القصة القصيرة

الفراغ

الفراغ.. هكذا بدا المكان، لا أحد هنا وكأن لعنة ” تيمور” أصابت هذا الجزء من نفسي..
– هل يخيفك الفراغ ؟
لم أستطع أن أميز مصدر صوت السائل، استطعت فقط إدراك أنه كان صوت أنثى.. التفت يمينا ثم يسارا لكني لم أر أحدا.. فكرت أنه قد يكون مجرد تهيؤ أصابني أثر السهر لوقت متأخر كل ليلة..
– أو ربما تخاف الصمت ؟
هذه المرة بدت نبرة الصوت أكثر وضوحا وأكثر قربا، لم أستطع أن أميز ملامح جسدها وهي تدنو نحوي.. كانت الظلمة أشد من أن تسمح لي بتمييز من كانت ولا كيف كانت.. اقتربت أكثر فأكثر مما اضطرني لأعود خطوتين للخلف..
– واضح أنك تخاف النساء أيضا..؟
ما كان يناسبني أن أستمر في الصمت لحظتها.. إلا النساء.. إنها لعبتي فكيف أخافهن..
– كيف أخاف من تهزمهن الكلمات.. كيف أخاف من تُمتلكُ قلوبهن وعقولهن ببيتين من قصيدة أنهيتُ كتابتها قبل أن أنهي سيجارتي حتى..
– الساذجات فقط..
– أُفضل مصطلح ” المنتظرات”.. المنتظرات لحامل أملهن..
– تُدخن ؟
– ليس بسبب امرأة..
– هل لي بسيجارة إذن..؟
– كان ذلك قبل زمن.. أدمنت أشياء أخرى..
– النساء من بين هذه الأشياء..؟
– ما عدت أجد متعة في الجنس. قد تهزمني رواية، قد تهزمني مباراة كرة قدم، قد يهزمني فيلم.. ولكن ما عاد لجسد امرأة أن يهزمني..
– أنا فدوى.. فدوى الناجي..
– ماذا وقع بالمكان.. لماذا يبدو فارغا ومظلما؟
– قالوا أنهم يُخضعونه لبعض الإصلاحات..
– جيد.. فرصتي لأحاول النوم باكرا إذن..
– لم لا تدعوني لمكان آخر..؟
– تحبين المشي..؟
– في هذا الوقت؟
– وداعا..
– حسنا لا تنزعج.. انتظر.. واضح أنك عصبي جدا.
ظلت تتحدث طوال الطريق نحو اللامكان، تحدثت عن الحياة وعن بؤسها، تحدثت عن اختيارها لليل.. قالت أنه يساعدها على التخلص من نظرات الناس إليها، قالت أنها لا تتذكر آخر مرة غادرت المنزل قبل السابعة مساء ولا آخر مرة ولجته قبل الثانية فجرا… كانت تبدو أنها تمشي برفقتي دون وعي، لكني كنت على عكسها أمشي باتزان وبوعي تام لذلك عرجت على أول زقاق مضيء لاح أمامي.. رغبة ما بداخلي دفعتني لاستطلاع جسدها.. رفقة من أمشي؟ كان هذا السؤال الوحيد الذي دار في خاطري لحظتها.
أشعة مصابيح الزقاق انعكست على خصلات شعرها الكثيف فمنحته لونا بين الذهبي والبني والأصفر، ملامح وجهها بدت مختلفة تماما عما جال بخاطري و أنا أحاول تصورها لحظة وصلني صوتها وسط الفراغ، بدت أكثر جاذبية من تلك الصورة التي رسمها ذهني لها، بدت أيضا أصغر سنا بكثير مما يوحي به صوتها، ربما تجاوزت العشرين بسنة أو بسنتين… الغريب وربما الأهم أن لا ملامحها ولا ما كانت ترتديه يوحي أنها عاهرة.. ولا عاملة جنس حتى…لكن لماذا تخيلت أنها كذلك؟ الظلمة؟ المكان؟ لم تخبرني أنها عاهرة ولا نطقت بما يوحي بذلك.. أي حكم قاسي هذا منحت الحق لنفسي لأصدره في حقها..؟ متى كنت أحكم على واقع الناس قبل أن أعرف عمقهم؟ أي سطحية أصبحت عليها؟ لست أنا هذا؟ ما الذي حدث لي؟
– من أنتِ؟
– أخبرتك.. أنا فدوى الناجي
– لا أحتاج اسمك.. أخبريني من أنت..
– أنا فدوى الناجي.. ألا يذكرك اسمي بشيء، بأحد…؟
حاولت أن أتذكر لكن لا المكان ولا الوقت كانا يسمحان لي بتشغيل ذاكرتي..
– لا.. لا شيء.. لا أحد
– أنا فدوى الناجي.. ابنة الممثل والمخرج أحمد الناجي.. تعرفه؟
– أجل أعرفه..
قلت ذلك بحماس مجاملة، ربما أعرفه لكني لم أتذكر ملامحه لحظتها، ربما سأتذكرها لاحقا.. قد لا أكون أعرفه.. استطردت دون أن ّأفقد حماسي:
– ولكن ماذا تفعلين هنا؟
– أدرس..
– تدرسين؟ عند منتصف الليل؟
– تقريبا..
..تضحك.. ثم تضيف:
– ببساطة أنا مسجلة في دروس ليلية بإحدى المدارس العليا الخاصة..
– جيد.. تدرسين ماذا بالضبط؟
– التسيير الإداري..
– أليس غريبا أن تدرس أنثى ليلا؟
– الدروس تبدأ عند السابعة مساء وتنتهي عند العاشرة.. بعدها أتجه إلى المقهى الليلي حيث التقينا.. أحب أن أقرأ بطابقه العلوي، نوع إضاءته يمنحني حماسا غريبا..
غريب كيف لم أنتبه لحقيبة ظهرها، تشبه جدا حقائب الطالبات.. كيف سمحت لنفسي بأن أتوهم عهرها..
– ولكن لماذا تهربين من نظرات الناس؟
– لا أحد سيفهم، لا أحد سيصدق أن أنثى تقطن لوحدها، تعود عند الثانية فجرا.. لا أحد سيصدق أنها تدرس.
– عاهرة ؟
– أنت أيضا اعتقدت ذلك..
– ولا أدري لماذا اعتقدت ذلك..
– لأني بادرت لمحادثتك..
– لأني ألمحك هناك كل ليلة عندما أهم بالمغادرة.. ألمحك عند تلك الزاوية تنظر للجدار، ودائما ما انتابني فضول غريب لمعرفة من أنت وماذا تفعل عند تلك الزاوية رافضا أن تنظر للمتواجدين..
– أكتب.. أرى شخصيات نصوصي في الجدار وأنقل للورق ما يقولون وما يفعلون…
– كاتب إذن.. لم أتوقع ذلك.
– كما لم أتوقع أن تكوني طالبة.. أخبريني لم تقطنين وحيدة؟
– بعدما انفصلا أبواي.. اخترت مغادرة الدار البيضاء نحو مدينة لا أعرف فيها أحد.. أزور أبي من حين لآخر حين أحتاجه أما أمي فغادرت المغرب.. تزوجت على ما أعتقد.. هذا كل ما في الأمر..
أكملنا السير نحو اللامكان بخطوات متثاقلة، هذه المرة فقدت اتزاني ووعي بالخطوات أيضا.. كان حديثها ممتعا، عن نفسها، عن أبويها، عن صراعاتهما، عن الطلاق كحل أخير، عن أحلامها، عن شغفها بما تدرس…
– من أنت إذن أيها الكاتب؟
– سأحدثك عني ونحن نأكل..
– دعوة هي إذن؟
– لك اختيار المكان..
– لا أحب مطاعم هذه المدينة..
– ولا أنا أجيد الطبخ
– علمتني أمي بعض الأشياء قبل أن تهرب.. الطبخ إحداها.. ماذا يوجد في ثلاجتك أيها الكاتب؟

السابق
نكسة
التالي
مواطن

اترك تعليقاً

*