القصة القصيرة

العقوق

حتى إبني الذي من صلبي .. لم يسأل عني ..؟!!.. هو ولا اخوته..؟!!.. وزوجتي المصون هي ايضا ..؟!..عشرة السنين لم تشفع لي عندها , يا خسارة والف خسارة …
تركت لهم البيت , قبل طلوع الشمس بنصف ساعة , وتركت لهم الجمل بما حمل , خرجت وهم نائمون , أنا تعمدت ذلك , حتى لا يستيقظ منهم أحد , فيتشبث بي , ويأثر عليّ , فأضعف أمامهم , وأحن لهم فأقعد, , ولا اغادر , لكن كان علي ان أرحل , أغلقت الباب خلفي بأحكام , بعدما أخذت كل ما يلزمني , وفي الخفاء , وفي خلسة انصرفت ,
أغلب الناس في الشارع , في هذه الساعة نيام , كنت حريصاً ألا يراني احد , حتى لا يمنعني من الرحيل .. تخيلت منظرهم ,عندما يستيقظون ويكتشفوا فجأة أني لست علي فراشي , وتخيلتهم وهم يبحثون عني في الدار فلا يجدوني , وتخيلت حزنهم الشديد.. و… ومع كل ذلك , وإلي الأن لم يسأل عني أحد ..؟!!..
ها هي الساعة تقترب من لخامسة مساءً .. ولم يدخل جوفي شيء الا الماء , والشاي , ودخان السجائر , وغبار الطريق , وعادم السيارات المميت …؟!!.. أهيم علي وجهي في الطرقات .؟!. من جامع لجامع..!. ومن حديقة الي حديقة .!. أغيب وأنظر في الجوال ” الفون “.. لعل وعسى , أحداً رن عليّ ولم اسمعه .. لكن ذهب النهار, والليل أقبل يرخي سدوله, ولم يسال عني احد.؟!, وأنا الذي كنت أطن , بل أعتقد اعتقاداً جازماً , بأنهم لا يستطيعون فراقي , بل لا يقدرون عليه دقيقة واحدة , ولا حتى طرفة عين , تباً لكم جميعاً ..
ها هي الساعة ترن الخامسة مساءً , ولم يرن علي احداً منهم , ولم يسأل عني ولا واحد , ولو برنة التلفون .. ولم يبحثوا عني ,.؟!. ترى لماذا ؟؟!!..لا ادري ..؟!! .. هل ماتوا جميعاً.. ؟!! .. أم انهم لم يزالوا نائمين إلي الان..؟!!.. ربما يعتقدون اني خارج الدار , لا قضي بعض الطلبات وسأعود ..؟!! .. كما هي عادتي دائماً عندما اجدهم نيام ..؟! .. اذهب الي السوق وحدي لا حضر لهم متطلبات البيت من خضار , وفطار, وغيره ..؟!!.. ربما ظنوا ذلك.. نعم ربما. ؟!!. أكيد.. أكيد .. لكن انا من عاداتي لا اتأخر كل هذا الزمن .. ولا كل هذا الوقت خارج البيت ..؟!!.. لا لا ..!. لأبد في الامر شيء ما .. !..أجل لابد هناك , ثَمَّ شيء ما جعلهم لا يسألون عني .!! الدقائق والثواني تمر علي بطيئة جداً , وأنا لا اتحمل كل هذا العذاب ….
يا الله .. ولا حتى رنة تلفون الي الان ؟! .. ولا أحد فيهم سال عني ..؟!!..ولو حتى ” كول ” رسالة عبر ” المسج ” .. هههههآآآه .. انا بضحك من المرارة … هل هنت عليهم الي هذه الدرجة ..؟!! ..والي هذا الحد يبلغ بهم الكره..؟!!..انا أكرههم جميعا.. لانهم لم يسالوا عني.. بما فيهم ابني الصغير, وان عدت اليهم علي فرض سأوريهم , الذي لم يروه .. سأفعل بهم الأفاعيل .. ولا يلومني فيهم احد .. فهم لا يحبونني ولا يسألون عني ,, تباً لهم وألف تب ..
لقد تعبت من المشي , رأيتني تقودني قدماي الي محطة القطار , كدت ألقي بنفسي في اخر عربة قطار متجه الي القاهرة , ولاكن تراجعت في اللحظة الاخيرة , عندما تذكرت عملي الذي أعمله , خفت عليه من الضياع , وانا لا اجيد شيئاً غيره جلست علي احد المقاهي , بجوار السكة الحديد .. تحت شجرة وارفة ظلالها .. جاءني النادل ” الجرسون ” مسح ” التربيزة ” الصغيرة التي أمامي .. وهو يقول ـ تأمر بحاجة سياتك ..؟ ــ وأحد شاي تقيل سكر بره لو سمحت .. انا نادر الجلوس علي المقاهي .. ولولا الضرورة الملحة ما كنت جلست .. الجوامع مغلقة .. فالوقت ليس وقت صلاة .. أخرجت سيجارة .. أشعلتها .. ورحت أسترجع المشهد كله , للمرة التي لا أعرف عددها , حتى أقف علي السبب ..
” انا لما قلت لهم باني سأتركهم وأرحل .. وأفعل مثل الرجال الذين باعوا كل شيء وهربوا , وضربت لهم الأمثال علي ذلك .. وبأنهم سيستيقظون ذات يوم .. فلا يروني فيه..؟!!,. كنت بهدّد هم ليس إلا .. كنت أريد أن أعرف مدي غلاوتي عندهم .. كنت منتظر منهم ان يقولوا لي .. ” لا تفارقنا “.. ” دأ حنا من غيرك ولا حاجة ” .. و… و … ومع ذلك صمتوا جميعا , بل لم يبدوا أي اعتراض علي كلامي هذا, وكأنهم يقرونه , بل يريدون مني الفعل , والرحيل عن البيت ..!.” تتصوروا أبني الذي ربيته , وكبرته , وعلمته , وصرفت عليه دم قلبي , ولم أبخل عليه بشيء , يعمل في كده ..؟!.. ويعمل معي كده ..؟!.. يقف قصادي.. يتحداني.. .؟!! .. برد علي كلمة بكلمة..؟!.. وأمه كانت مبسوطة به , وفرحانه , ولم توبخه , ولم تعنفه , ولا حتى قالت له كلمة …
ــ عيب يا ولد ابوك عيب ..؟!! .. ترد عليه بهذا الشكل “…..
لا , لا , بل واقفت في صفه , كانت في خندقه ,, ولما لمتها علي ذلك .. جابت العيب عندي انا , تتصوروا .. هههههههآآه ….
ــ انا ولدي مش غلطان انت اللي غلطان , ما بتسمعش كلامه ليه ….
ــ هو مين يسمع كلام مين , أنا ولا هو …؟؟!!…
ــ فيها ايه لما يقلك هات الكرة العب بها شويه .. خربت الدنيا يعني ..؟!. كنت اعطيتها له وكسرت الشر
ــ يا وليه الدنيا ليل والكورة تعمل صوت , والجران نائمة , وانا لا اتحمل الدوشة وعاوز ارتاح شوية وهو مصمم علي الكورة اديلوا الكورة يخبط في البيبان والحطان , ليه ما فيش نهار طالع
ــ انت الغلطان , اللي وصلته لهذا , بتصرفاتك الرعناء مع الواد , اتحمل بقى ..
ــ معك حق انا الغلطان وستين غلطان كمان . وأنا اللي وصلته لهذا العقوق , لغاية ما أصبح يرد علي كلمة بكلمة , وفي الأخر أخذت جزأتي منك ومن ولدك ..
ــ وانا مالي , انت وهو مع بعض , انا مالي .؟!.. تحشرني وسطيكم ليه.؟!. وبعد كده انت اللي عليك الاستحمال برضك .!!..
قالتها وتكت عليها , بنبرة فيها تحنين , وتلطف , حتى أهدأ من ثورتي الجامحة.. جلست في مكاني , ورحت اضرب كف بكف , وانا افكر في العواقب , وهي قد احتمت بالغرفة المجاورة , فما كان لها ان تقول مثل هذا الكلام , ولا ترفع صوتها عليّ , الا بعدما تكون حصنت نفسها في احدى غرف المنزل , وأحكمت رتاجها , اما المحروس بسلامته , كان واقفاً في تحدٍ سافر ليّ , ولا يريد أن ينصرف عن وجهي , أمسكت غضبي , وكظمت غيظي , وضبطت أعصابي حتى لا تنفلت مني , فيحدث ما لم يحمد عقباه , وجلست أهدأ نفسي , فالموقف لا يصلح فيه التهور, والاندفاع , فقط كل ما فعلته معه , منعته من دخول البيت , ثم صعدت الي غرفتي بالطابق الثاني , فتسلل هو بمساعدة أمه طبعاً الي الداخل ..
أمسكت التلفون نظرت فيه , لعلهم رنوا علي , وانا لم اسمع , أو لعلهم بعثوا برسالة ليطمأنوا عليَّ .. كلهم معهم ” محاميل ” من الغالي , وماركات عالمية .. أنا الذي اشتريتها لهم بفلوسي , الكلاب , ودائماً أجعل لهم فيها رصيد ” شحن ” لم ادع تلفون واحد منهم بلا شحن. . ومع ذلك لم يكلف واحد منهم خاطره , ويرن يتصل , يسأل عني , أو برسالة رسالة حتى ….
تخيلت انا الذي مكانهم ألان , هل كنت سأسكت .؟!!.. لا والله , ما كنت أصبر , ولو لدقيقة وأحدة , كنت رنيت عليهم ورنيت , ورنيت .. ويمكن كنت خرجت أدور عليهم بنفسي .. وأردهم الي البيت .. حدث هذا أكثر من مرة معي , لما يتأخر واحد منهم عن معاده , ولما أبعث أحداً منهم في مشوار .. هذا إن حن وذهب , أو تأخر عن معاده عند الرجوع من المدرسة , أو الدرس , ببقي عامل كالمجنون قلبي مثل الحمامة الطائرة عليهم , أطلع أبحث وأدور عليهم في كل مكان , ولا أعود الي البيت حتى أجدهم , أو يتصلوا بي ويقولوا لي بأنهم عادوا الي البيت بالسلامة, وأنا يوم كامل خارج البيت , ولا أحد يسال عني , أو فيه , ولو حتى برنة تلفون … وكأنهم كسروا خلفي قلة , كلاب ..عجبت لك يا زمن ..
يضع الجرسون صينية الشاي أمامي , وينصرف , بعدما أشكره , مسكت كوب الماء البارد , لأضعه في جوفي الذي لم يدخل فيه الا الماء , ودخان السجائر, والشاي ” مسحت من عيني دمعة توشك تسقط بيدي , تذكرت ابي وأمي , ترحمت عليهما , انا لم أكن عاقاً هكذا مع ابي وأمي , أنا كنت بارا بهما الي اخر لحظة ــ رحمهما الله وأدخلهما فسيح جناته ــ كما أني لست محتاج إلي دليل حتى أثبت لكم ذلك , يكفي أقول لكم انهما , عاشا وماتا راضيان عني , وكانا يدعيان لي بالخير , والصحة , والسعادة , وطول العمر.. إذاً كيف حدث كل هذا العقوق من ابنائي.؟!. عقلي يكاد يجن ..؟!! ..
وضعت ثلاث معالق صغيرة سكر , وأخذت أقلبها في رأسي , صوت العربات من بعيد مزعج , والحر شديد , والناس بدئت في الخروج للتنزه , أرتشفت رشفات متتاليات , ورحت أرسل بصري هنا وهناك, لعل وعسى , أري واحد منهم خرج ليبحث عني , فقد افترضت بأن كل شبكات المحمول قد توقفت , وساقطة اليوم .. واقنعت نفسي بنفسي بان ولا واحدا منهم ليس معه رصيد كافي ليرن علي , أخرجت من علبة السجائر , السيجارة الأخيرة , أشعلتها , وانا في راسي ألف دندان , وفي صدري الف سؤال وسؤال. ..
” أبنائي لا يسألوا عني ..؟!!.. وسبعة عشرة عام لم تشفع لي عند زوجتي..؟!! وهل سأظل اهيم علي وجهي في الشوارع إلي ما لا نهاية .؟!!.. من جامع لجامع ..؟!!.. ومن حديقة الي حديقة , والي الان لم يدخل جوفي الا الماء , والشاي , ودخان السجائر , وغبار الطريق , وعادم السيارات المميت .. وفقط .؟!!.. ولماذا أنا الذي اغادر البيت ..؟! .. ولماذا لا يكونوا هم مكاني , في الشارع الان..؟!!.. ولماذا لم تترك زوجتي البيت , وتذهب الي بيت ابيها..؟!.. ولماذا لم يسألوا عني حتى الان.؟!!.. ولماذا .؟!!…ولماذا..؟! … ولماذا ..؟!!.. ولماذا ..؟!!..

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
سيلفي
التالي
تجاهـلٌ

اترك تعليقاً

*