعجوز، التي توكأت على عكازها، وشرعتْ في إصلاح ما تصدع من بيتها.

كاتب سيناريو، و مصور تلفزيوني.

السابق
ماكرة
التالي
معرفة

اترك تعليقاً

*