القصة القصيرة جدا

الغائب

احتمى بعناق طويل مع ذكرياته من فيض الحنين الذي اجتاح وحدته، جلس على طرف الفراش يضع يديه على رأسه. امتدت رعشة أطرافه لتشمل أنفاسه فخرجت مترددة ملتهبة منهارة. ثبت جسده على وضعه حتى سمع طرقات على باب غرفته فلم تستجب حواسه، دخل زميله في العمل قلقا على تأخره، وجده على حاله فسأله إن كان قد مات له أحد. نظر له طويلا ثم طمأنه أن لا أحد قد غاب بجسده، لم يفهم صاحبه معنى كلامه فطلب منه أن يسرع بالتجهز لأن موعد قدوم السيارة قد اقترب ولن تنتظر أحدا، قام متثاقلا فجهز حقيبته الصغيرة ونزل يجر أقداما وأحلاما وأوهاما. ركب السيارة واختار المقعد الأخير في الخلف وسط تعجب كل زملائه، استند برأسه المرهق على جانب السيارة وانفصل مرة أخرى عن العالم ترقبا لتلك الرحلة الطويلة التي ستستغرق اليوم كله وستعيده من رحلة هروب لم تستغرق عدة أشهر.
انعطفت السيارة إلى الطريق الجانبي الذي يقوده إلى قريته، فوجئ الجميع به يصرخ في السائق أن يتوقف، توقف السائق بطريقة شديدة الخطورة حتى كاد يسقط في المجرى المائي الموازي للطريق الضيق، بعد أن اطمأنوا عليه صبوا جام غضبهم عليه كرد فعل للرعب الذي أصابهم، نزل من السيارة وطلب منهم أن يستمروا، لم يستمع لنصائح زملائه الذي حذروه من طول الطريق وقرب نزول الليل، تحركوا بعد أن يأسوا من عناده ولم يستطيعوا تفسير حالته الغريبة، سار على حافة الترعة يتأمل في انعكاس ضوء قرص شمس الغروب وهو يغرق شيئا فشيئا في منتصف الماء مستسلما لقوة الليل الذي يرخي سدوله بقوة وهدوء، سريعا جدا ظهر نصف القمر ينير شيئا من الطريق، لم يكن يهتم كثيرا لوجود ضوء، فهو يحفظ الطريق عن ظهر قلب، بتفاصيله الدقيقة ومنحنياته ومدقاته، كان حريصا على أن يلمس كل شجرة يمر بجوارها، هناك قطعة من روحه ضائعة لا يستطيع أن يلمسها أو يجدها منذ أنهى دراسته وغادر القرية للعمل في مدينة بعيدة، كأن إغماءة طويلة قد أصابته بمجرد أن تسلم شهادة تخرجه، صعب جدا ترك الأرض والأصدقاء والأحبة والأحلام والذكريات فجأة، فاض به الحنين، جلس على جانب الطريق عند شجرة تشاجر أمامها يوما مع أصدقائه، واجه المجرى المائي تحت شجرة الصفصاف ذات الشعور العتيقة التي تتهدل أغصانها حتى تلامس الماء، ألقى حجرا في موقع اصطياده مع زملائه آخر مرة، تشاجروا على تقسيم السمك فألقاه كله في الماء مرة أخرى رغم أنها كانت أكثر مرة اصطادوا فيها، لم يغفر له أصدقاؤه هذه الفعلة حتى سافر، تراهم نسوا؟ ألقى حجرا أخر في ألم، ثم هدأ تماما يتأمل أضواء القرية القريبة. أذهله صوت ارتطام شيء بالماء بنفس الطريقة التي لاحظها في حجره، نظر حوله مرتعبا وقد ملأته الهواجس، لكنه هدأ مرة أخرى وابتسم، داعبه غصن صفصافة بفعل حركة ريحية، زادت ابتسامته وهو يعبث في الماء بعصا صغيرة وجدها بجانبه، لا يهم، افعلي ما شئت، لم أعد أخاف منك.
تحرك سطح الماء فجأة، هبت موجة ريحية خفيفة، عبث غصن الصفصافة بشعره، لم يتحرك. اختبأ القمر خلف سحابة عابرة، غلف الظلام المكان حتى لم يعد يرى كفيه، اتسعت ابتسامته وهو يرى سطح الماء ينشق عن ظل لجسد بتفاصيل امرأة، لم يتبين وجهها، لكنه لاحظ أن شعرها أطول من جسدها ونظرات عينيها نارية ولها ابتسامة قابضة للقلوب، وقفت فوق الماء أمامه مباشرة، استمر يعبث في الماء بعصاه، سمع همسا في أذنيه رغم أنها تقف في وسط الماء: تتزوجني؟
رفع رأسه ليراها، ركز عليها بشدة مع انقشاع الغيمة وظهور نصف القمر، فوجئ تماما بوجه دائري متشقق يواجه وجهه تماما، والشعر الذي يشبه غصون الصفصافة يلف حوله ويحيط به، كأنه دخل في جوفها، ابتسمت لها فبدت أنيابها الحادة واشتم لها رائحة الأعشاب البحرية، ابتسم من جديد وتجاهلها: أشياء كثيرة تغيرت يا صغيرتي منذ آخر مرة كنت هنا، لم أعد أخشاك، رغم كل ما قاله لنا أهلنا عنك، لم أعد أخافك، ما أقصى ما يمكن أن تفعليه؟ لن أتزوجك.
شعر بشعرها يلتف حول قدميه ويسحبه برفق نحو الماء. صرخ في غضب وعنف: لست عبدك أيتها العاهرة، لن أستسلم لرغباتك المنحرفة، ابحثي في عالمك عمن يليق بك.
حاول القيام ليقاومها، ازدادت تشبثا بقدميه وسحبته بعنف إلى داخل الماء، ضربها بقدميه فلفت حول جسده النباتات المائية المحيطة به، ما أن دخل إلى الماء حتى سحبته مرة واحدة إلى الأعماق، حانت منه لحظة هدوء، رأى وجهها بوضوح، مختلفة تماما في عالمها، جمالها كالنور أحاط بقلبه وسيطر على مشاعره، بُهر بها، توقف عن المقاومة قليلا بعد أن طبعت على شفتيه قبلة طويلة، انتبه إلى أنها تسحب أنفاسه، قاوم من جديد، أحكمت قبضتها عليه، احتضنته بقوة، استسلم أخيرا.

السابق
عيد بأية حال
التالي
بُرقُعٌ

اترك تعليقاً

*