القصة القصيرة

الفراشة

الباب موصد، النافذة شرّعت مصراعيها على حديقته الصغيرة، وأغصان شجيرة الياسمين تطلّ عليه بلا استئذان، الغرفة تئنّ بما حملت من كتب ومجلاّت وجرائد، الخزانة اصطفت عليها كتب لا تظهر لمتفرّسها إلاّ ظهورها المجلّدة باختلاف ألوانها، وزخرفتها، وعناوينها، باقي الكتب تكدّست في كلّ ركن، والمجلاّت بالكاد تجد في ضيق المكان مكانا.
من وراء مكتب عتيق، بهت لونه، وزخرفته تؤرّخ لأنامل انبجس منها فنّ يحمل من أرواحها نصيبا، جلس من ورائه رجل تلحّف بالسكون، بين يديه كتب أذعنت فنزعت برقعها لتكشف له عن سرّ ما حملت، اليُمنى تقلّب الصفحات، والأخرى تلهو بشعيرات لحيته القصيرة، نظّارته المدوّرة الصغيرة اتخذت من أرنبة أنفه متّكأ، حمله ثقل السنوات الستين لم تطفئ شعلة بحثه، ولم تعق تلمّسه سبلا جديدة في الحياة، مازال في الروح بريق، وما زالت كتبه تنوء بحمل يبحث من يفضّ سرّه، لكنّ الحمل ثقيل، والعمر شمسه مالت للغروب، أم تراه أتخذ العمر وإن قصر جسرا لضفّة الخلود؟ .
تسلّلت عتمة المغيب كأنّها جاءت قبل أوانها من شدّة انشغاله، أضاء الفانوس فانقشع الظلام، والظلام عدوّه الوحيد، ألا يكفه ما تجرّع من آلامه سنينا طوالا وهو في وحدته في قعر مظلمة، وحارسه يزيد الظلام بوجهه المكفهرّ ظلاما.
أسند ذقنه فوق ظهر كفّيه، هي عادته حين يلاقي من جهد بحثه نصبا، تطلّع لأغصان الياسمينة المطلّة عليه، عبق زهورها المتفتّحة ينعش روحه، ويحمله لعوالم نديّة، رآها تطير من فوق زهرة بيضاء لتطوف بغرفته، رفرفت بأجنحتها المزركشة بألوانها البديعة أمام ناظريه، تتبّع حركاتها، رآها تطوف على الفانوس كراقص صوفيّ هزّه الوجد فانتشى، حطّت فوق أحد الكتب القريبة منه، بحركة سريعة مسكها، تفرّس في جمال أجنحتها، وإبداع خلقها، رآها تحاول الانفلات من بين أنامله، فكّ أسرها، طارت إلى الفانوس في رحلة قدسيّة، أبحرت بشراع أجنحتها في بحار الحب فاحترقت بصهد لهيبه.
صحت في داخله سنين الظلام، كان الزمان يمرّ بين يديه كنهر من الصخر يطحنه بثقل ثوانيه، وبين الجدران الصلدة ينكمش ذاك الجسد، يتكلّس، لكن الروح تفرد للحب جناحا، تطير لعالم لا يدركه إلاّ العاشقون. لكنّه الآن صار يناغي بقايا حطام لدنيا ليس له منها نصيب، لعلّها ترضى وترمي له بحبل الوصال، وحين قرأ درس احتراق الفراشة وقف، جال بناظريه في أكوام الكتب المكدّسة والمصطفّة حوله، صرخ:
ـ نبئوني متى أتعلم كيف أحترق لأعيش طويلا.

السابق
صورة من الماضي
التالي
قراءة نقدية في نص “أحلام مستحيلة”

اترك تعليقاً

*