القصة القصيرة

الغراب الأبيض

النهار قائظ كقطعة من نار جهنم ، نصومُه في العشر الأواخر للعتق منها ،فنصلاها في الدنيا قبل الآخرة…أتمضمض دون أن أحني رأسي إلى الوراء تفاديا لتسلل نقطة إلى الحلق. أصبح كاللاجئة من الرمضاء إلى هاجرة. يشتد العطش أكثر ويصبح ريقي أبيض كزلال بيض مخفوق. أتذكر جارتنا التي جفّت أعضاؤها الداخلية حتى ابتلعت لسانها ورحلت لرحمة الله فأصاب بالهلع..الهلع يتحول إلى رهاب ..أدخل تحت الدش بهدماتي كلما أصبت بهذه الحالة، لقد ورثها عن أبي سامحه الله ، من قال له أن يشارك في أي حرب حتى عاد معطوبا مرتعبا جزوعا..لم أكن أعرف أن الجينات غدارة ودساسة إلا حين أصبت بها أول مرة إثر ولادة شاقة ..شخص الطبيب اكتئاب ما بعد الوضع، أخذت عقاقير لكن شيئا ما في دواخلي أنبأني أن الأمر لن يتوقف عنه هذه الفترة ..وتحولت الحالة إلى ما يقترب من النبوءة لحدث غير سار قد يقع. تكرر تحققها حتى تيقنت أنها نقمة أصابتني ، واليوم. اليوم ..لن يمر على خير أكيد. حوقلت وبسملت وتعوذت وصليت ركعيتين..لم أعرف عدد السجدات ولا الركوع الذين قمت بهم واختلطت علي الآيات والسور والأدعية. فلحنت فيها وخرجت ودخلت. لكن الاطمئنان والسكينة لم يجدا طريقا إلى نفسي.
زوجي لا يدخن ..لكنه ” يقطع” من الطعام أكثر ممن «يُطرّق سباسا الكيف”..أتفاداه ولا أكلمه إلا في الضروريات ونحن صيام. يدخل في الزمن الذي كرهت فيه أن يتواجد في حينه..
– أنا ذاهب إلى الضيعة لأتفقد ما يجري، الخماس يسرقني، والعجل الجديد لا يريد أن يلتقم ثدي أمه ..اِبحثي عن إحدى البزازات القديمة للأولاد …
الأرض كانت مالحة في فم المحراث هذا العام وصرنا نلقم الأفواه البكماء بدل الناطقة أكثر، نقتطع من رزقنا ونطعمها وجفت البئر تقريبا وما بذر ، بالكاد تفتق عنه شدق الأديم المتشقق. أتفهم موقفه لكن الهاجس داخلي أقوى من أن أؤازره وأهدئه..
– لا تذهب.. ولا بزازات بقيت ..السيارة انتهت صلاحية تأمينها منذ منتصف ليلة أمس…الله يجعل فيك السلامة يا هاد الراجل ..أنت لا تسوق بالليل وسيدركك في العودة ..والطريق غير معبدة ..وعباد الله في محنة من الصيام …ولدي إحساس غريب أن…
– تفو.. بدأت ثانية يا غراب البين الأسود. ولّيت أعور دابا…يَخليها سَلعة ..من يوم ما شفتك ما شفت الخير. هل تزوجت امرأة أم “شوافة” تعلم الغيب..
– يضع سره في أضعف خلقه ..ما زلت تشكك ؟
– يلعن خْليقتك…خْزيتْ ..سكّري دقشك.
ويبدأ الشجار…ويضيع يوم الصيام وينتفى عنا أجره. ولم نغنم منه سوى الجوع والعطش…وأنتِ.. أنتَ. وأنت.. أنتَ ..وفجر كل منا غضبه في وجه الآخر بعد أن وضع جلابته على كتفه وعلى رأسه “ترازة” القش وانتعل حذاء المطاط زي أكرهه كره العمى. فما أن يتسربل به حتى يتحول الإنسان المثقف الرزين الرقيق الذي أحببته وتزوجته ، إلى فظ حادّ الطبع شكِس..
أسمع هدير موتور السيارة وهي تتلقى ما بقي عالقا في بلعومه من غضب. تزرأ ويئن وتتزعزع الطولة القصديرية محدثة ضجيجا مرعبا ..يتصاعد دخان بنزين لم يتم انصهاره. فيصيبني بالغثيان والدوار. قبل أن يقلع كمكوك .
في المشفى الذي نقلت إليه في شبه غيبوبة ،بعدها بأقل من نصف ساعة ،لا أعرف أمن وطأة العطش أم تفاقم رهابي اللعين. ولولا تواجد مُعينة لي بالمنزل لما درى بي أحد، لا أكاد أحس سوى بشك الإبر في معصمي وسخونة مصل يسري في عروقي ومشدات توثق يدي ورجلي على سرير طوارئ تصلني منه رائحة دم قديم وسهْكُ قيء وهواع مقرف. ولساني…لساني لا يهدأ في فمي ..كنت أهرف بهذاء..
– تشاخ طراخ. السيارة دخلت في عربة الكارو ..البغل ماااااااااات ..والطفل في الرأس مصاب ..سيموت …سيدخل السجن …يا لطيف لطفَك ..المنزل. سنبيع المنزل …الدّية.. الدية .. يا رحيم .. قلت له ألا يذهب…مسخوط الوالدين. راس الحجرة..زوجي..أريد زوجي ..الآن…
لا أعلم كم مرعلي من الوقت، قبل أن أفيق نصف استفاقة على صوت شخص غريب يتحدث ..يتناهي إلي كأن صاحبه طافح السكر..أو نابعا من مكرفون مشروخ..تتكرر الكلمات كرجع الصدى..تتضخم في رأسي كفقاعة ضاجّة ثم تخفت إلى هجس وهمس ووشوشة..لتصبح أخيرا شبه سوية الحروف والنبرات، يميزها إدراكي المهزوزبصعوبة..أفتح عيني، أعبّ نفسا طويلا وأزفره من منخري،تطقطق طبلتي أذني، ويعود لسمعي صفاؤه..
– حالتها مستعصية..قد تتسبب في ضرر لنفسها أو للغير..هل ضربها بغل كارو على دماغها ؟ أو طفلكما المصاب رأسه في حادث سير مات أو سيدخل أحد من العائلة السجن ؟ الخلاصة سيدي .. الصدمة شديدة وتستوجب متابعة متخصصة دقيقة.. لقد لزمنا أمر ربطها أربعة ممرضين ، قوية بالنسبة لضآلة جسمها ..قاومت كلبؤة..هكذا كل المجانين.. سأكتب لك توصية لمستشفى الأمراض النفسية والعصبية ببرشيد..
– وآخر أعرفه وأحسست بالأمان لأنه هنا ، يرد ..وفي حلقه ما يشبه غصة ناشجة..
– دكتور ..قد لا تصدق ، وقد يبدو لكَ الأمر غريبا وربما تتهمني أيضا بالجنون..لكن رُمَّة ما تفوهت به وجميع ما وصفتَه بالهذيان ..حدث معي اليوم..

السابق
من مذكرات فتاة عانس
التالي
قراءة نقدية في نص “الغراب الأبيض”

اترك تعليقاً

*