القصة القصيرة

الغيم العابر

المهندسة نوال موظفة في مديرية الزراعة، وتدرك جيداً أن صاحب الأحلام الغنية بالعواطف الإنسانية النبيلة والأخلاق الحميدة، غالباً مايشعر بعدم التوافق مع محيطه، ويصبح أسير ذاته في أي لحظة ضعف أو تردد، رغم أمانته وصدق تعامله مع الآخرين.
فهي منذ تعيينها لم تتأخر يوماً عن دوامها، ولم تحصل يوماً على مهمات أو مرضيات وهمية، وهي متميزة بسرعة تنفيذ المهام الموكلة إليها، وغير مبالية بأنواع الإغراءات كافة أو الضغوطات التي تمنعها من احترام توقيعها، حتى أصبحت مثالاً يقتدى بها من قبل المديرين الذين تعاقبوا على المديرية خلال عشرين عاماً، حتى حين كثرت الخلافات بينها وبين زوجها وتصلبت مفاصل الخلاف لدرجة الطلاق، ظلت ملتزمة بواجباتها المنزلية كما يجب، ولم تهمل يوماً تربية ولديها ليليان ومجد ومتابعة أمورهما المدرسية، وكان حرصها شديداً على تنمية مواهبهما، وتوسيع دائرة معارفهما وثقافتهما، ولكنها لم تتردد أبداً في طلب الطلاق والفوز به بعد وفاة والدتها التي كانت صمام الأمان لاستمرارية زواجهما لإيمانها بحرمة الطلاق وأبدية العلاقة الزوجية.
ورغم إدراكها بصعوبة موقفها الاجتماعي بعد الطلاق وخاصة في مجتمع ذكوري بابوي، حيث يتطلب منها بذل مجهود كبير لتجنب انعكاساته السلبية، إلا أن صلابة قناعاتها بأن الإنسان عندما يكون حراً ومتوازناً في تصرفاته تبعث في داخله طاقات جديدة تضاف إلى قدراته الشخصية تساعده في التغلب على الكثير من العوائق والصعوبات التي قد تصادفه، وهذا ماشعرت به فوراً بعد أن نطق القاضي بقرار الطلاق، شعرت كأن شيئاً ما يولد في داخلها، فاغرورقت عيناها بدموع الفرح والحزن معاً، دموع باردة معطرة بأريج رياحين الحرية. دموع حارقة حزينة على آمالها التي تحطمت على صخرة الواقع المؤلم.
غادرت قاعة المحكمة بخطوات مسرعة تاركة ظلها هناك حيث كان كما هو مع إدراكها بأن من عادات البشر ألا ينفوا إلا من يتمرد ضد الظلم والجور وتذكرت على الفور حياة عيسى السيد المسيح عليه السلام رسول المحبة والسلام.حين لم يعش مسكيناً ولا خائفاً ولم يمت متوجعاً، بل عاش ثائراً صلباً متمرداً، ومات جباراً وأعيد للحياة منتصراً.
واستقلت سيارتها وتوجهت لتربة أمها لتفرغ مافي داخلها من هموم وتطمئنها وتطلب السماح منها.
وعلى بعد خطوات من تربة والدتها أحست بأن شيئاً ما قد تفجر في داخلها وبانت آثاره على ملامحها، وتراءت لها صور من ذاكرة أيامها، وتذكرت عندما تفتح الحب في قلبها حين التقته لأول مرة، يوم زار بلدتهم برفقة شقيق صديقتها دلال، وتكررت زياراته لاحقاً في أيام الأعياد والمناسبات الاحتفالية، وفي كل لقاء كان يثير كوامن روحها ويروي عواطفها من عصير كرمته، وتحاكي ذاكرتها: لن يغيب عن ذاكرتي، يوم زار بلدتنا خصيصاً ليهنئني ويهنئ دلال بنجاحنا في الثانوية العامة، وهو محمل بهدايا من كتب نزار قباني وجبران خليل جبران، وقد حاول جاهداً إقناعنا بأن نلتحق بالجامعة ولا نكتفي بالشهادة الثانوية أو بدراسة معلمة صف، ويومها حين ودعنا قال: تأكدوا بأنني لن أزور بلدتكم بعد الآن إن لم تلتحقوا بالجامعة، وأن من يعشق نور الصباح لن يكون من أبناء الظلام، والثائر لن يرضى أن يموت يوماً مسالماً لامعنى لموته.
وما إن انحنت لتضع باقة من ورود الياسمين على قبر والدتها حتى سمعت صوت والدتها يكلمها ويناديها من أعمق تجاويف روحها وذاتها قائلاً: أخيراً فعلت ما أردت دون مراعاة لتقاليد مجتمعنا وأعرافه، وكم من مرة قلت لك يابنتي إن وجود الأب ضروري في جسد الأسرة وبنيانها .
نوال: نعم ياوالدتي الأب وليس الذكر.
الأم: ومع ذلك وجوده سند وحماية لكم.
نوال: أماه، ألم تقولي لي يوماً بأن الأم الجاهلة والمستكينة هي كالشجرة العارية، لا تظلل ولاتطعم ثمراً؟
الأم: نعم قلت هذا.
نوال: وكذلك ياوالدتي إن الأب الذليل الخائف هو كالمستنقع العميق، لايروي ظمأ عطشان ولاينقذ غريقاً.
الأم: والأولاد يابنتي، ماذا سيكون وضعهم بعد اليوم؟ وكيف سيحترمونكم؟
نوال: اطمئني يا أمي، لأن طلاقنا سيحفظ ماتبقى من الاحترام فيما بيننا، وسأبذل قصارى جهدي لأن تبقى علاقتهم معه على أحسن حال ولكن ..
الأم: ولكن ماذا؟
نوال: خوفي من أن يبقى هو بعيداً عنهم، جالساً على عتبات أبواب المسؤولين متأملاً أن يرمقوه بنظرات الرضا ويسمحوا له أن يأكل من فتات فضلات موائدهم العامرة من حساب أبناء الوطن الطيبين.
الأم: إذن، ألم يكن من الأفضل عدم الطلاق إذن لتكوني بجانبه وتحميه من الانزلاق أكثر فأكثر إلى هاوية الفساد؟
نوال: لا ياوالدتي .. أما الآن وبعد الطلاق فأستطيع أن أجابهه وأكشف له حقيقة أمره، ومخاطر أوهامه، وأحمّله مسؤولية الأولاد، وأحثه على الاهتمام بهم، والحفاظ على مستقبلهم وعلى احترامهم له، وخاصة أنهم بدؤوا يفقدون جزءاً من احترامهم له.
الأم : إلى هذا الحد ساءت أموره وتعثرت خطاه؟
نوال: نعم ياوالدتي، لأنه استمر ينمو بطرق غير مشروعة حتى بعد غيابك، شأنه شأن المدينة التي يعمل في دوائر محافظتها، لدرجة أصبح كل منها يبدو أقبح كلما نما أكثر، ففي حين أهمل هو كل ماتعلم من قيم وأخلاق، ولايعرف الآن سوى قانون (حكّلي لأحكّلك) ماتت عواطفه النبيلة وتاهت مشاعره الإنسانية، وأصبح في صباح كل يوم يطأ بقدميه جذوره الأصيلة، وهو الآن إما راش وإما مرتش، وكذلك هو حال المدينة حيث أصبحت كشظايا امرأة محطمة، فقدت رونقها وجمالها وطبيعتها الخلابة، لكثرة المخالفات المعمارية وتجاوزات فقهاء الخدمات الفنية، حتى دورها القديمة العريقة لم تسلم من أنياب أطماعهم. فشحب لونها وغاب خضارها وتورمت أطرافها.
الأم: والآن .. ماذا قررت أن تفعلي؟ وأين ستستقرين؟
نوال: سأقدم استقالتي من الوظيفة، وأعود إلى البلدة، إلى بيتنا القديم، لأرممه وأعيد الحياة إليه مجدداً، وأسور حديقته، وأهتم بالأرض التي ورثناها عنكم، وأطبق عملياً ماتعلمته في الجامعة، وأجهز صيدلية زراعية، وأعيش مع أهل بلدتنا الطيبين، وأراسل أخي لعله يقتنع بالعودة من ديار الغربة.
الأم: وفقك الله يابنتي.
نوال: سامحيني واغفري لي.
وغادرت نوال تربة والدتها وحزن عميق يعتصر قلبها، ذاك الحزن الممزوج بأحاسيس ومشاعر متضاربة ومتشابكة، وراحت تكلم ذاتها قائلة: الحيرة والارتباك والتردد هي أنهار من العذاب للنفس البشرية، لن تغدر إلا من يصاحبها ويجاملها.
وتركت لروحها العنان لتعشق كما ترغب، وما إن بدأت تفكر بالمستقبل حتى شعرت بالراحة والاطمئنان، ورياحين المستقبل تسربل روحها، وثقة بالنفس تتغلغل في أوصالها، وفرح عارم كان قد ضاع منها منذ زمن طويل بدأ يغمرها، فأسرعت في خطاها، وابتسامة علت شفاههها، وقهقهات انبثقت من داخلها، وارتفع صوتها قائلاً: نور القمر دائم ونور الشمس خالد، فلماذا الخوف من الغيم العابر؟!

السابق
إغــــواء
التالي
مَعْقُولٌ

اترك تعليقاً

*