القصة القصيرة

القضيّة رقم..

الشمس الذهبية تحثّ الخطى خجلة، فيصفو الجوّ ردحا. ثمّ ما لبثت أن بدأت تتوارى وراء نقاب السّحب الدّاكنة، فيلف الفضاءَ جوٌّ من الشجون كما لفّ هذا الخطبُ هذه المدينة الآمن أهلها قبل هذا المصاب الجلل.
باتجاه الأفق علّق بصره و هو يسير بتثاقل، و لكن بثبات عجيب. و لأول مرّة أحسّ بالرّاحة. صوت من أعماقه يصلصل :” امض… امضِ و لا تتردّد … “. يحاول جاهدا أن يبلّل حلقه من جفاف ألمّ به. هو يعلم جيّدا ما ينتظره هناك. زاد حلقه جفافا و تيبّسا. عاوده الصّوت بثبات أكبر:” لا يهمّ”. خرجت هذه الجملة مع آخر زفرة من زفراته المتتابعة.

تلويحة من يده باتجاه الفضاء … اثنتان… ثلاث… تتابع في هيستيريا. و ينتبه المارّة في الطّريق.يلتفّون حوله. فانبرى البعض يقهقه، و آخرون يتندّرون. قال أحدهم:” لقد أضحت المدينة مرتعا لهؤلاء المجانين و المعتوهين، و ما أكثرهم !”. و عقّب “رمزي” أحد أصفيائه:”مسكين… هو هكذا على هذه الحال منذ أن أُفْرِج عنه، منطوٍ على نفسه يحادثها مرّة سرّا و أحيانا جهرا”. و يُخْرج تنهيدة عميقة و هو يضيف:” إيه !…إيه !… دخل سليما معافى… اللّهم فرّج كربه”. و يجيب “حمدي” رفيقه ببساطة تصل حدّ السّذاجة:” اللّهم آمين، و فرّج عن كلّ المنكوبين و المرضى و المساجين … من أمّة محمّد”. فيضيف “رمزي” و كأنّه يصلّي ” آمين… آمين…”.و ما أن ينتبه إلى التفاف المارّة حوله حتّى تنحبس الكلماتُ و تُجْهَض… ينتفض. ثمّ يواصل طريقه.

الحركة على أشدّها في هذا اليوم أمام المخفر، و نشاط دائب داخل الأروقة: وجوه متجهّمة حائرة، لا أحد كان يتوقّع ما حصل. ابن رئيس المخفر الشّابّ صُرِع بعد التنكيل به و بجثّته. صدمة صعقت الجميع، و لا تسل عن حال أبيه. ظلّ الحديث يدور في المدينة عن الحادث و عن ملابساته، غيرأنّه لا أحد يستطيع أن يذكر ذلك علنا و لاسيما الحديث عمّا لحق عرض الضّحيّة و معالم رجولته.

قرص الشّمس يرقد الآن مطمئنّا بين طيّات سحب دكناء. تبدأ بعض قطرات كالسّخام في التّساقط ، فتصيب إحداها أرنبة أنفه، فينتفض. ثمّ يلتفت يحادث نفسه و كأنّه يحادثها في همهمة:” الآن بزغت شمسي من جديد… أنا ملك إرادتي. حدّدت مصيري. أنا من يقرّر… أمّا هم… حثالة… “. و ينطلق صوت من أعماقه:” رجولتك المهدورة قد عادت إليك، وهيهات أن تُغْتصب منك ثانية، فقرَّ عينا”.
كان يسير بين المارّة وقد استعاد كلّ كبريائه. أخذه الزّهو بما هو فيه. تخيّل المارّة، و هم تشيرون إليه بالبَنَان، أنّهم يُحَيُّونَه، و ينحنون إجلالا و تعظيما، فتأخذه النّشوة إلى المنتهى، و لربّما خرجت من حباله الصّوتيّة كلمات حاول تنغيمها على إيقاع نشيد رسمي يألفه جيّدا.
نَسِيرُ بهامات من في العلى،
فتبّا لدهر رمانا بسهم اللّظى،
نموت و نحيا… سنحيا هنا.
كانت رجلاه تخبطان الأرض مع كل كلمة موقّعة، فيبدو في هيئته كعسكري ينضبط للإيقاع. و الحقيقة أنّ المارّة ما فَتِئُوا يتوغّلون أكثر في الهمز و اللّمز. أحدهم انخرط في “هيستيريا” من الضّحك حتى انتفخت أوداجه و بدأ يتقلّب في الأرض و يتمرّغ، و”قدري” يراهم و لا يراهم … قال أحدهم:” ربّي يحسّن العاقبة”.
تذكّر لحظاتٍ كيف زُجّ به في المعتقل، و يوم أُدخِل إلى غرفة الاستنطاق كيوم ولدت أمّه. يقشعرّ بدنه و تركبه رعدة من أخمص قدميه إلى مسلّات رأسه المنتفشة. يضطرب. يأخذ في النّشيج… ثمّ يتدفّق ماء الحياة في الجسم النحيل الذي أخذت منه الكدمات و الندوب كلّ مأخذ ، ويواصل طريقه…

عن أيّة رجولة يتحدّثون؟ و يغرق في الضحك و القهقهة… يوم تخطّت قدماه سور المعتقل تلقّفه صفيّه “رمزي”. قال مهنّئا بلهجة دارجة ركيكة:” الحبس يصنع الرّجال … قدّورة !!”، فينظر إليه من تحت و لا ينطق بشيء. فكّر كيف يكون السّجن للرّجال، و كيف يخرج منه الواحد أكثر رجولة و فيه تُغتصَبُ و تنتهك بأبشع الوسائل و أرذلها. يتحرّك رأسه يمينا و يسارا دلالة على السّخرية منهم جميعا.و يمضي…
وخزته الذّكرى. ارتسمت أمام ناظريه تلك المشاهد الرّتيبة المفزعة وكأنّه يعيشها الآن. لم تغادر مخيّلته لا في اليقظة ولا في المنام. كم أنهكته الكوابيس ليلا. لم ينم ليلة واحدة هانئة مع زوجته الشّابّة منذ لحظة خروجه. و قد تحمّلت ذلك منه في صبر وجَلَدٍ نادرين. هي تعلم جيّدا معدنه، لم تشكّ يوما في سلوكه و أخلاقه.

لم يصدّقوه. أصرّ على البراءة. أقسم لهم بربّ الكعبة، بأولادهم، بشرفهم… بأنّه لم يعرف أحدا منهم، وبأنّه لم يكن يوما إرهابيّا و لن يكون. كانت رجولته تتهاوى في كلّ مرّة، ولا سيّما على يد رئيس المخفر، لبنةً إثر أخرى و لمَّا يَتَزحزَحْ. أذهلهم صمودُه. كانوا بينهم و بين أنفسهم معجبين به، ولكن … من يجرؤ على إبداء ذلك أو حتّى الاستلانة؟ الموجة المتدفّقة تمضي، كلّما توغلت أكثر زادت حدّة و عتوّا… كلمات بقيت راسخة في ذهنه، تعاد على مسامعه في كل جلسة استنطاق:” ستكون عبرة لمن يعتبر”.
قالت له زوجته يوم أُخلِي سبيله بأنّها سمعت حديثا يروّجه أحد خصومه فيه تشفّ … لحظتها تذكّر بأنّه من النّافذين في مجال المال و الأعمال. تذكّر كيف حاول كشف إحدى صفقاته المشبوهة، يومها التقطت أذناه تهديدا مبطّنا بسخرية فاضحة:” مازلت صغيرا يا ولدي… تريد عركة أُذنٍ؟ !”.

تطلّ الشّمس من بين السّحب المتراكمة و ما تزال بعض القطرات تتساقط راسمة لطخة هنا و لطخة هنا، فقد كان الجوّ مغبرّا صباحا حابسة التّلوّث الذي تعاني منه المدينة مع كلّ ارتفاع للرّطوبة. صعد أوّل درجات المخفر الثلاث. أخذ نفسا عميقا. توغّل أكثر. كانت العيون ترمقه شزرا، تتساءل في صمت عن سبب وجوده هنا في هذا اليوم وفي هذه الفترة بالذّات، و ماذا يمكن أن يكون وراء معتوه لفظته العافية كما لفظته الطّرق؟

“امض … لا تتردّد …” . كان الصّوت يعاوده في كلّ مرّة و يستحثّه على إتمام المهمّة التي جاء من أجلها. تساءل قلقلا:” لِمَ لم ْ يجد لي تهمة إلّا الانضمام إلى مجموعة إرهابيّة؟ … و هل التّخلّص من الخصوم يكون بهذه الطريقة؟”. كانت تهمة الإرهاب من أخطر التّهم التي يمكن أن يُرمى بها شخص في تلك الأيّام. ولكن ما لا يفهمه هو لماذا لا يقع التّحرّي في الوشايات الملفّقة التي تكون للانتقام رغم قرائن البراءة. و هو لا يفهم كيف لم يسمع كلمة اعتذار واحدة من الأعوان الذين تناوبوا على سحله. لم ينسَ رئيس المخفر الذي أجهز على القشّة الأخيرة المتبقّية من رجولة مهدورة في تلك الغرفة المعتمة. و لم ينسَ كيف طرده على باب المخفر كما تُطْرَد الكلاب السائبة رغم البراءة.

يهمّ” قدري” بالدّخول، و يضع ساقه الأولى على البلاط الزّلق، يهرع الحارس و كأنّه يرى عفريتا. يمسك بتلابيبه، ويدفع به إلى الخارج في صلف، و الرّذاذ يتطاير من شدقيه خلفهما بقايا أسنان بيضاء مشربة بصفرة نَتِنة صائحا:” إلى جهنّم… حثالة… لا ينقصنا إلاّ المعتوهون و المجانين؟ !… عالم عجيب !!…”.

يكثر اللّغط و الهرج، ينفلت ” قدري” من بين براثنه، و يدلف بسرعة إلى قاعة يعرفها جيّدا: غرفة رئيس المخفر “جاد”. و دون أن ينتظر الإذن بالجلوس يتّخذ مجلسه قبالته مباشرة. رفع رأسه، حدّق فيه دون أن تضطرب ملامحة هذه المرّة كما كانت في المرّات السّابقة. و قبل أن ينبس “جاد” بكلمة تهاطلت حروف “قدري” كالسيف البتّار تشكّ أذنيه. تجمّع الأعوان، انغرست مخالبهم في كلّ رقعة من لحمه تحاول انتشاله. و بزجرة من الرّئيس انفضّوا من حوله، و تركوه يتمّ ما في جعبته من غرابة.
التفت ” جاد” إليه، و رغم الحرقة و الفاجعة مازال محافظا على برودة أعصاب عجيبة و صلف ظاهر. خرجت كلماته كما كانت تخرج من فمه عادة:” قلت إنّك من قتل ابني تشفّيا و انتقاما لرجولتك المهدورة… تريد الرّجوع إلى تلك الزّنزانة و ليس لديك ما تخسره… الآن فقط تأكّدت بأنّك معتوه … مجنون …. أبله…. أخرجوه عنّي… أخرجوه قبل أن ..”

وما هي إلاّ بضع ثوانٍ حتّى وجد نفسه يجرّ أذيال الخيبة، تتقاذفه الطّرق و قد استحال لونه إلى السّواد بعد أن زادت القطرات على ثيابه، فطُمِست كلُّ منطقة ناصعة، في انتظار غيث ينهمر طويلا..طويلا، فيغسل ذلك الدّنس…
و صوت من داخله يقهقه… و يقهقه:” خائب و ستبقى كذلك …”.

السابق
صَاعِقَةٌ
التالي
الحاسة الخامسة

اترك تعليقاً

*