القصة القصيرة

القرين

لا يمكن؟ غير معقول؟ إنه هو..
أخذ يردد في تعجب شديد وهو يحملق في وجه شاب مر من أمامه ثم عبر الطريق، أفاق من ذهوله فأسرع يحاول اللحاق به ويناديه: آدم، آدم.
لكنه ذاب في وسط الزحام. عاد إلى منزله يضرب أخماسا في أسداس، سألته زوجته عن حاله، حكى لها عما رأى، ربتت عليه تستعيده من حزنه، لم يتجاوز أبدا وفاة صديق عمره في حادث وهو معه في العمل، يشعر بالمسئولية الكاملة عما حدث، لو كان يجلس مكانه لسقطت عليه تلك الكتلة الحجرية الضخمة، ساوت آدم بالأرض كأنه علبة كارتون، عانى انهيارا عصبيا استمر فترة طويلة خرج منه مهزوما، انقسمت روحه إلى نصفين، نظر إلى زوجته طويلا ثم ارتمى في حضن أمه التي تراقب الموقف بقلب مفطور على وحيدها حسام ونصفه الثاني آدم الذي تربى معه كشقيقه الذي لم تستطع أن تنجبه له بسبب وفاة والده مبكرا ووهب عمرها له. دخل حسام إلى غرفته حائرا غارقا في عالمه الضبابي، تكوم على فراشه حتى تجمعت أطرافه القرفصاء، حانت منه نظرة إلى المرآة المقابلة، إنه هو من جديد، فرك عينيه وركز فيما يرى، قام مسرعا ووقف أمامها، لم تستجب المرآة لعكس صورته، متوقفة عند صورة آدم، وضع يده على المرآة يتحسس وجهه، ما أن وضع يده حتى بدأت ملامح صديقه تتلاشى وينضغط جسده حتى انفجرت كل أجزائه وعاد إلى الصورة التي رآه عليها بعد الحادثة، صرخ من الرعب وقذف المرآة بزجاجة عطر صغيرة فتهشمت ألف قطعة، شاهد آدم يبكي في كل قطعة منها.
دخلت زوجته ووالدته على صراخه وصوت تحطم المرآة، كان يبكي ويصرخ: سامحني، سامحنى.
أسرعتا بمساعدته على الوقوف والإبتعاد عن الزجاج المهشم، خرجوا إلى الصالة من جديد، احتضنته أمه وهي تدعو له وترقيه، بينما لم تتوقف زوجته عن البكاء، هدأ في حضن أمه وذهب في نوم كالغياب عن الوعي.
ركب الحجر الضخم الذي قتل صاحبه، طار به إلى ارتفاعات شاهقة، ثم هبط به من خلال فوهة بركان عظيم فهوى في طبقات نارية سنوات طويلة، رأى كل أشكال النار، البيضاء والحمراء والسوداء، حتى وصل إلى منطقة منصهرة شفافة فألقاه الحجر على شاطئ النهر المتجمد، لم يكن يتنفس من رئتيه، فتح عينيه فلم يرى، كانتا مغمضتين جبريا بفعل تغير التكوين، لكنه رأى بيقينه وأحس بقلبه وسمع بروحه، انفجر النهر المتجمد عن حمم بركانية جديدة، ثم رأى عظاما ذائبة وضمائر سوداء ونوايا شريرة، عاد إلى الخلف مرتعبا، التفت على صوت يعرفه، إنه آدم من جديد، كانت الكلمات صاعقة عليه: ستعود، وسأعود، سألاقيك في ذاتك، سأطارد أفكارك، سأعذبك حتى تتمنى أن تسحقك الصخرة، وسأحبك حتى تتمنى أن تلقاني. ثم ألقاه في نهر الحمم الجارف.
قام من نومه فزعا وهو يصرخ باسم صديقه، كانت أمه وزوجته بجواره، فور استيقاظه طلبت زوجته أن يذهب معها إلى طبيب نفسي، بينما طلبت أمه أن يذهب معها إلى شيخ المنطقة، رأى آدم في أمه وزوجته يضحك له ويسخر منه، هاجمهما، ارتعبتا، ثم احتضنهما، وافقت الزوجة على طلب الأم على مضض بشرط أن يذهب معها إلى طبيب نفسي أولا فوافقت.
كان لا حول له ولا قوة، سأله الطبيب عن حاله فلم يجب، بدأ في سرد تاريخه سريعا حتى وصل إلى صديقه، بدأ الضغط على مريضه، فجأة شاهد وجه صديقه في الطبيب، بكى، ضحك، هدأه الطبيب بإبرة غرزها في ذراعه، لم يبد أي رد فعل وكأنه فقد الإحساس.
شخص طبيبه الحالة على أنها انهيار عصبي حاد بسبب صدمة وفاة صديقه أمامه ويحتاج إلى الراحة والمتابعة فترة طويلة، أوصى بدخوله المستشفى تحت الملاحظة.
لم توافق الأم ومعها الزوجة كي لا يتهم بالجنون.
في المنزل كان الشيخ على موعد معهم، ألقى عليه الرقيا حتى يتحرك، لم يبد ساكنا، طلب الشيخ من الأم أن يسمحا له بأخذه لمدة ساعتين يوميا للصلاة ثم حضور جلسات يقوم بها في منزله للحالات المشابهة حتى يمكن السيطرة عليهم، وافقتا، لم يحدث أي جديد، بل زادت الحالة تعقيدا وخطورة، عادتا إلى الطبيب النفسي، أوصاهما بصديق له يعمل طبيبا أيضا ولكن يستخدم طرقا مختلفة، لم تفهما ولكن وافقتا فورا تشبثا بأي أمل، ضمه الطبيب الجديد لمجموعة خاصة يقوم بعلاجها، كانت المجموعة مكونة من خمسة رجال مختلفي الأعمار والثقافات والأعمال، حكى كل منهم تجربته باختصار في أول جلسة مشتركة، يرون وجوها فقدوها في كل مكان، الأول حاتم، فقد زوجته ليلى في حادث سيارة وهي تجلس إلى جواره، يراها في أحلامه ويقظته غاضبة دائما، تتهمه أنه تسبب في موتها، الثاني الشاب هادي، فقد شقيقه وائل عندما كانا يلهوان أمام المنزل، دفعه برفق على سبيل المزاح فسقط على قطعة حديدية اخترقت قلبه، الثالث شومان، شاب ضخم الجثة، فقد حبيبته صفاء وهو يحاول تقبيلها، حاولت التمنع عليه فسقطا، لوزنه الثقيل دق عنقها أسفله وماتت بين يديه، الرابع صادق، فقد ابنه الصغير ماجد وهو يعاقبه على تأخره الدراسي ويضربه على وجهه بعنف، لم ينتبه إلى خوف ابنه الشديد وضعفه الذي أدى إلى إصابته بهبوط حاد في الدورة الدموية ووفاته بين يديه، وهو، جميعهم يرون من توفوا في كل وقت وكل مكان بصور مختلفة، أنهوا حديثهم وقد انهارت قواهم جميعا، بدأ الدكتور شاهين الحديث وهو يهدء من روعهم، أخبرهم أنهم يتعرضون لهجمات من القرين، أصابهم الذهول ولم يفهموا، شرح لهم أولا أن القرين هو جن يولد مع الإنسان ويلازمه طوال حياته ومن المفترض أن يموت معه في حالة وفاته الطبيعية، وهو أحد قوى الشر التي تنصح الإنسان بكل ما هو مخالف للأديان والأخلاق، وهو كافر بكل دين، يرتكز في منطقة الرأس ويؤثر على التركيز والتفكير والذاكرة.
أصابهم ذهول أكثر؟ تساءلوا عن دخل هذا الشيء بما يحدث لهم، أخبرهم أن جميع من يعرفون ماتوا بصورة غير طبيعية ولهم يد في موتهم بطريقة أو بأخرى، وقد تحرر القرين فجأة بموتهم ولم يمت معهم لأسباب لا نعلمها، ولأنه لم يتدرب على الحياة بمفرده، ألقى عليهم بمسئولية ما حدث.
مع استمرار ذهولهم الذي تحول إلى رعب كامل سألوه عن مدى ما يمكن أن يصل إليه ذلك الكائن في عداوته وغضبه.
أخبرهم أنه يريد أن يتعذبوا كما يتعذب، وسيسعى إلى قتلهم بصورة مماثلة أو أكثر بشاعة مما حدث لمن ماتوا، ولكن بعد أن يعذبهم فكريا وجسديا ونفسيا.
نظروا إلى بعضهم بعيون غائرة ورعب هائل.
كانت زوجة حسام ووالدته في انتظاره بعد انتهاء الجلسة، خرج معهما وهو يحاول استيعاب ما حدث، إنها حرب إذن، رآها في وجوه كل من مر بهم، سمع همسا في عقله: سأسحقك حتى لا يستطيعوا تجميع قطعك، سأفرمك حتى تتلاشى.
انهار من جديد، لم يستطع مغادرة المنزل، كان يخشى كل شيئ حتى لمسات ابنه الصغير، تدهورت صحته، رغم تردد الدكتور شاهين عليه إلا أنه لم يستطع أن يحدث تقدما في حالته. بعد شهر طلب الطبيب منه أن يرافقه في اليوم التالي لحسم المسألة نهائيا، لم يستجب له في البداية إلا أنه أخبره أنه قد جهز حلا لينهي المسألة للأبد، طلب من زوجته أن تجهز له حقيبة ملابس صغيرة لأنهم سيغيبون لمدة أسبوع، لم تعارضه كثيرا فجميعهم يتمنى الخلاص من هذه الكارثة.
أخذه الدكتور شاهين مع أصدقائه الذين يعانون مثله إلى منزل ريفي منعزل على ممر مائي صغير تحيطه أشجار كثيفة اختاره بعناية فائقه ليناسب الطقوس التي سيقوم بإجرائها خلال هذا الأسبوع، وصلوا فوجدوا في انتظارهم شخصين آخرين أحدهما قوي البنية كأنه مصارع، يبدو عليهم جميعا الوهن الشديد والخوف الذي أصبح جزءا من ملامحهم، نزلوا متثاقلين وحملوا حقائبهم يتأملون بعيون ميتة في المكان القديم، دخلو إلى القاعة الصغيرة هادئين، التقوا سيدة متوسطة العمر حادة الملامح قدمها الدكتور شاهين ، فاتن المسئولة عن الطعام، وكل منهم مسئول عن نظافته الشخصية ونظافة المكان. صعدوا بحقائبهم إلى الدور الثاني، كان التخطيط أن يتواجدوا جميعا في مكان واحد، تم وضع أسِرَّتهم في غرفة واحدة فسيحة، تهاوى كل منهم على أقرب سرير له وقد أعيتهم الرحلة التي استمرت عدة ساعات، لم يجرؤ أي منهم على السؤال أو الإعتراض، حتى المبالغ التي طلبها الطبيب من أسرهم لتجهيز هذا الأسبوع العلاجي كما أخبرهم لم يعترضوا عليها، لم تكن لديهم القدرة على الإعتراض.
ذهبوا جميعا في سبات عميق، ثم قاموا في فترات متزامنة يصرخون من الرعب، لقد تمت مهاجمة أحلامهم من جديد، هدأ الطبيب من روعهم وهو سعيد لأنه تأكد أن القرناء قد حضروا، أحاطهم الطبيب ومساعدوه وهدأوا من روعهم وهيأوهم نفسيا، بعد تناول طعام معين ينبه العقل ولا يثقل المعدة جلسوا في حلقة في القاعة الكبيرة في الدور الأول، أخبرهم أن كل ليلة سيقوم بعمل جلسة لتحضير روح صاحب القرين الذي الذي يطاردهم ليقنع قرينه بالإنتحار أو الذهاب إلى عالمه والإنشغال بشيء آخر، أذهلتهم طريقة العلاج، لكن لم يستطع أحد الإعتراض، عند منتصف الليل أعطى المعد الأول إشارة اكتمال التجهيزات للطبيب، تجمعوا في قبو المنزل، شموع في كل مكان، منضدة بيضاوية في وسطها رموز وأشكال غريبة، جلس كل في مقعده المختار بعناية فائقة، كان الإختيار الأول للشاب الذي تسبب في موت حبيبته، توسط الجلسة والرعب يتملكه، فوجئوا بمعدة الطعام ستقوم بدور الوسيط ليكتمل عددهم تسعة كشرط من شروط التحضير أن يكون العدد 3 أو مضاعفاته، و9 شمعات، اكتملت الطقوس بوضع بعض فتات الخبز وقطع تفاح على وشك الفساد وقليل من الماء العطن في وسط المنضدة.
طلب الطبيب من الجميع أن يمسكوا بأيدي بعضهم ولا يتركوها أبدا مهما حدث إلا عندما يطلب هو ذلك، أخذ نفسا عميقا ثم بدأ في الحديث بصوت جهوري حاد: أيتها الروح الهائمة في الملكوت، ياروح الشابة المغدورة صفاء، احضري في هدوء وعليك السلام، أيها الحرس الأشداء، يا حراس الأبواب الخفية بين العوالم العلوية والسفلية، اسمحوا بمرور روحها المعذبة في سلام، أيها السكان والعمار، كفوا أيديكم عنها ودعوها تمر في سلام، أيها الناظرون والمترقبون والهامسون، أغلقوا أعينكم وسدوا آذانكم عن الأسرار، الليل ليل والنهار نهار، والعذاب لمن يخالف أوامر الجبار، أيتها الروح الهائمة المعذبة الحائرة، أقبلي في سلام، أقبلي في سلام. أقبلي في سلام…
ما أن أنهى عبارته حتى لاحظوا ريحا خفيفة لا مصدر لها ثم لعب بأضواء الشموع فأتبع: لو كنت روح صفاء انقري على الماء بصوت مسموع.
تعجب الجميع، كيف يسمعون صوت النقر على الماء، لكن تعجبهم تحول إلى ذهول حين رأوا موجة خفيفة في كوب الماء ومعها صوت طرقة خفيفة كأنها حجر يلامس الخشب.
أتبع الطبيب: سنسألك وعليك الإجابة، طرقة واحدة نعم وطرقتين لا، هل تعرفين أحدا من الموجودين هنا.
سمعوا طرقة واحدة.
أتبع : هل أنت مرتاحة؟
سمعوا طرقتين.
– هل انتقلت إلى العالم الآخر.
سمعوا طرقتين.
– هل ما زلت في عالمنا؟
سمعوا طرقة واحدة.
– هل تألمت حين الموت…
لم يسمعوا طرقات، تعجبوا جميعا. لكن الدكتور شاهين أوجس خيفة بشدة، بعد لحظات ارتفع لهيب جميع الشمعات ثم ارتفعت المنضدة قليلا عن الأرض فصرخ الطبيب: اهدئي يا صفاء وإلا طلبت من الحراس ضربك بسياط النور.
هدأ الأمر قليلا فأخذ الجميع نفسا عميقا.
– سألها الطبيب: هل من آذاك هنا.
سمعوا طرقة.
– هل تعمد إيذاءك.
سمعوا طرقة.
– صرخ شومان : لا! لقد كان حادثا.
فوجئ الجميع بفاتن تنقلب عينيها وترتعد بقوة ثم تتحدث بصوت جهوري مرعب وهي تشير إليه: كاذب. كاذب.
انهار الفتي في البكاء وهو يصرخ: سامحيني، لم أكن أقصد.
– أتبعَت: كنت تريد اغتصابي لتكسر عيني وتجبر أهلي على زواجنا ولم تخبرني، قاتل. قاتل.
أصاب الرعب الكامل الجميع، ثم فوجئوا بالمقعد الذي يجلس عليه شومان يرتفع في الهواء رغم ضخامة جسده وهو يصرخ ويبكي. ثم يلقى بعنف وقوة في الحائط القريب. صرخ الدكتور شاهين لإنقاذه. كان البقية مثبتون في مقاعدهم لا يستطيعون الحراك. كما كانت أيديهم مثبتة معا كأنها ملتصقة أو مدكوكة، كان المشهد عصيبا ومرعبا. فوضى عارمة. أنفاس لاهثة. عيون جاحظة. وخدوش وكدمات ملأت جسد ذلك الشاب الذي سقط مغشيا عليه، انهاروا جميعا في البكاء وقاموا أرجلهم تكاد لا تحملهم، طلب الدكتور شاهين من معاونيه أن يوصلوهم إلى غرفتهم، بينما استمر هو وفاتن مع شومان حتى أيقظوه، فتح عينيه مرعوبا باكيا، جسده كله يرتعد وهو يردد:
يا ويلي، سامحيني يا صفاء، لقد أذنبت في حقك، ولكن لأني كنت أحبك وأريد أن أكسر عناد والدك، سامحيني يا حبيبتي.
أعطاه الدكتور شاهين إبرة مهدئة، ثم نقله مع مساعده الذي عاد إلى بقية زملائه الذين كانوا قد سبقوه في النوم.
مرت الليلة هادئة، لم يقطعها سوى أنفاس لاهثة وشخير مرتفع متقطع بينهم.
في الصباح كان الإنهاك واضحا عليهم جميعا، لم يستطع أحد أن يتحدث، تناولوا إفطارا خفيفا ثم أخذهم الدكتور شاهين للنزهة لتغيير الأجواء، مر بهم في الحقول المجاورة حتى استقروا تحت شجرة توت في منتصف الأرض الزراعية، جلسوا فيها قليلا، أحضر لهم أحد الفلاحين طعام الغذاء بناءا على تجهيز واتفاق مسبق من الدكتور شاهين، ظهرت عليهم جميعا علامات الهدوء والراحة، فجأة، بدأ شومان في الصراخ: الرحمة، الرحمة.
التفتوا جميعا إليه، كان يحملق في قطة سوداء متوقفة أمامه مباشرة وتزوم في غضب، أسرع الدكتور بإبعادها بهدوء بعد أن طلب منها الأمان، ثم هدأ من روع شومان وطلب منه أن كون أكثر قوة لأنه مر بأكثر المراحل خطورة والقادم أهون.
عادوا إلى المنزل وطلب منهم أن يستريحوا قليلا.
تجمعوا عند منتصف الليل عند الطاولة البيضاوية، اكتملت نفس المظاهر والتجهيزات، كان الدور على حسام، تلى الدكتور نفس المقدمة حتى سمعوا النقرة على الماء.
بعد النقرة الأولى بدأت الطاولة في الإهتزاز، ظهرت علامات القلق على الدكتور شاهين ونظر إلى فاتن التي تصببت عرقا، سأل مباشرة: هل أنت روح المدعو والمطلوب.
سمعوا نقرة عنيفة.
– هل أنت غاضبة.
سمعوا نقرة أعنف .
– يا آدم اهدأ . موتك كان قضاءا وقدرا.
سمعوا نقرتين عنيفتين جدا. ثم ابيضت عينا فاتن وظهر على ملامحها الغضب الشديد وأشارت إلى حسام قائلة بصوت رجولي جهوري:
– هذا الخائن قتلني.
صرخ حسام وقد تملكه الرعب الكامل: ليتني كنت مكانك. هل نسيت أنني كنت أريد الجلوس على مقعدك.
رفعت فاتن بقدرة مذهلة الطاولة والمقاعد معا ثم تركتها وهي تصرخ – كاذب. كاذب. لقد كنت تتمنى موتي لأني أنجح منك وأفضل منك. لا تكذب على ذاتك.
غاب حسام عن الوعي بعد أن توالت صرخات الجميع حين شاهدوا صخرة عظيمة تحوم فوق رؤوسهم، ثم انفك عقد أيديهم وساد الهدوء والظلام معا. صعدوا إلى غرفتهم وقد فقدوا الأمل في الحياة بعد أن حقنهم الطبيب بالمهدء، بينما كان حسام يعاني تشنجات عصبية متكررة استلزمت جلسة تنفس صناعي أعدها الطبيب للطوارئ. صعد إلى الغرفة لا يكاد يرى.
في الصباح كان الثلاثة الذين لم يعقدوا جلساتهم قد حزموا حقائبهم وهم في حالة انهيار تام، لم يحرك الدكتور ساكنا فتعجبوا، ثم جلسوا متهالكين على المقاعد القريبة ودخلوا في نوبة بكاء، بينما كان شومان وحسام في حالة فقدان للزمان والمكان. طلب صادق أن تكون الليلة ليلته. أخبره الدكتور شاهين أنه سيكون في الليلة الأخيرة. ثم قام يدور حولهم وطلب منهم الخروج لتغيير الجو بعد أن امتنعوا جميعا عن الطعام .
جلسوا على ممشى صغير مواز للمجرى المائي ثم ألقى حجرا حرك الماء الراكد:
– اسمعوني جيدا. ما سأقوله الآن لم يكن من الممكن أن تستوعبوه أو حتى تصدقوه قبل أن تخوضوا التجربة. وليس من المفترض أن أقوله لكم أساسا، ولكن من حقكم أن تعرفوا، نحن بطقوسنا تلك نفتح بابا بين العوالم الخفية. ولكل عالم طقوسه وحراسه وقوانينه، كل من على الجانب الآخر يستطيع أن يسمعنا ويرانا، منهم الحر ومنهم المقيد، ومنهم من يهتم بنا وأكثرهم لا يفعل، الروح بعد الموت تتخلص من أثقال عالمنا وضعفه وقدراتها المحدودة الممثلة في الجسد المعوق والحاكم لطبيعة تكوين الروح وتنتقل إلى عالم آخر أكثر رحابة يحتوي عالمنا. ولكن قوانين عالمنا وعالمها الجديد تمنعها من الرجوع بأية صورة. تعجبوا جميعا فأتبع:
– لا تتعجبوا. من نستدعيهم ونتعامل معهم هم قرناء الموتى الذين يعلمون عنكم كل شيء لتعاون قرنائكم معهم، كل ما تفكرون به، أحلامكم، مزاجكم، مشاعركم. كل شيء لا تعلمونه حتى عن أنفسكم، أعداؤكم الذين في داخلكم مستعدون لفضحكم طوال الوقت. يقل دور هذا القرين وتقوى عزيمتكم عليه كلما تطهرتم واتبعتم تعاليم الديانات السماوية، الله واحد وهو الخالق العالم بكل شئون خلقه. الصراع بين ثلاثي النفس والروح والقرين خالد، الروح بطبيعة خلقها تسعى إلى السمو والرفعة وإرضاء الخالق، والقرين شيطان كافر يسعى بصاحبه إلى الدرك الأسفل من النار، وبينهما تتأرجح النفس وتتراوح، فمنها الخبيث، ومنها الطاهر، وأغلبها بين هذا وذاك، قرناء أصدقائكم غاضبون ويحملونكم مسئوولية موت أصحابهم، ومن الواضح أن عندهم كل الحق، حتى لو كان تمنى الموت نية لا ترقى إلى الفعل فقد وجدت، وما وجد في عالم الملكوت لا تغفره إلا التوبة الخالصة. ولكنه سيظل موجودا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة. والنوايا التي تعلمها الشياطين أولى بالخالق العظيم أن يعرفها.. لابد أن نكمل جلساتنا لأن المواجهة تضعف القرين وتسيطر عليه. وكلما كنا أكثر قوة معا كلما استطعنا هزيمته وطرده من عالمنا.
رغم صدمتهم في هذه الإعترافات، إلا أنهن قرروا معا التشبث بالفرصة وتحدي تلك الشياطين، فكرة الأرواح كانت أكثر رعبا لهم لأنها بصورة أو بأخرى تمثل أحبابهم الحقيقيين. الشيطان هو الشيطان ويجب محاربته في كل الأحوال.
اكتملت الطقوس والتجهيزات خلال الليلتين التاليتين. اتهم القرناء حاتم وهادي بتعمد القتل، حدثت نفس ردود الأفعال، تحملوا وازدادوا ترابطا، بشرهم الدكتور في الليلة الأخيرة أن الخلاص قد اقترب، ولكنها ستكون أصعب ليلة، تعجبوا، فالمتبقي هو الطفل الصغير ماجد، حذرهم الدكتور من الاستهانة به فالعلاقة عكسية بين الغضب والقوة والعمر، لم يأبهوا كثيرا لحديثه فقد اشتاقوا للعودة إلى حياتهم الطبيعية.
بدأت الجلسة بالإجراءات العادية، اكتملت الطقوس، بدا التوتر واضحا على وجه الطبيب ومساعدوه، بدأت الجلسة، حضر القرين بإشارة أولية عنيفة جدا، حتى انفلقت الطاولة إلى نصفين دون أن تنفصل، ازدادوا ترابطا وشدوا على أيدي بعضهم، كان السؤال الحاسم عن نية القتل، أنكر صادق بعنجهية معتادة، فوجئ الجميع بالمساعد العملاق يرفع صادق في الهواء كأنه ورقة لا وزن لها بعد أن ابيضت عيناه، دون أن يفتح فمه صرخ فيه بصوت مزلزل – كاذب حقير، كنت تتمنى موتي طوال الوقت.
ثم ألقاه بمنتهى العنف والغضب في نهاية الغرفة فاصطدم بالجدار. أسرعوا نحو المساعد للسيطرة عليه وإنقاذ الرجل، تكاثروا عليه، ألقاهم كعلب العصير الفارغة في كل اتجاه، واجهه الدكتور شاهين مباشرة وهو يأمره بالإنصراف، دفعه بعنف، ضربه شومان على رأسه بعصا غليظة ففقد الوعي، أسرعوا إلى صادق لإنقاذه.
فوجئوا بكل شيء في الغرفة يطير في الهواء ويلقى عليهم ثم هدأت الأمور، ظنوا أنه قد رحل، سمعوا تأوها مكتوما، نظروا نحو مصدر الصوت، كان صادق ينتفخ وقد جحظت عيناه وخرج لسانه من فمه، حتى انفجر وتناثرت أحشاؤه في كل مكان، عجزت أقدامهم عن حملهم، سمعوا صوتا مزلزلا مجمعا يخرج من فمه رغم موته الواضح: اللعنة عليكم. لقد امتد الغضب ليشمل كل من يحيط بكم. ستعيشون عبيدا لخوفكم. سنلاحقكم في كل مكان، حتى في أحلامكم. ثم وجدوا الصوت يخرج من فم فاتن وقد نزعت ملابسها ووقفت عارية على ما تبقى من الطاولة: العار عليكم. العار لكم.
أسرعوا بالخروج وفاتن وجسد صادق المهترئ يطاردهم. ألقى المساعد نفسه في المجرى المائي. اشتعلت النيران في جسد شومان. قطع الطبيب رقبة فاتن بسيف أعده لذلك. أطلق حاتم النار من سلاح أحضره احتياطا على هادي حين كان يهاجمه ثم انتحر. توجه السيف بقوة مضادة إلى قلب الدكتور فمزقه. أطلق حسام ساقيه للريح.
أفاق بعد عدة أيام في المستشفى لا يذكر شيئا، أخبروه أنهم وجدوه على قارعة الطريق والجروح تملأ جسده نتيجة حادث سير فيما يبدو. وجد الدكتور سوميا الطبيب النفسي على رأس معالجيه. تعجب لمعرفته أنه طبيب نفسي، ابتسم له وانتظره بعد تمام شفائه الذي حدث بسرعة مذهلة، استقبله في عيادته، وجد عنده فاتن والمساعدين. سقط وعيه وانهار منطقه، لقد شاهدهم يتم قتلهم، ابتسموا له وحيوه. هنأه الدكتور سوميا باختياره كمسئول جديد عن رحلات المنزل المهجور، شريطة ألا يخبر الضيوف بعد ذلك بالأسرار حتى لا يلحق بالدكتور شاهين.

السابق
إنهزامية
التالي
سمعان

اترك تعليقاً

*