القصة القصيرة جدا

الفَرِيسَةُ

تنهض في الصباح، تنفض ما علق بالجسد المضرج بعطور العابرين ، تسرّح شعرها المنكوش من مخالب الليل ، العينان أتعبها السهر ، و الشفتان لم تعد مصدر إغراء لكثرة الفاتحين ، قساة الشفاه إذا مرّوا على قلاع محصنة ، دنّسوا مواطن الجمال فيها .
البارحة كان مفترسها أحد الأثرياء، شوّه المال كلّ المعالم الإنسانية لديه، تعامل معها ككتلة من لحم قابلة للتشكّل ، حقّق من فريسته ما أراد ، رمى لها بعض الدولارات ، كرمي المتسخ في الحاولة . شعرت بصداع ، وأشياء تتكسر في داخلها .
مرّتْ في الشوارع ، قرأتْ في العيون كلاما ، واتّهاماً .. كأنها شيطان مرّتْ في طرق الملائكة . الكلّ ارتسم التقى، والتعفّف … لكنّهم مفترسون بالعيون ، و بالكلام .. في آخر الليل منهم من نزع عنه ملابس التقوى ، و لبس ملابس الفجور. تراه متغضّن الوجه، عاري المساحات ، مرتخ ،متخنّث .. تدحرج عقله من أعلى رأسه ، إلى أسفل بطنه، غيّر قاموس النهار من كلمات الشرف الحصين ، إلى قاموس ليليّ من الكلمات العطنة .. . ارتمى في مستنقع يغتسل فيه من طهارته المزعومة ، وينزع عنه كلّ وصف للعفاف . مستنقع يلعنه في النهار ، ويعبده في الليل .
منهم من فتح قفص خياله ، يفترس ما استحصن من النساء ، يمدّ كل أعضائه من خلف سور الحلم ، يسرق منهن ما حرمته منه يقضته اللعينة . و في الصباح يلبس جبّة العفّة ، و يلعن المفترسين.
خفتتْ نارُ عواطفها بعدما اضطرمت، عتمة العواطف المتحجرة حولها خنقت نورها، غرقت تحت رماد الحركات المصطنعة ، تقوم بها بلا روح لترضي مفترسيها… وقفتْ تنظر لجسدها أمام المرآة ، شعرت بشيء من التقزّز، بضاعتها لم تعد صالحة للاستهلاك ، تطرق إليها المرض و الوهن ، ارتخى ما كان مستنفرا ، وتهدّل ما كان مصقولا ورشيقا . نفر منها أصحاب الكروش المنتفخة ، و الوجوه المكفهرّة ، رضيت بالمتسكعين ، و ضحايا العواطف المهشّمة.
شعرت بالفراغ يخنقها، موج من الثواني يجثو على صدرها ، حاولتْ أن تفكّ حبال الوقت، فاستحكمت . حاولت كسر جمودها ، فاسْتَصْوَنَ . صراخ دبيب الشيب أرهقها ، حاولت كتم صراخه بالأصباغ ، سمعت صدى صوته في الممرّات الضيقة . شعرت بأنها كانت بالأمس فريسة تغري المفترسين ، ولكن اليوم جيفة مرمية الكل يحاول منها فرارا .
لم يبق في داخلها شيء سليم ، ركام من الحطام المهشّم. قررت وقف دقّات الساعة اللعينة، توقف الرقّاص عن الاهتزاز ، تأرجحت في عتمة الليل وحيدة.

السابق
أحلام الطيور
التالي
وفاء

اترك تعليقاً

*