القصة القصيرة

الكابوس

عاد عمر من العمل جد متعب بعد يوم عصيب من السابعة صباحا حتى الثامنة مساء…
صداع ، لا مثيل له ، لم يسمح له حتى بمعانقة طفلته الصغيرة التي تعودت أن تلاقيه بجملتها المتقطعة :بابا جا ، بابا جا …..

تناول قرصين مهدئين بحليب بارد ،ثم استلقى على فراشه وراح في نوم عميق …

– محكمة !
نطقها العون القضائي بصوت عال ،جعلت كل الحضور يقفون وقفة واحدة ….القاعة كانت مكتظة بالنساء والرجال يبدو أن بعضهم ينتمي إلى قطاع التربية والتكوين…

منصة كبيرة احتضنت قاضيا بشاربين كبيرين ،وأعضاء آخرين لم تكن ملامح وجوههم بادية للعيان ،حتى أن الضوء المنبعث من نوافذ القاعة كان موجها بالأساس إلى القاضي و شخص آخر كان يجلس في الجهة اليمنى من المنصة .

في الجانب الآخر كان هناك قفص من حديد ،وقف خلف قضبانه عمر وهو لا يدري سبب وجوده هناك …و كانت ملامح الحيرة والاستغراب واضحة على محياه ، وتمتمة الحوقلة مرتسمة على شفتيه …

– باسم جلالة الملك نعلن عن افتتاح الجلسة…والكلمة للنيابة العامة…
هكذا افتتح القاضي الجلسة …

بعد أن عدل “المغرق” لباسه ،و وضب أوراقه ،وضبط أوتار صوته ،قال :
– سيدي الرئيس ،نحن اليوم أمام جريمة نكراء بطلها هذا الذئب الماثل أمام محكمتكم الموقرة ،وضحيتها إنسانة وديعة ورقيقة ، ذات رسالة نبيلة ،بل رسالتها أعظم وأجل من كل الأعمال والوظائف الأخرى ..لقد استغل هذا الوحش وجود هذه الأستاذة في مكتبه وفي انشغال تام لكل الموظفين بمهامهم داخل فصولهم ،وانقض عليها بلا رحمة ولا شفقة ،واغتصبها ودنس شرفها رغم توسلاتها المتكررة ،ورغم صراخها المتعدد ….
سكت قليلا ثم استطرد قائلا وهو يرفع يده إلى الأعلى :

– ونظرا لبشاعة الجريمة المرتكبة ،ونظرا للحيثيات التربوية
والأخلاقية والمهنية الملازمة للقضية ،وبناء على الفصول الواردة في القانون الجنائي ،والمواد غير الواردة فيه ،فإن النيابة العامة تطالب بإنزال أقصى العقوبات على المتهم حتى يكون عبرة لكل من تسول له نفسه أن يفعل مثل فعله ويقترف مثل جرمه…وشكرا سيدي الرئيس …
نظر الرئيس يمينا ويسارا قصد المشاورة ،ثم نطق بالحكم بلا مداولة ،على اعتبار أن القضية مستعجلة ولا تحتاج إلى مداولة بعيدا عن المنصة :

– حكمت المحكمة على المتهم ابتدائيا ونهائيا بالخصي وإحالة ملفه على المجلس التأديبي لقطاعه قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة في حقه…
– رفعت الجلسة …
وانفض الجمع..

وبقدرة قادر أحس عمر أنه طليق حر في المحكمة ،وأنه يتجول في كل قاعاتها ومكاتبها من دون قيد أو منع ،وقف أمام باب كبير وقد كتب عليه بالخط المغربي :الدخول ممنوع…

فتح الباب ودخل ،فكانت المفاجأة الكبرى ؛ مسؤول مركزي سابق مستلق على أريكة فخمة وبيده قلم ذهبي يساوي آلاف الدراهم … مسؤول آخر يجلس على أريكة مزكرشة بمختلف الزهور المغربية وغير المغربية ،و قد وضعت أمامه علب من الشوكولاطة الأوروبية لو حولت إلى مواد إطعام لغطت كل المطاعم المدرسية بجهة سوس ماسة درعة ….. مدير سابق يقف قرب المقصف وبيده كأس شراب من النبيذ الرفيع ،و يتناول ما لذ وطاب من الحلويات و”القواطع” على حساب ميزانية وزارته.. مسؤول إقليمي يحمل محفظة فيها كل الصفقات المشبوهة ،يجلس على كرسي جلدي رفيع وقد وضع ساقه اليمنى على اليسرى ،ووقفت وراءه موظفة متخصصة في التدليك ..إطار نقابي يتأبط كل الملفات التي لا تمر من فوق الطاولة الرئيسية ،ويحمل على صدره كل باجات الإطارات النقابية ،تحيط به نساء يظهرن ويختفين حسب تموضعهن أمام مرآة ضخمة ،وحسب الباج النقابي المستعمل، كانت واحدة منهن تشبه إلى حد بعيد الضحية موضوع القضية إن لم تكن هي عينها…رئيس مصلحة يجلس على كرسي طويل ، يضع قانونه على ركبتيه ، يضبط إيقاعاته كما يضبط الإيقاعات الزمنية للمؤسسات التابعة له …تجار صفقات الكتب المدرسية يتهادون فيما بينهم وإن كان الكتاب المدرسي بريء منهم شكلا ومضمونا….مجموعة موظفين لا يظهرون إلا آخر الشهر ولكن ليس أمام مقرات عملهم وإنما امام شبابيك وكالات بنوكهم…

ما زال عمر يتجول داخل القاعة الكبيرة فاغر الفم ،جاحظ العينين ،لقد رأى ما لم يراه طيلة مساره المهني …انتابته هستيرية ،وبدأ في الصراخ :

– اللهم إن هذا منكر ….أنا لست حائطا قصيرا لكم…أنا لست مشجبا لأخطائكم…أنا لست قمامة لنفاياتكم .أنا لست محرمة لأوساخكم….أنا لست ساعيا لبريدكم …أنا لست كبشا من أكباش فدائكم…أنا لست سببا من أسباب تعثر برامجكم …
أنا لست….أنا لست…

– عمر ! عمر! استيقظ ! لطفك يا رب ! باسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ..عمر! عمر!

صاحت سميرة وهي تحاول أن توقظ عمر الذي فتح عينيه ونظر إليها باستغراب والعرق يتصبب من جسمه كله، والزبد يخرج من فمه …

مسحت العرق من على جبينه وأزاحت الزبد من فمه وهي تقول بكل حنان ومحبة:
– ما بك يا عمر ؟ لقد أخفتني كثيرا…
أجابها برفق :
– لا شيء ..إنه مجرد كابوس وقد انتهى …

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
لكمات و كلمات
التالي
انتخابات الرئاسة ..

اترك تعليقاً

*