القصة القصيرة

الـدرَّاجة

لم يكن ولدي البكر يطيق العيشـ بعد فقد أخيه، بيتنا فقدَ كل شيء جميلاً بعد تلك الفاجعة ،فقد بدأ يفكر بشكل غريب ويطرح أسئلة تفوق سنّه. عمره عشر سنوات، شقيقه الصغير عمره خمس سنوات وثلاثة أشهر ،كل الظن أن الأيام كفيلة في جعل ولدي البكر أن ينسى موت أخيه الصغير. إدارة المدرسة أرسلت في طلبي، أخبرني المدير: إن ولدي لم يعد مواظباً على دروسه كما ينبغي. مرشد الصفـ قال: (أنه شارد الذهن لا يحفل بدروسه )
والده تفرغ من وظيفته، وجال معه في عدّة أماكن للترفيه واللعب. وارتاد معه القرى الريفية الجميلة عند أخواله ، كل تلك المحاولات لم تثمر شيئاً ، فقد انطوى على نفسه، الدموع لاتفارقه. كان يتكلم مع نفسه، وأحيانا يصرخ في الليل طالباً من أخيه المتوفى أشياءً كانوا يعملونها فيما سبق، من لعب ولهو وتزجية أوقاتهم في لعبة ) (البلي ستيشن ) و كرة القدم، وسباق الدراجات،ك ل حاجيات (فرقد )الصغير يحتفظ بها، درّاجته وألعابه، والحلوى خاصته ،وكل مايذكّره به ،
لو اجتمعنا على وجبة طعام ،يترك لأخيه مكاناً شاغراًوصحناً من الطعام الذي يفضّله، حتى إذا انتهى من تناوله يقول له :
_هنيئاً مريئا حبيبي فرقد .
نترك الطعام لتمتلئ عيوننا بالدموع ..ثم ننهض وكل واحد فينا يشهق بالبكاء ،
يمكث هو جالساً ويستطرد :
_حبيبي فرقد …كل جيّداً..انت بحاجة إلى فيتامينات
_…..
_لا تعرف مامعنى فيتامينات؟ …حسناً ..عندما تكبر ستعرف معناها ..هيا قم واغسل يديك. لنلعب سباق الدراجات ..آخر مرة سبقتني وفزتَ ..اليوم لن تستطيع أن تغلبني ..
رحلَ من بيننا فرقد الصغير. كان رحيلة مفاجئاً وصدمة كبيرةـ لم نستوعب أحداثها لحد الآن ..لا أدري كيف ساقت الأقدار ذلك الباب اللعين ذو السكة الحديدية ..أن يسقط فوق رأسك أثناء مرورك بقربه ..فاضت روحك فور وصولنا إلى المشفى ..كانت كتلة الباب الضخمة قد قضت على رأسك الصغير الجميل.. وشعرك الطويل المنسرح على كتفيك .
في تلك الليلة التي لن أنساها ماحييت . وقف حسام أمامي وهو يحاول أن يشحذ حنجرته لحديث ما ..الدموع تتحتبس في عينيه قال لي وهو ينظر نحو صورة شقيقه المعلّقة على الجدار في غرفتي ،
_أمي …أتعرفين لماذا سقط باب بيتنا على رأس فرقد ؟
_انسَ الموضوع يابني ؟
_امي لا استطيع ان أنسى ..أنا من يستحق الموت وليس هو …أنا من صدم الباب بدراجته ..فتزحزح الباب وانفلت من السكة …فرقد لم ينتبه كان فرحاً وهو يسبقني بأمتار …كان مبتهجاً بالفوز .
_بني انسَ ذلك …الله يرحمه ..إنه طير من طيور الجنة.
لم يفه بشيء ..استدار ودخل غرفته ،كنت أسمع نشيجه ..والده لم يكن في البيت ..في خفارة مسائية بوظيفته ..كان علي أن اتحمّل كل هذا الألم لوحدي …يا إلهي ماذا أفعل ؟..سيهلك ولدي من الحزن ..ارحمنا يارب ..ما أن تمددت فوق فراشي، حتى تناهى إلى أذنيّ صوت ولدي حسام وهو يقول :
_أمي قالت عنك أنك طير في الجنّة …هل أنتَ كذلك ؟
يارب ..ها أني أسمعُ صوت فرقد يجيبه …صوته نفسه ..والتأتأة ذاتها في لسانه ..سمعته يقول له :
_لاتحزن يا أخي ..لقد أدميتَ قلب أمي .
_فرقد.. أريدك معي …أرجوك كن معي لا أقوى على فراقك .
_أنا معك يا حسام …هل تلعب معي سباق الدراجات ؟ كدتُ أفوز لولا باب البيت اللعين يسقط فوق رأسي .
_أنا السبب ..أنا السبب.
نهضتُ من فراشي، واقتحمت عليه باب غرفته ..فزع والتفت إلي غاضبا وهو يصيح :
_ماذا فعلتِ يا أماه ….لقد هرب فرقد حال دخولك الغرفة ؟!
_فرقد مات يا حسام ..فرقد رحل ولن يعود …دع عنك تلك الهلوسة .
_لا يا امي ….فرقد كان هنا .
مرت الأيام وحسام يذبل يوما إثر يوم ،الطبيب النفسي كتب له بعض العلاجات ولم تنفعه، اصطحبته لعراف وروحاني لمعرفة ما ألمَّ به، فلم أتوصل إلى حل .حسام لا يني كل ليلة يتحدث مع فرقد، وحال دخولي غرفة حسام ..لا أجد سوى حسام يتكلم مع نفسه ..صوت فرقد أسمعه جيدا، ولكني لا أرى صورته .
ذات ليلة انقطعت عنّا الكهرباء، نهضتُ كي أوقد الشموع ريثما يعود التيّار الكهربائي ،وجدت فرقد يسبقني لإشعال الشمعة ،رأيته يمسك بقداحة ابيه يمسكها بأصابعه الصغيرة ويوقدها ..حالما شاهدني ابتسمَ وقد ظهر فراغ سنّه الأمامي ..قال لي :
_ماما ..عودي إلى فراشك ..أنا أوقدت شمعة المطبخ.. وغرفة حسام وها أني أوقد شمعة الصالة ..غرفتي بقيت مظلمة .
هل تسعفني الكلمات، أم يمهلني قلبي الذي تسارعت دقاته، حتى كاد يتوقف؟ أردف قائلاً :
_لا تخافي يا أمي ..لاتخافي مني ..أنا حبيبك فرقد …رأيت حسام للتو ..وقد غطيت جسده المكشوف ..الجو بارد ..عودي إلى غرفتك .
_أعوذ بالله من الشيطان .
_أنا لست شيطاناً يا أمي …أنا (فرقودي)
ما أن عاد التيار الكهربائي ،اختفى ولدي بلمح البصر ،ذاب كالملح ،لا أعرف من أين خرج وإلى أين ذهب ،لم أنم حتى الصباح ..اخبرت زوجي بماحصل في ليلة أمس ..كأنه لم يصدق ما قلته له …وضع يده على كتفي وهو يقول :
_حبيبتي ..إنها مجرد تخيلات وهلوسات لا صحة لها ..كل خوفي كان على حسام ..الآن أقلقتيني بكلامك ..صدقيني ليس هناك مايستدعي الخوف …فرقد مات ودفنته بيدي . مرت أيام لم نكن نشاهد ابني فرقد..تجملنا بالصبر وتخطّي الأزمة ..لعل الذاكرة تنعم علينا بنعمة النسيان ..عدنا إلى حياتنا الطبيعية، زوجي في وظيفته وحسام بمدرسته وقد عاد مجتهداً ومواظباً على دروسه ..وأنا في المنزل أرعى شؤون أسرتي ..
قرّر زوجي أبا حسام أن نخرج في نزهة قريبة لتمضية وقت جميل في المتنزهات العامة ..قبل حلول الليل عدنا إلى البيت ما ان دخلنا عبر الرواق إلى حيث صالة الضيوف، .شاهدناه يجلس على مقعد دراجته، وهو يشير لنا بكفه..التفت كل واحد منا نحو صاحبه ..عقدت الدهشة ألسنتنا وفغرت أفواهنا …ضحك ضحكته المعهودة وقال :
_نزهة سعيدة أحبائي ..
قالها وهو يضغط دواسة زنجير دراجته ويدلف مسرعاً داخل البيت . لم ندخل الدار بعد تلك الليلة .
قررنا هجرها، وبيعهه بأي ثمن، والسكن في دار أخرى…بعد أيام.. جاءنا الساكن الجديد، شاحب الوجه وهو يقول بصوت لا هث :
_ من هذا صاحب الدراجة الذي أقضّ مضجعنا ..وحرمنا من النوم ؟!

السابق
ثقوب
التالي
حقد

اترك تعليقاً

*