القصة القصيرة

الكاتب

– يالا .. كله ينزل من السيارة .. عربي ” خمار ” ..
أصدر الجندي الأوامر المتلاحقة للسائق والركاب بنزق وعصبية .. بغطرسة وعنجهية ، وهو يشهر سلاحه في وجوههم ، بينما وقف بقية الجنود قرب الحاجز وهم يصوبون أسلحتهم ناحية السيارة والركاب .
انصاع الجميع للأوامر ، فهم يعرفون جيداً معنى تأخرهم أو تلكؤهم في تنفيذ الأوامر ، فالموت السريع عقاباً لهم ، والمبرر جاهز دائماً .. عدم الانصياع للأوامر ومهاجمة الجنود .
رجل في السبعين من العمر ، يبدو عليه الإرهاق والمرض ، يتدثر بالملابس الثقيلة، يسعل سعالاً متواصلاً غريباً ، وبصوت متحشرج تمتم :
– مريض .. أنا مريض يا ” خواجة ” .. أنا ذاهب إلى المستشفى للمعالجة ، ولا أستطيع الوقوف في مثل هذا الجو العاصف ..
– كذاب .. عربي كذاب .. كله بيعمل حاله عيان .. وبعدين بيضرب رصاص .. قنابل .. صواريخ .. إنزل .. بسرعة .. عربي كذاب .. عربي ” خمار “.
ارتجف الشيخ .. هتف بصوت متحشرج واهٍ :
– صدري .. صدري يؤلمني يا ” خواجة ” .. مريض بالقلب وأشعر بأن قلبي سيتوقف .. الرماتيزم سيقتلني .. البروتستاتا .. و …
قهقه الجندي عالياً .. ردد بصوت سخيف كفحيح الأفعى :
– أرقص .. أرقص شيخ .. ” ديسكو ” .. ” سلو ” .. هيا أرقص وسوف أعيدك إلى السيارة .
امتعض الشيخ .. تأفف .. أنَ :
– أنا رجل كبير السن .. لا أجيد الرقص ولا أعرفه .
قهقه الجندي .. تابع بسخف :
– إذن غني .. غني لي .. أغنية ” رجب ” .
– لا أعرف ” رجب ” ولا ” شعبان ” .. أعرف فقط رمضان .. شهر رمضان .
– إذن .. فأنت تعرف ” الدبكة ” .. هيا .. أرقص رقصتكم السخيفة هذه .. التي تسمونها ” الدبكة ” .
– إنني لا أستطيع أن أتحرك ، أو أن أسير إلا على عكازي هذا ، فكيف أستطيع أن أرقص
” الدبكة ” ؟ .
– إفعل أي شيء .. حاول الرقص .. الغناء .. الدبكة .. وسوف أعيدك إلى السيارة .
رجل في الخمسينات ، يحمل طفلاً صغيراً يصرخ متألماً ، تساعده زوجته التي تحمل بيدها ملابس الطفل وأشياءه ، يتدخل بعد أن طال به الانتظار .. وطال صراخ الطفل .:
– الطفل مريض ويحتاج إلى عملية جراحية عاجلة .. لقد تأخرنا عن موعد إجراء العملية المقررة للطفل الآن .. دعنا نمر لإنقاذ حياة الطفل .
التفت الجندي ناحيتهما .. هتف باستهزاء وسخرية :
– من ؟! .. ” قيس وليلى ” ؟! .. غني .. غني أيها الرجل.. لا أريد أن تغني لليلى .. أريد أن تغني لـ ” هيفاء ” .
رد الرجل بصخب وضجر :
– أنا لا أعرف ” هيفاء ” هذه .. دعنا نمر لإنقاذ حياة الطفل المريض .
– ولكن أنا أعرفها .. والجميع يعرفونها .. ” هيفاء وهبي ” .. ألم تسمع بهذا الاسم ؟! .. إذن … أنت رجعي .. متأخر .. إرهابي .. العالم كله سمع بها ، ألم ترها على شاشة الفضائيات ؟! .. أريد منك أن تغني أغنيتها الشهيرة .. ” رجب ” .
حاول شاب من ركاب السيارة أن يتدخل ، دفعه الجندي بسلاحه الشاكي بقوة في خاصرته تأوه الشاب ، سقط على الأرض لشدة الضربة ، تحامل على نفسه ، نهض .. اقترب منه الجندي ، صوب الجندي السلاح إلى صدره ، وضع سبابته على الزناد ، صرخ بالشاب بعصبية :
– شو .. بدك تطلع ” خبر عاجل ” ؟
أتبع الحديث بأن صوب فوهة السلاح إلى رأس الشاب ، ركز الشاب بصره بحدة وتحدٍ إلى عينيّ الجندي .. زمجر الجندي بعصبية :
– تطلع ” خبر عاجل ” والا ترقص ؟
صمت الشاب .. ركز بصره في عينيّ الجندي بتحدٍ أكبر .. زمجر الجندي :
– أرقص .. أرقص .. إنت لازم ترقص ولد ؟
أتبع ذلك بأن مد يده إلى وجه الشاب محاولاً أن يصفعه ، تنبه الشاب للأمر ، سارع بإمساك يد الجندي ، خلص الجندي يده بقوة .. زمجر :
– ” خبر عاجل ” .. ” خبر عاجل ” ..سوف أجعلك الآن ” خبر عاجل ” ..
– أتبع ذلك بأن ضغط على الزناد .. انطلقت رصاصة ..
فتاة محجبة من بين الركاب الذين ترجلوا من السيارة سارعت بضرب ذراع الجندي إلى أعلا بقوة .. كان التوقيت مناسباً .. مناسباً جداً .. الرصاصة دوت في الفضاء ، فوق رأس الشاب بمسافة قريبة جداً . استدار الجندي ناحية الفتاة مزمجراً :
– من ؟! .. إرهابية مقنعة !! .. سوف أجعلك ” خبر عاجل ” حالاً .. أو .. أن ترقصي .. وتغني ” رجب ” .. تماماً كما تفعل ” هيفاء ” .
نظرت الفتاة نحوه بعيون تقدح شرراً .. مد الجندي يده ناحية النقاب .. حاول أن يرفعه ، أمسكت الفتاة بيده بقوة غريبة ، أزاحتها بعيداً عن الوجه وعن النقاب ، زمجر الجندي بصخب :
– لبؤة .. لبؤة متوحشة .
أتبع ذلك بأن مد يده ناحية وجهها محاولاً لمسه بينما اليد الأخرى تطبق على السلاح ، أشاحت الفتاة بوجهها بعيداً عنه ، كفحيح الأفعى وابتسامة صفراء هتف :
– ولكن .. لبؤة حلوة .. لبؤة جميلة .
سرعان ما كانت الفتاة تطلق كتلة لزجة من فمها إلى وجهه ، ثم انقضت على يده تطبق عليها بأسنانها بقوة .. صرخ الجندي صرخة مدوية من شدة الألم ، وقع السلاح من يده على الأرض ، راح يسب ويلعن .. يشتم بكل اللغات ، اندفع ناحية سلاحه ، تناوله عن الأرض مزمجراً:
– ” خبر عاجل ” .. لازم تكوني ” خبر عاجل ” ..
وقفت الفتاة أمامه كالنمرة ، صوب سلاحه ناحية وجهها .. صوبت نظراتها النارية ناحية عينيه .. ارتعش .. زمجر .. التفت ناحية الشاب الذي كان يضحك هازئاً من الجندي .. أحس الجندي بالمهانة والذلة .. صرخ هادراً :
– ” خبر عاجل ” .. كله لازم يكون ” خبر عاجل ” ..
راح يطلق الرصاص في الهواء بعصبية وغيظ ، كادت بعض الرصاصات أن تصيب بعض الرؤوس ، اقترب من الشاب ، هدر مزمجراً :
– إسمع .. إنت ولد .. إنت لازم تكون ” خبر عاجل ” .. أو .. تبوس البنت المتوحشة ! .
فوجئ الجميع بالمطلب الغريب للجندي ، أبدى الشاب امتعاضه واشمئزازه من قذارة الجندي وتفاهته ، تراجع إلى الوراء قليلاً ، دفعه الجندي في صدره بمقدمة السلاح بعصبية ، هدر صاخباً :
– يالا .. ” بوس ” البنت المتوحشة من خدها .. يالا ” بوس ” ولد ..
تمتم الشاب في نفسه :
” لأكن ” خبر عاجل ” مئة مرة أفضل عندي من أن أخدش حياء فتاة شريفة طاهرة “.
تنبه الشاب من أفكاره على صوت طلق ناري يمر من جانب أذنه اليمنى يتبعه صراخ الجندي :
– يالا .. ” بوس ” من الخد .. قبل ما تصير ” خبر عاجل ” .. وعلشان تمروا كلكم .
تململ الشاب .. تمنع .. صرخ الرجل العجوز بصوت متحشرج :
– اعتبرها أختك أيها الشاب .. قبلها حتى لا يقتلك هذا الجندي المجنون .
– هتف الرجل الذي يحمل الطفل المريض الذي ارتفع صراخه وألمه :
– إذا كانت حياتك وحياتنا مرهونة بقبلة للفتاة ، فلتكن .. أرجوك يا ولدي .. وعلى كل حال فإن الله يعلم ما في الصدور وما في النفوس .
صرخ الشاب بانفعال :
– مستحيل .. مستحيل أن أخدش حياء فتاة طاهرة .. شريفة .
توجه ناحية الجندي بعصبية .. صرخ فيه :
– مستحيل أن أقبلها .. سوف ارقص كل أنواع الرقص كما تريد .. سوف أغني ” رجب ” وبقية أشهر السنة .
صرخ الجندي بجنون وحمق :
– لا أريد أن ترقص .. لا أريد أن تغني .. أريد فقط أن تبوس ” هذه اللبؤة المتوحشة .. ومن خدها .
احمر وجه الشاب .. أصيب بالحرج الشديد .. تلعثم .. اضطرب .. طلق ناري آخر يمر إلى جانب أذنه اليسرى .. يبدو أن الجندي كان جاداً في الأمر .. اقتربت الفتاة المحجبة منه بعد أن شعرت بالخطر المحدق بالشاب ، هتفت بحياء وخجل :
– لا عليك .. لتفعل ما يطلبه هذا الجندي الأحمق حتى لا يؤذيك .. وحتى يدع الجميع يمرون .. وحتى نحاول إنقاذ المرضى ، فأنت أخي على كل الأحوال .
ارتجف الشاب ، تصبب العرق منه غزيراً رغم برودة الجو .. اقتربت منه الفتاة ، أنزلت النقاب عن وجهها قليلاً .. اقترب منها الشاب .. مد وجهه ناحية وجهها .. تراجع .. أشاح بوجهه ، شجعته بابتسامة باهتة ، مد وجهه ناحية وجهها .. قبلها قبلة سريعة على خدها .. أعادت النقاب إلى مكانه بسرعة ، أطرقت إلى الأرض باستحياء .. صفق أحد الجنود عن بعد بيديه ، أصدر آخر صفيراً طويلاً بفمه ، قهقه الجندي بصوت مدوٍ :
– ” برافو ” .. برافو ” ولد .. كانت قبلة رائعة منك لتلك اللبؤة المتوحشة .
هتف الشاب بالجميع :
– أشهدكم جميعاً أيها الأخوة .. بأنه يشرفني أن أخطب هذه الفتاة الفاضلة لنفسي ، على كتاب الله وسنة رسوله ، وسيكون لي عظيم الشرف بذلك ، فأنا المهندس ( … ) ابن ( … ) من عائلة ( … ) وغير متزوج .. وها أنتم جميعاً شهود على ما أقول ، والله يشهد على ذلك.
أطرقت الفتاة إلى الأرض حياءً ،ابتسمت ابتسامة الخجل والعذارى وكأنها بذلك تعلن الموافقة الضمنية بصمتها ، انطلقت “زغرودة ” مدوية في المكان ، التفت الجميع ناحية مصدرها .. كانت امرأة عجوز من ركاب السيارة الذين أجبرهم الجندي على الترجل منها ، التفت الجندي نحوها ، هتف مزمجراً معربداً بابتسامة وقحة :
– عجوز وتزغرد ؟! .. ما دام الأمر كذلك .. إذن .. هيا ارقصي .. غني .. ” رجب ” .
أتبع ذلك بأن اقترب من العجوز وحاول أن يدفعها إلى الرقص والغناء ، صاحت به العجوز :
– إبعد عني أيها الوقح .. لا تلمسني بيدك النجسة ..
زمجر الجندي ، أرغى وأزبد ، دفع العجوز في صدرها بسلاحه ، حاولت العجوز أن تتفادى الضربة بقدر الإمكان .. أصابت صدرها ، صدرت عنها أنة ألم وصرخة مكتومة .. حاولت أن تتماسك حتى لا تدع ” سلة القش ” الكبيرة التي كانت تحملها تفلت من بين يديها ، هتفت متحشرجة:
– ” أجتك ضربة في قلبك يا الكافر ” .
تنبه الجندي للسلة التي تحملها .. اقترب منها .. ابتسم ابتسامة صفراء :
– ماذا تحملين أيتها العجوز الشمطاء في هذه السلة ؟‍ .. سلاح .. قنابل .. صواريخ ؟
– ” العمى يعمى عينيك .. سلامة شباب الرصاص والقنابل والصواريخ .. إنت الظاهر أعمى .. ما بتشوف “.
– وماذا تحملين في هذه السلة إذن أيتها العجوز الوقحة ؟
– والله أوقح منك ما فيه .. هذا شوية زعتر .. زعتر أخضر جمعته من الجبال .. طول الأسبوعين اللي فاتوا .. دست على شوك الجبال .. الشوك أدماني وأنا أجمع الزعتر.. عرق عرق .. علشان أنزل أبيعه في المدينة واشتري لإبن ابني المريض إللي قتلتوا أبوه الدوا اللي وصفه الدكتور ، واشتري لأخته مريول للمدرسة بدال المريول إللي صار زي المنخل .
– ممنوع .. ممنوع عجوز خرفانة .. ممنوع قطع الزعتر ..
– والقتل إللي بتقتلوه ؟ .. والدمار إللي بتدمروه ؟ .. وقطع الشجر .. وخلع الزرع .. وهدم البيوت على روس أصحابها .. كل هذا مش ممنوع ؟‍!
– لازم آخذ الزعتر منك مصادرة.. عجوز خرفانة .
– والله ما فيه خرفان ومجنون غيرك .. ولو بتطلع عينك ما بتقدر تاخذ مني عرق زعتر .. الأولاد بيستنوا في الدار .. الولد بدو دوا .. والبنت بدها مريول .. أنا وعدتهم ..
– بلا ولد .. بلا بنت .. بلا دواء .. بلا مريول .. هاتي .. هاتي عجوز خرفانة .
أتبع ذلك بأن اقترب منها وحاول أن يختطف السلة من بين يديها بينما يده الأخرى مطبقة على السلاح بقوة .. تمسكت العجوز بالسلة أكثر .. أطبقت عليها بيدين من حديد أو فولاذ .. لم يستطع الجندي تخليص السلة من بين يديها القويتين .. صرخت العجوز بحدة:
– مستحيل .. أنا وعدتهم بالدوا والمريول .. والأولاد في انتظاري .. الزعتر تعب وشقا أسبوعين بين الجبال وبين الشوك.
عاود الجندي محاولة تخليص السلة من بين يديّ العجوز بلا جدوى .. زمجر .. هدر .. تركها ..ابتعد عنها قليلاً .. صرخ بوحشية :
– عجوز خرفانة ..أنا لازم أخليكي ” خبر عاجل ” ..
أطلق عدة صليات فوق رأس العجوز .. هجم عليها مرة أخرى وقد اعتقد بأنه أرهبها وأخافها .. حاول تخليص السلة من بين يديها .. استماتت العجوز بالتمسك بالسلة بقوة فولاذية أدهشت الجندي والجميع .. استجمعت العجوز قواها .. دفعت الجندي بقوة بحافة السلة في صدره .. سقط الجندي على الأرض .. على وجهه .. اصطدم وجهه بالأحجار .. شج وجهه وأنفه وفمه .. سقط سلاحه إلى جانبه .. سالت الدماء منه بغزارة .. مد يده ناحية وجهه يتحسسه ..أصيب بالذهول بعد أن رأى الدماء المنسابة من وجهه على يده ، جن جنونه .. نهض من مكانه كالشيطان .. اندفع ناحية سلاحه أطبق عليه .. صرخ بجنون :
– ” خبر عاجل ” .. ” خبر عاجل ” ..
أتبع ذلك بعدة زخات من الرصاص ناحية العجوز .. أصابت صدرها .. تماسكت .. انبثق الدم من صدرها ..أطبقت على السلة بقوة وإصرار وعناد.. الدماء تنبثق بغزارة .. العجوز تحاول الصمود .. تشعر بالدوار .. أصوات كنشيد الملائكة من حولها .. تتهاوى إلى الأرض ببطء .. المعزوفة والنشيد الملائكي يزدادان روعة وجمالاً .. تبتسم ابتسامة ملائكية رائعة .. تطبق على السلة بقوة .. تتراخى اليدين تدريجياً عن السلة .. تسقط إلى جوارها .. تتناثر عروق الزعتر فوق الجسد وحوله .. تصطبغ باللون الأحمر المتدفق من الجسد .. تشعر بنفسها وكأنها تطير إلى السموات العلى .. تشعر وكأن الملائكة من حولها تزفها .. تنشد لها .. تغني لها .. تحاول جمع عروق الزعتر المتناثرة بيديها الواهيتين المرتجفتين .. تضمها إلى صدرها .. إلى قلبها .. تتمتم بكلمات بصوتٍ واهٍ :
– انتظروني يا أولادي .. فسوف أحضر لكم الدواء .. والملابس .
فقط .. عليكم أن تنتظروني ؟‍ ….

السابق
الشتاء
التالي
ظُلمَات

اترك تعليقاً

*