القصة القصيرة

القناص

تلقى رسالة مكتوب فيها الموعد يوم غد مساءً الساعة الثامنة.
المكان قهوة العرب, التي على ناصية شارع الزعماء.
يسند ظهره على كرسي يتأرجح, يشعل سيجارته, يحرق قصاصة الورق ينظر إليها وهي تحترق ــ كم قلب أحرقة؟. ينفث دخان سيجارته, ينهض من على كرسيه, يدخل غرفته يخرج صندوق القناصة, وقد اسماها روحه. من نوع دراغنوف وهي من أفضل القناصات في التاريخ قاتلة من رصاصة واحدة ومن أبعد المسافات. يخط بإصبعه على طول الصندوق, يرفع الغطاء يخرجها يضمها لصدره, يقبلها ثم يعيدها لمكانها.
في تمام الموعد المضروب, كان في قهوة العرب, في شارع الزعماء الصامت الخانع الذليل لظلمة الليل البهيم,حيث الضجيج والصياح والبكاء والعويل. معلق على الجدران الأربعة للقهوة, أربعة أجهزة تلفزيون, قناة عبرية ناطقة بالعربية, قناة تبث مناظرات بين رجال دين, كلاً يريد ان يثبت ان مذهبه هو الذي يدخل الجنة,قناة تبث الرذيلة والتهتك, وقناة تبث أنشودة جوليا بطرس, وين الملايين الشعب العربي وين. حتى أصبحت قضيتنا أنشودة, وأول من قتل الشعوب العربية, الزعماء المنادون للوحدة العربية.
يلتفت حوله, إذا بشخص قد اقبل عليه وجلس معه على الطاولة, انه شخص يعرفه حق ألمعرفه حيث يأخذ الأوامرعنه ويثق به ثقة مطلقه. ليس لدينا وقت نضيعه هكذا بداء كلامه ,تعرف انك العصا الذي يتوكأ عليه الحزب في ضرب معارضيه وإسكاتهم للأبد.
لقد أناط الحزب بك شرف تصفية احد الخارجين عليه, الخائنين له,ولتوجهاته.
حيث بان توجهه وعمالته للخارج.
نحن نعرف إيمانك بالحزب, وتوجهاته وشدت ولائك له, لكن الإيمان وحده غير كافي, إن لم تترجمه لفعل يخدم مصالحه.
ــ لكن لماذا أنا, هناك الكثير من القناصة يعملون معكم.
ــ انك الأقدر على ذلك لما تتمتع به من قدرة فائقة على الرماية ولديك المهارة العالية في اقتناص الهدف المتحرك المحاط بالحراسة, ولما تتمتع به من مرونة وخفه في الحركة وحدة بالنظر, وشمولية رؤية المكان, وأنت في هذه المهمة تستطيع تحقيق عنصر الأمان, حيث لن يكون هناك احد مساند لك, فيجب ان تعتمد كلياً على قدراتك الذاتية, وكل هذه الخصائص موجودة فيك أنت فقط.
وسوف نزودك بالسلاح اللازم للمهمة. ونهيئ المكان.
ــ يرجع للخلف يصطدم ظهره بالكرسي, ولماذا تزودونني بسلاح, إن سلاحي معي ولن أنفذ هذه المهمة إلا بسلاحي الخاص, فهو قطعة مني, بل هو روحي, بمثل هذه المواقف انه يعرفني واعرفه ولم يخذلني قط.
_ لك ما تريد.
المطلوب تصفيته هو يمد له ورقة مكتوب فيها اسمه.
ــ هل جننتم !! انه؟
ــ نعم هو نفسه.
ــ لكن لماذا؟
ــ لا تكثر الأسئله.
مع شروق شمس ذلك اليوم كان يدخل الشارع. تفحص مكان الهدف, دون أن يثير حوله أي شكوك, أو ريبه, يرتدي أسمال بالية, يمسك بيده بصندوق خشبي, مغطى بجلد اسود, وقد تشقق بعض من أجزائه, قام بالالتفاف حول البناية, إنها جديدة, تتكون من سبع طوابق, تفحص مخارجها ومداخلها, ليؤمن لنفسه الهروب الآمن, بعد تنفيذ المهمة, صعد للسطح, دار ببصره نظر حوله, المكان جهز له مسبقاً. نظر في ساعته أنها التاسعة صباحاً, أمامي ثلاث ساعات. نظر جهة مكان الهدف بحذر شديد تراجع للخلف, جلس فتح صندوق قناصته وأخرجها بعناية فائقة, تفحصها دارها بين يديه, اخرج قطعة قماش مررها على الماسورة, وهو ينفخ بقية أجزائها. اخرج علبة سجائره أشعل سيجارته, اخرج منظار التليسكوب قام بتثبيته, ثم رفعها لمستوى بصره ثبتها على كتفه, نظر من خلال التليسكوب, استكشف الشارع, حيث بداء بعض رجال الأمن بالانتشار, والدوريات الأمنية تجوب الطريق, توقف من تشتبه بهم, وضع القناصة بقربه. اخذ نفس عميق من دخان سيجارته وحبسه ثم نفثه, أعاد الكرة مرة أخرى, كم من الخونة يجب تصفيتهم, إنني أتيهم من الا مكان, ورسل أرواحهم لجهنم, لتتكفل هي بالباقي, لقد قتلت العديد منهم, لكن العجيب أنهم كلهم من أبناء هذا الوطن!! لم اقتل احد من غير أبنائه؟ وكلهم بعد قتلهم اكتشف أنهم من أصحاب العقول النيرة, ولهم أيدي بتوعية الشعب والعمل على تحرره.
لكن لماذا الحزب يقتلهم؟ وهم لماذا يناصبون الحزب العداء؟.
يجب أن اكف عن هذه الأسئلة لنفسي. أعضاء الحزب لهم أسبابهم لدحر العدو.
لكن عدونا بالقرب منا. لم نقتل منهم احد, ولم نطلق طلقة واحده باتجاههم بل إن جيشنا يحرسهم ويدافع عنهم وفوهات بنادقه موجهة للداخل لصدور ابناء الوطن وليس للخارج كسلاحي اقتل فيه أبناء الوطن. الحزب يلعنهم بالعلن لكن بالسر….لا اعلم. لقد أقسمت أن اخدم الحزب, وان لا اسأل عما يأمرون به, أنفذ فقط.
إنني اعشق القتل, وقد خلقت للقتل.ينظر في ساعته, كان قد جهز بندقيته القناصة عندما سمع منبهات سيارات الأمن الخاصة بحراسة الموكب, اخذ وضعيته المناسبة, تمدد على الأرض ألصلبه والباردة, التصق جسمه بأكمله على الأرض. استقرار كامل للبندقية بين يديه, مع اقل مجهود عضلي, احكم إثبات بندقيته على كتفه, يمتلك قدرة فائقة على الثبات المستديم لجسمه, ثنى ساقه اليسرى حتى لامست ركبته اليمين, ومد ساقه اليمنى على كامل امتدادها, ملتصقة بالأرض, أخذ شهيق عميق وخزنه لثوان, ثم أطلقه بهدوء تام.وضع إصبعه على الزناد, إغماض العين التي لا تُستعمل في التصويب, استعداد للرمي, يمر الوقت سريعاً, اخذ شهيق عميق خزنه, العرق يقطر على العين التي يستعملها في التصويب, تشوش عليه الرؤيا. بحركة خاطفه يمسح العرق عن عينه, يعيد وضعيته متمالك لقواه الذهنية, ينظر من خلال التلسكوب, يصوب يضغط بإصبعه الزناد,بلمح البصر, كانت الرصاصة تخترق جمجمة رئيس الحزب, حتى أنت خائن للحزب .

السابق
لوعة
التالي
تقول العرب…

اترك تعليقاً

*