القصة القصيرة

العيون الزرقاء

خشي ان يتأخر .. ويفوته اللقاء .. لذا خاف ان يأخذه النوم .. فظل مستيقظا حتي الصباح .. فهو دائماً يحرص علي مواعيده .. يحب السهر .. الاستيقاظ متأخرا ديدنه ..
في الصباح الباكر .. صنع كوباً من الشاي المغلي .. غسل وجه .. لمع حذائه .. كوي قميصه .. ارتدي ثيابه .. عدل من هندامه .. شرب سيجارته .. وهو يجمع أغراضه .. نظر في ساعة الحائط .. ثم مرق كالسهم في نهر الشارع .. تذكر انه لم ينظر في المرآة .. صعد الي المحطة .. وهو يتحسس جيوبه .. خشية ان يكون قد نسي شيئاً اخر.. سأل عن القطار الذي سيقَّله .. جلس علي اقرب اريكة فوق الرصيف .. أخرج كتاباً أخذ يقرأ فيه .. حضر القطار رمي نفسه بداخله .. حشر نفسه وسط الأجسام المتدافعة .. لا يدري كيف من شدة الزحام استطاع ان يجد لنفسه مكانا .. بالكاد خلف الباب المغلق .. تحاشي الاجسام الضخمة لمندفعة التي تخبط فيه كلما مرت بجواره.. والبائعون الجائلون في القطارات وهم ينادون.
” السفر قطعة من العذاب “.. قالها في نفسه بصوت منخفض وهو يتهيأ للجلوس علي ارضية القطار في وضع القرفصاء .. يبتسم في وجه كل من ينظر اليه .. المكان مزدحم جداً .. لكن الجو ربيع …
للحظة شرد بذهنه .. تخيل المكان الذي هو ذاهب اليه ..
” هم دائما يتعمدون اقصائه .. يذهبون بمفردهم دوماَ .. دون ان يأخذوه معهم .. او حتى يخبروه .. وعندما يعودوا يتحدثون امامه عن المكان .. والاشخاص الذين التقوا بهم .. وكيف كانت حفاوة الاستقبال بهم .. وما اتوا به معهم من هناك .. وكيف.. وكيف.. وكان يستمع اليهم .. ويتمني لو كان معهم .. ولو لمرة واحدة ..” .. ها هي الفرصة قد حانت .. سيكون اليوم معهم هناك .. ولأول مرة في حياته .. نداً بند , ورأساً برأس .. هم اخبروه بذلك .. وطلبوا منه ان يتهيأ للسفر .. ولا يتأخر عن اليوم المحدد.. وبأنه قد وضع أسمه ضمن المشاركين في المؤتمر.. لكنهم ابوا ان يصحبوه معهم.. كلاً منهم تعلل بأعذار واهيه .. لا يهم .. المهم سيكون معهم هناك .. وسيحضر المؤتمر مثلهم وسينال نفس الحفاوة , والتقدير ويعود ليتحدث للأصدقاء مثلهم .. وسيتعرف علي الكثير من الشخصيات المهمة المرموقة هناك ”
“والله بقيت مهم , وبيدعوك للمؤتمرات لا وايه بدعوه رسميه هه ”
عدل هندامه التي حرص .. على انها تكون جديدة وانيقة .. نظر الي شنطة سفرة القابعة فوق احد الرفوف التي أمامه .. ” اشتراها من تحت المحطة .. خصيصا لهذا الغرض.. اعجبه لونها الأسود الامع .. وكنارها الازرق الفاقع .. راها وهو في طريقة لتخليص بعض الاوراق الهامة .. من اجل سفره هذا “..
تأمل الوجوه في عربة القطار في صمت .. وهو يحلم احلام يقظة .
ــ “لو تعرفوا مين انا.. ما كنتم تتركوني اجلس هكذا .. وتتجاهلوني غداُ سوف تعرفوا من انا.. ومن اكون عندما ترون صورتي وقد غزة الجرائد والمجلات وتشاهدوني وانا اتحدث اليكم عبر الشاشات وقد استضافتني كل الفضائيات..وستأتون إليّ لتسلموا ولتتعرفوا.. بل وتطلبون ان تتصوروا معي أيضاً ” ابتسم في نفسه وخجل منها.
شد انتباهه امرأة.. تجلس علي الكرسي الذي امامه تحمل طفلا صغيرا .. تنظر وفي عيونها الكثير من الكلام .. فطفلها يبدوا عليها المرض .. حاول ان يبتعد عن هذا المشهد الدرامي المؤلم .. الصادم لمشاعره .. ولا يشده للتعاطف معه .. فينقلب الي حزن واكتئاب .. وحتى لا يتأثر به فهو عاطفي زيادة عن اللزوم .. فمن الممكن تتلبسه حالة حزن شديد , علي هذا الطفل .. وقد يتطور به الامر .. بان تزرف دموعة من اللاشعور.. فهو لا يستطيع ان يري احدا مريضا .. ولا يتعاطف معه .. أو يتأثر به.. فما بالك بطفل صغير يئن ويجض من الالم ــ رباه ما ارحمك ــ
عاد بخياله الي المكان الذي سوف يذهب اليه .. والذي يجهله تماما غير انه سمع الكثير عن روعته وجماله حتي بعض الاصدقاء حدثه ذات مرة انه يتمني ان يذهب.. ليعيش في هذا المدينة ويعمل بها .. لما لها من خصائص ومميزات رائعة وجميلة
” غدا ستعرض علي الجميع مواهبك الفذة .. وتجبر الجميع علي التصفيق لك ”
شده من تداعياته .. واخرجة من خياله .. صوت الكمثري وهو يقول له
ــ تساكر يا حضرت ؟؟
ـــ ………
القطار ينساب بين الحقول .. والمزارع الخضراء .. يتخطى بلاد ومدن .. يشعر بالأعياء والتعب.. والجوع يفتك بأمعائه .. شعر بتنميله شديدة في ساقية ..احس بأن قدماء لا تقوي علي حمله .. قام من مقامه .. فقد تعب من جلست القرفصاء .. قرر ان يقف حتي تذهب النميلة مع الالم من ركبتيه ..
ــ ” خشونة في المفاصل ”
هكذا قال له الطبيب .. حينما اشتكي مذ فترة من رجليه .. فذهب الي الطبيب الذي وصفه له احد اقاربه
ــ ” عندك خشونة ويلزمك راحة تامه وعدم المجهود حتى تخف ”
“.. تبت لك ايها الطبيب اي راحة تطلبها مني .. كيف لي ان ارتاح كيف اضيع مثل هذه الفرصة الثمينة من يدي .. ”
يخرج سيجارة صنع محلي .. يشعلها علي طريقة ” عادل امام ” هذا النجم السينمائي الذي يحبه كثيراً.. ويتمني ان يكون في نجوميته ” هههه معقوله .. انت بتحلم ” …
ينظر في ساعة معصمه .. ليتعرف علي الوقت.. لم يزل في الوقت متسع .. الباعة الجائلين في القطار يقطعونه ذهابا وايابا ينادي كلا منهم علي سلعته .. يلقي اليه احدهم بكيس من اللب الاسمر .. فتحه واخذ يتسلى به .. فمازال في الوقت متسع .. تشجع غيره لما راه قد اخذت كيس من اللب .. فألقي اليه بكتاب ” كيف تتعلم اللغة الانجليزية بدون معلم ” وغادره وانصرف .. أمسك بالكتاب قلبه بين يديه , وجده نسخة مختلفة عن كل مرة يسافر فيها بالقطار.. ويُلقي بها في حجره وانصرف ثم يعود ليجمعها من جديد.. قرأ فيها بعض الكمات اعجبته .. فقرر ان يشتريها ليضيفها الي مكتبته المتواضعة .. او يعطيها لابنه الذي مازال في الابتدائية نظر خلف الكتاب كان مكتوبا عليه ” الثمن جنيهان ” أخذ نفساً من سيجارته ..عدل من وقفته .. القطار يقترب من احدي المحطات المزدحمة بالركاب .. طلاب المدارس تملأ الرصيف.. يتهيأ الركاب النازلة المحطة اقتربوا من الباب .. وكلا منهم ممسكا بأغراضه .. القطار يزمجر وهو داخل علي المحطة .. يهدأ من سرعته قليلاً .. وهو داخل علي الرصيف.. بعض الشباب لا ينتظرون حتي يقف القطار.. يقفزون بداخله بحركة سريعة وجريئة وخطرة في نفس الوقت .. وما ان وقف القطار حتى نزل اناس كثيرون وصعد اكثر منهم .. حتي امتلأت العربة بالركاب .. وصارت اشبه بعلبة الكبريت .. او علبة السلمون .. بنات المدارس بذيهم الأزرق الجميل .. وطلاب الجامعات علي سنجة عشرة .. شباب في سن الزهور.. يملئون الدنيا ضجيجاً , وحيوية , وبهجة تذكر يوم كان طالباً جامعياً .. كان يستقل هذا القطار نفسه .. كل يوم وهو ذاهب الي الجامعة ..”
ابتسم في نفسه وهو يقول
” كانت ايام جميله ”
اخذ يتابع الطلاب الجامعيين .. وهم يتهامسون فيما ينهم .. تذكر تلك الفتاة التي كان يحبها وهو في الجامعة .. وكان يحجز لها بجواره دائما .. حتي تجلس بجواره ولا يضايقها احد .. احبها حبا شديدا .. لكن للأسف لم يتزوجها .. لا نها كانت من اسرة غنية .. وهو من اسرة فقيرة .. لا تملك من حطام الدنيا شيء ”
تنهد تنهيدة قوية شديدة حامية بها حرقة ومرارة السنين .. ولم يرد ان يسترسل في ذكرياته معها .. لا نها ستؤلمه جدا .. لكنه طرح علي نفسه سؤلا صعب “.. يا تري فكراني ولا نسياني ” ؟!. يتجه بوجهه خارج القطار من نافذة الباب الصغيرة المهشمة .. يأخذ نفسا عميقا من الهواء النقي الذي يخبط في وجهه .. تنهد وهو يتابع جريان الحقول الخضراء مع القطار .. والفلاحون مبدورون في الارض الواسعة مثل اشجار السنط , والنحيل .. شده مشهد جميل يصلح ان يكون لوحة زيتية في احدي المعارض الدولية ” احد الفلاحين جالس تحت شجرة سنط كبيرة .. يستريح وبجواره الفأس … ومرأة مقبلة عليه بزيها القشيب مطرز …وعلي رأسها صنيه مغطاة وفي يدها الأخرى تمسك بقلة فخار وهي مقبلة علي الرجل بابتسامه عريضة ” ..
التفت للوراء فاجأه .. بائع الكتب يسأله عن الساعة وهو يأخذ منه ثمن الكتاب .. نظر الي شنطة ليتأكد انها لم تزل في مكانها .. احدي الطالبات تثبت عيناها الزرقاء في وجهه .. يرتبك يحاول ان يتظاهر بانه متماسك .. فتح الكتاب الذي في يده .. دس وجهه في محاولة يآسة منه للهرب .. تذكر المرأة وطفلها الصغير .. بحث عبثاً لم يجدهما .. تذكر رجليه التي تصل عليه, وتألمه ..
يقترب القطار من محطة الوصول.. ينزل حقيبته بيده .. وهو ينظر الي الفتاة التي تتابعه عن كثب .. اقترب من الباب المفتوح .. نزل علي الرصيف .. فرد خطاه حتي يلحق بالمؤتمر .. الذي دعي اليه ولم يبدأ بعد .. ويخشي ان يتأخر عنه .. لكنه لم ينسي ان يلقي علي وجه الفتاة .. ذات العيون الزرقاء.. النظرة اخيرة..لتكون ابتسامتها هي اخر شيء يعلق في ذاكرته وهو يغادر القطار …

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
الخراب
التالي
تصدع

اترك تعليقاً

*