قراءات

الكاتبة صفاء عبد المنعم تتحدى النقاد العرب في نص “صوت الموسيقى”

للكاتبة صفاء عبد المنعم

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

كنت أراها تسمع صوت الموسيقى آتيا من بعيد، فتترنح، وتتموج بجسدها الفارع النحيل، وتتمايل رأسها مثل شجرة التوت فى فصل الربيع المزهر، ثم أسمعها تردد بعض كلمات غامضة عليّ، وأنا مازلت طفلة صغيرة لا تعي نشوة الأنوثة الرطبة بشكل عامر، ولا حبور الإنتظار المستمتع!!
وعندما أقترب قليلا منها، أراها نغمض عينيها وتنصت جيدا، كأنها تعيش فى رحاب معبد أو قاعة كبرى للموسيقى، وكأن هناك فى مكان ما بعيد يجلس عازف هارب يجيد العزف على آلته، فأنتج هذا الصوت الساحر البعيد.
كانت مثل الفراش الأصفر الصغير الذى يطير محلقا عاليا عاليا، مخلفا وراءه الأرض والبحار والأنهار، ولا ينظر للخلف أبدا مهما بعدت المسافات، وطال طول انتظاره للوصول إلى المرفأ البعيد هناك، هناك عند الشاطىء الآخر من الجزيرة البعيدة، كان يرقد جسدها الفارع، حيث ثمة موسيقى خاصة تعزف لها.

لو قلت اليوم لكاتب على نص من نصوصه الأدبية هذا النص “سيريالي” لاتهمك أنك تحقر النص وترميه بالعدمية الإبداعية، وهذا لأنه لا يعلم عن حقيقة المدرسة السيريالية وفقهها البلاغي والشعوري شيئا وليس هذا جهلا منه، ولكن لسوء حظ ظهور وانتشار المدرسة السيريالية في الأدب عنها في الفن، لأن السيريالية لم يكن لها أثر يذكر في الأدب، ولم تخلق أعلاما في مجال الكتابة الأدبية حتى في الفن والرسم على وجه التحديد، بيد أنها ظهرت ووضح تفسيرها وذاع سيطتها لفترة في مجال الرسم، ومن مدرستها سيلفادور دالي، ويمكن أن تلاحظ ذلك في أعماله الفنية “تداعي الذاكرة ” و “الخلوة” و “الآثار والبناء”.
والسريالية أو الفواقعية أي “فوق الواقع” وهي مذهب فرنسي حديث في الفن والأدب يهدف إلى التعبير عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق وحسب مُنظهرها أندريه بريتون فهي آلية أو تلقائية نفسية خالصة، من خلالها يمكن التعبير عن واقع اشتغال الفكر إما شفويا أو كتابيا أو بأي طريقة أخرى، وهي “فوق جميع الحركات الثورية”.
إذن فالأمر يتعلق حقيقة بقواعد إملائية للفكر، مركبة بعيدة كل البعد عن أي تحكم خارجي أو مراقبة تمارس من طرف العقل، وخارجة عن نطاق أي انشغال جمالي أو أخلاقي، وقد اعتمد السرياليون في رسوماتهم على الأشياء الواقعية تستخدم كرموز للتعبير عن أحلامهم والارتقاء بالأشكال الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي.
و قد لقيت المدرسة السريالية رواجا كبيرا بلغ ذروته بين عامي 1924-1929 وكان آخر معارضهم في باريس عام 1947.
وكانت السيريالية تهدف إلى البعد عن الحقيقة وإطلاق الأفكار المكبوتة والتصورات الخيالية وسيطرة الأحلام، واعتمد فنانو السيريالية على نظريات فرويد رائد التحليل النفسي، خاصة فيما يتعلق بتفسير الأحلام.
وقدّ تطورت السّريالية من خلال أنشطة الدادا “الدادئية” خلال الحرب العالمية الأولى حيث كان مركزها الأساسي باريس، وانخرط الكثيرون في تلك المرحلة بحركة الدادا مقتنعين بفكرة أن القيم البرجوازية جلبت الصراع والحرب للعالم، وناصر الدادئيون تجمعات تسمى “لا للفن” ـ رفض الفن التقليدي ومحاربة الفن بفن جديد يتجاهل علم الجمال التقليدي ـ وكتاباتهم وأعمالهم الفنية، ولكنّهم عادوا بعد الحرب إلى باريس واستأنفوا نشاطاتهم، ومن العشرينيات فصاعدا انتشرت الحركة عبر العالم وأثرت بشكلٍ كبيرٍ في الفنون البصرية والأدب والموسيقى والفكر السياسي والفلسفة في العديد من بلدان العالم.
حتى أن النقاد وصفوا اللوحات السيريالية بأنها تلقائية فنية ونفسية، تعتمد على التعبير بالألوان عن الأفكار اللاشعورية والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام، وتخلصت السيريالية من مبادئ الرسم التقليدية في التركيبات الغربية لأجسام غير مرتبطة ببعضها البعض لخلق إحساس بعدم الواقعية إذ أنها تعتمد على اللا شعور.
واهتمت السيريالية بالمضمون وليس بالشكل ولهذا تبدو لوحاتها غامضة ومعقدة، وإن كانت منبعا فنيا لاكتشافات تشكيلية رمزية لا نهاية لها، تحمل المضامين الفكرية والانفعالية التي تحتاج إلى ترجمة من الجمهور المتذوق، كي يدرك مغزاها حسب خبراته الماضية وشعوره الباطني الداخلي، والانفعالات التي تعتمد عليها السيريالية تظهر ما خلف الحقيقة البصرية الظاهرة، إذ أن المظهر الخارجي الذي شغل الفنانين في العصور السابقة لا يمثل كل الحقيقة، حيث أنه يخفي الحالة النفسية الداخلية.
والفنان السيريالي يكاد أن يكون نصف نائم ويسمح ليده وفرشاته أن تصور إحساساته العضلية وخواطره المتتابعة دون عائق، وفي هذه الحالة تكون اللوحة أكثر صدقاً.
وقد ظهر مصطلح “السيريالية” أول مرة في مقدمة مسرحية “أثداء ترسياس” لجيوم أبولينير عام 1903 وعرفها الجمهور عام 1917 عند تمثيلها أول مرة.
كان أندريه برتون الذي درس الطب والطب النّفسي يعمل خلال الحرب في مشفى للأعصاب ويطبق طرق فرويد في التحليل النفسي على الجنود الذين كانوا يعانون من صدمة الحرب، وخلال لقائه بجاك فاتش، وشعر برتون أن فاتش هو الابن الروحي للكاتب ومؤسس فلسفة الباتافيزيقا جاري ألفرد، وأعجب بإرائه ضد المجتمع وازدرائه للتقاليد الفنية الراسخة، وكتب قائلا “في الأدب كنت مأخوذا برامبو وجاري وأبولينير ونوفو ولاتريمينت، ولكني مدين بالغالب لجاك فيتش”.
وبالعودة إلى باريس انضم بريتون لأنشطة الدادا وأسس مجلة أدبية مع لويس أراجون وفيلب سوبالت وبدأوا بتجربة الكتابة العفوية التلقائية دون مراقبةٍ للأفكار، ونشروا كتاباتهم وأحلامهم في المجلة، وتوسع بريتون وسوبالت في الكتابة التلقائية وكتبوا كتاب “الحقول المغناطيسية” عام 1920.
ومع استمرارهما بالكتابة لفتا أنظار العديد من الكتاب والفنانين، وقد جاؤوا بالاعتقاد أن الكتابة التلقائية هي تقنية أفضل للتغير الاجتماعي من هجوم الدادا على القيم السائدة، وقد نمت المجموعة لتضم العديد، ومع تطويرهم لفلسفتهم اعتقد السرياليون أن التعبيرات العادية يمكن أن تكون مهمة جداً في السريالية، ولكن بشرط أن تكون مصاغة بانفتاح تام على عالم الخيال حسب الديالكتيك الهيجلي، ولم يغفلوا أيضا الديالكتك الماركسي وأعمال منظرين آخرين مثل والتر بنيامين وهربرت ماركوس.
وكان لأعمال فرويد حول التداعي الحر وتفسير الأحلام واللاوعي أهمية قصوى للسرياليين لتطوير طرقهم نحو الخيال الحر، وتبنوا فكرة الخصوصية ـ حالة عقلية تتضمن تعبيرات وردود أفعال خاصة بالمريض ـ ورفضوا فكرة الجنون المنبثقة عنها حتى أن سلفادور دالي وضح ذلك بقوله “هناك فرق وحيد بيني وبين رجل مجنون هو أني لست مجنونا”.
ومن بعد المقدمة الطويلة عن السرياليين ومذهبهم نأتي لنص “صوت الموسيقى” لصفاء عبد المنعم السريالي التقدمي الذي يعد من النصوص الإبداعية الحداثية من حيث الشكل، وإن كان المضمون يضمر عن فكرة قلما كتبها كاتب وأبرع وأبدع في طرحها وسردها بشكل جيد كما أبدعت باطنية الكاتبة، وسرقها قلمها في خدر جميل محبب واستيقظ على إبداع وعيٍّ روعه، كما قال وتعلمنا من قسطنطين ستانسلافيسكي في كتابه “فن الممثل” في فصل بؤرة الشعور، حيث كشف الخط السريالي للممثل في العقل، باستحضار “كراكتير” الشخصية الذي يمثلها من مخيلته أثناء تقمصه الدور ومحاولة لالتباسه أو أن يتلبسه، واحتفاظه بنصف وعي كفيل أن يحرك الشخصية على خشبة المسرح بكلمات النص بشيء من التجويد يولد الإبداع، والتفاعل مع زملائه الممثلين والجمهور، هكذا ولد النص أثناء خدر الكاتبة عن الواقع من حولها، أي أنها كتبت النص فوق الواقع؛ فبدا بشكله “السرياليزمي” المتقدم الواعي، يضرب الرمزية الطلاسمية اللغوية على قفاها ليفيقها من نعاس هذياني كثيرا ما نجده عند كتاب ونقاد اليوم المفوهون لغويا بلا مضمون..
إن نص “صوت الموسيقى” يتحدث عن راويته وهي تصف نفسها، وتستعيد ذكرياتها من الطفولة البكرية الخضراء في أول مراحل نضوجها كأنثى شابة، وقد سحرها صوت الآخر الذي ترن كلماته كالمقاطع الموسيقية داخل أحاسيسها، وهي تصف ما كان ينمو في أول مراحله، وكأنها تترقبها “نفسها” وهنا عبقرية الإبداع الأدبي وطريقة الصياغة والسرد الماتع، وهي تصف نفسها في فترة ما على أنها ذات أخرى ـ تصف نفسها ـ دون أن تشعرك كمتلقي بذلك، دون نقل يوقف شعورك لو للحظة، للتماهي شعوريا مع أخرى تحكي عنها؛ فتكتشف أنها تحكي عن نفسها، تقول: “كنت أراها تسمع صوت الموسيقى أتيا من بعيد ، فتترنح ، وتتموج بجسدها الفارع النحيل ، وتتمايل رأسها مثل شجرة التوت فى فصل الربيع المزهر ، ثم اسمعها تردد بعض كلمات غامضة علىً ، وأنا مازلت طفلة صغيرة لا تعى نشوة الأنوثة الرطبة بشكل عامر ، ولا حبور الأنتظار المستمتع” ثم تطورك بمراحل الحكي والسرد حتى تصل بك لشعورها الآني، أنها بعد فقدها لصوت الموسيقى ـ الحبيب ـ الذي كان يولدها من جديد ينميها ويشكلها “كانت مثل الفراش الأصفر الصغير الذى يطير محلقا عاليا عاليا، مخلفا وراءه الأرض والبحار والأنهار، ولا ينظر للخلف أبدا مهما بعدت المسافات” وتصل بك بعد فقد صوت الموسيقى أي صوت الحبيب ورحلة العمر معه ـ بعد فقده ـ تنقل لك إحساسها في هذه اللحظة ـ لحظة الغفوة ـ لحظة الكتابة بأنها بعد رحلة العمر وفقده، وقد جفت روحها بعد سنوات طوال من انكبابها على شريان الذاكرة تعصر فيه لتمص مدد لحياتها لسنوات قد شعرت أن رحلتها في الحياة قد اقتربت من النهاية “وطال طول أنتظاره للوصول إلى المرفأ البعيد هناك ، هناك عند الشاطىء الآخر من الجزيرة البعيدة ، كان يرقد جسدها الفارع ، حيث ثمة موسيقى خاصة تعزف لها”.
في النهاية أني أميل للنقد التطبيقي التحليلي لأنه يعلم ويكشف، وكان بودي لو أتكلم عن عنوان القصة العبقري، ومدى بلاغة الجمل البسيطة في بنائها وألفاظها الرامزة، وكيفية صياغة العبارة الأدبية الجاذبة التي تنتمي للأسلوب الأدبي، وتبعد عن الأساليب الغير أدبية التي تتحرر من جمالية اللغة العربية بعلومها المتفردة..
النص الأدبي الذي لا يشير في أسلوبه عن جمال اللغة، وعباراته لا تكشف عن مضمونها المرحلي التراكيبي الانتقالي لا يعتبر نصا أدبيا..
تحياتي للكاتبة صفاء عبد المنعم زعيمة بناء الأجيال الجديدة لأمة ولادة دوما

السابق
صوت الموسيقى
التالي
أنا والقاصر

اترك تعليقاً

*