القصة القصيرة جدا

القلب الرحيم

في صغرنا كان الفقر يخيم علينا. ويضرب في الأرض أطنابه- كانت أمنا بعد أن مات والدنا, تعمل عند الميسورين من أهل الحي ,والأحياء الأخرى.
وليس دائماً ما تجد عمل, فلم نكن نعرف الملذات, من الطيبات, أو لذيذ النوم, من البرد, الذي لا يرحم غير الأغنياء, أما الفقراء, ليس لهم من الرحمة, بالدنيا نصيب.
نلبس خرق باليه. وأسمال, ممزقه مما تجود به, بعض النساء على والدتي. نسميها بغير اسمها ملابس, وهي لا تقي حر ولا برد ,بالكاد تستر شيء من عورة.
دخلت المسجد مثل الداخلون إليه, فطردني احد المصلين من المسجد, بقوله اذهب واستر نفسك, لم افهم وقتها.
في ذلك الركن بالبيت, يقبع ما يسميه الناس المطبخ, يلفه الصمت والنسيان,
فقد نسيت,جدرانه رائحة الطبخ, ولم تسمع لقدوره جلجلت, فهي خاوية على عروشها.
انظر في عيون أمي. فلا أبصر في تلك العنين, إلا ألماً, وحزنا, عميقاً, يكوي, فواد قلب أم رحيم.
اسمع صوت, عينيها ,وهي تقول يا أطفالي المساكين, ليرحمكم الرب, افهم لغة عيونها.
لها عيون زرقا, تشع بالجمال, وبريقاً يبهر الناظرين.
فقد تقدم إليها, العديد من الرجال, لخطبتها. وكانت ترفضهم, قائلة, يا لكم من ضباع, بشرية مقيتة, تستهويكم جيف الأسود, ولعابكم المقزز يقطر خبثا.
تتساقط أيام والدتي, كتساقط وريقات الشجر اليابسة, تذروها الرياح, وهي تفني زهرة شبابها, لتربية أربعة من الأولاد الذكور.
طلبت من أمي إن تحلق شعر راسي, بالموس, وعندما سألتني عن السبب, أخبرتها إن هناك يد ثقيلة مقيتة, دائماً ما تتحسس شعر راسي, تحبس أنفاسي, حين يضعها إنها يد جارنا الذي ينادونه بالحي بالمرابي.
فقد علمت, إن وضع اليد على رأس اليتم, في كل شعره اجر, فكان هذا الجار بيد, يرأبي, وبيد يطلب الأجر.
ضحكت على, وهي تقول لي انك أكرم منه.
في يوم, من الأيام, أتت أمي, قبل, الغروب, والشمس, تجمع شتات يومها, وتلملم خيوطها, وتتدثر بالظلام.
وهي تحمل صرة بيدها, والفرح بادي عليها, وهي تقول الليلة سوف تنامون وانتم شباعى.
اجتمعنا عليها وبطوننا تقرقر, فكانت دمعتها تسبق بسمتها.
أطفأت السراج.
ثم جلست, وأخذت ألصره تفكها بيديها المرتعشتين.
وأبصارنا شاخصة, على تلك الصرة, وآذاننا, تستمع لفك عقد ألصره, وانفونا, تشتم ما تخرجه, فكانت رائحته شهية, وطعمه لذيذ, حتى قبل أن نتذوقه, وأيدينا ممدودة نتسابق.
عندما أخذت نصيبي, قربته من انفي, كانت له رائحة زكية, لا توصف, قضمته, قضمه, وانأ أغمض عيناي, وامضغه, مضغا خفيف, أريده, أن يبقى أطول وقت في فمي, أتخيل إنني أكل من ثمار الجنة.

السابق
ريبة وخوف
التالي
أحلام و وجع

اترك تعليقاً

*