القصة القصيرة

القفة

” المولد على الأبواب، ستكون هذه القفة سببا في فرح صغاري، سأعد لهم حلوى العيد، سأعجن لهم خبزا طريا ينسيهم مذاق تلك الكسرات اليابسة … لكن ، هل أخبره ؟ لا ، سيفتي علي ببيعها ليصرف ثمنها على ربطة كيف و قنينة ماء الحياة و … لا، لن أفعل .” كانت سعدية تهرول عائدة إلى بيتها ، قبيل
أذان العشاء ، بعد يوم شاق من العمل في مطعم شعبي حيث تطبخ ، تغسل الأواني ، و تنظف الأرضية بأجر يومي زهيد ، و ما فضل من طعام … تجد أفواه الصغار الجائعين مفتوحة لتقاسمه لقيمات لا تقيم صلبهم. أما الأجر فيجد جيب زوجها العاطل في انتظاره ، و حزامه الجلدي مستنفرا ليرسم خرائط ملونة على تضاريس جسدها في حال امتنعت عن تسليمه إياه.
هناك ، التقطت أذنها من أفواه الزبائن ، أن فلانا سيوزع يوم غد في السوق الأسبوعي ” قفة معونة ” ؛ كيس دقيق ، سكرا ، زيتا ، و شايا.
عقدت العزم على أن تبكر للحصول على حصتها.
نامت و ابتسامات أطفالها يوم العيد ، و هم يتناولون خبزا طريا و حلوى من صنع يديها ، تملأ عينيها و تدغدغ روحها … صلت الفجر و دعت الله أن يعينها و ييسر أمرها قبل حلول وقت العمل … أعدت إبريق شاي ، وضعته على طاولة إلى جانب قطع خبز . أيقظت ابنتها ذات السبع سنوات و همست لها : ” الشاي جاهز ، اهتمي بأخويك ، و حذار أن تزعجوا أباكم النائم. ”
كانت خطواتها الحثيثة تسابق الزمن لتصل إلى السوق … فاجأتها جموع غفيرة . فغرت فاها و صارت تنازع أفكارها : ” كأنهن بتن هنا ! و ظننت أني سبقت الجميع … قد لا يصلني الدور قبل موعد العمل … قد يطردني دون أن يرف له جفن … لا لن أفوت فرصة إفراح أفلاذ كبدي … ” كانت الأعداد تتزايد و ساحة السوق تضيق ، و الأصوات ترتفع كما التأفف من الازدحام و تأخر وصول موكب المعونة، و قد جاوز النهار منتصفه بساعتين … وتصل سيارة محملة … يترجل المتبرع ، يضحك سنه في وجه عدسات الكاميرات، و يوزع أول قفة و … تطاولت الأعناق، زاغت الأبصار ، تزاحمت المناكب ،تلاصقت الأجساد و تعرقت، اختلطت رائحة العرق بروائح الأفواه و الأقدام ، دارت الرؤوس تحت أشعة شمس خريفية لاسعة ، و سعدية تحاول النفاذ بجلدها، بعدما أحست بدوار شديد و بارتعاش أطرافها ، فلا تجد منفذا … نفد صبر النسوة مع ازدياد خوفهن من نفاد المعونة فتدافعن كالسيل الجارف … عم الهرج و علا الصراخ و النحيب و الولولة و … سقطت العشرات ، و صارت الأجساد مطايا للوصول إلى قفة هزيلة المحتوى ، مشبوهة النوايا …
جرى الدم ، و امتزج بالدقيق و السكر و … فاحت رائحة الموت و انتشرت ، و تحولت ساحة السوق إلى خندق للموت . كان يقضي بياض النهار في تقعير السرير ، لا يغادره إلا لتقريع الصغار كلما ضج مسمعه من صراخهم ، أو لتعديل مزاجه، في انتظار سواد الليل و عودة سعدية ليسارع إلى الخمارة …
انتظرها طويلا و قد تأخرت على غير عادتها، و كان طنين رأسه الخاوي يوسوس له : ” باغتها في المطعم ، و انتزع منها حاجتك. ”
خرج و صفق الباب وراءه. ظل الصغار ، و قد مضهم الجوع ، متحلقين حول طاولة فارغة ينتظرون عودتها …

السابق
رحيل رفيق
التالي
ورقة تهديد

اترك تعليقاً

*