القصة القصيرة

الكذاب

بلغ الستين من العمر، ومازال يقضي إثنتي عشرة ساعة في العمل يومياً، كحارس مرآب لسيارات الحمل، من الساعة السابعة صباحاً وحتى السابعة مساءً، فالفقر لايخجل من سن ليدع صاحبه وشأنه، والشقاء هو الشقاء، كتب على الناس بدرجات متفاوتة، فهو يعيش وحيداً، لازوجة ولا أولاد، ويسكن غرفة حقيرة من الصفيح يطلق عليها تسمية البيت مجازاً، ابتاعها بالمبلغ الزهيد الذي كان كل مايملكه حين قدم إلى هذه البلدة منذ عشرين سنة، بعد موت زوجته إثر ولادة متعسرة.
في كل ليلة، ما أن ينتهي من نوبة الحراسة، حتى يتجه نحو مطعم للوجبات السريعة رخيصة الثمن، ليتناول عشاءه المكون من شطيرة واحدة أو شطيرتين من الباذنجان والبطاطا المقليتين أو (الفلافل)، ثم ينطلق مسرعاً إلى المقهى، حيث المكان الوحيد الذي يجد فيه التسلية، ليعود بعدها إلى غرفة الصفيح، ليقضي ساعة في فراشه العتيق مع صديقته الوحيدة في الحياة، حقيبة جلدية بالية يحتفظ بداخلها بذكرياته، من صور وأوراق تؤرخ الثلث الأول من حياته، فيتفحصها في كل ليلة وكأنه يطالعها لأول مرة، فيضحك عند رؤية هذه ويبكي عند رؤية تلك، فيما يشبه مهرجان يومي للجنون.
يكون حارس المرآب محل ترحيب صاحب المقهى الذي يستبشر به خيراً، فبعض الزبائن يرتادون المقهى من أجله فقط، وآخرون يطيلون المكوث فيه لذات السبب، مما يدر ربحاً إضافياً للحارس فضل فيه بقصد كان أو دون قصد منه.
ما أن يصل حارس المرآب إلى المقهى ويجلس، حتى يتحلق حوله البعض، ليستمتعوا بسماع القصص الغريبة التي يرويها لهم ويكررها مراراً وتكراراً، كقصة عارضة الأزياء السويسرية التي وقعت في غرامه، وقصة دبابة العدو التي استولى عليها وأسر طاقمها في الحرب بمفرده، وقصة الطائرة التي نجح في قيادتها والهبوط بها بسلام بعد أن فقد الطيار وعيه، وقصة احترافه كرة القدم في أحد أندية الدرجة الأولى، وتسجيله لأربعة أهداف خلال أقل من ربع ساعة في مباراة ودية مع ناد أجنبي، وقصة براعته في السباحة وانقاذه عائلة كبير من الغرق بعد أن سقطت سيارتهم في النهر إثر حادث اصطدام، وقصص أخرى على نفس الشاكلة، فيستغرق المستمعون في الضحك، ويغالط نفسه ويوهمها بأنهم يضحكون من فرط استمتاعهم بقصصه وإعجابهم ببطولاته، ولكن في الحقيقة، هم يضحكون على رجل في الستين من العمر، لا يتوانى عن اختلاق قصص خيالية يسردها على شكل كذبات مكشوفة.
في تلك الليلة، اشتدت سخرية بعض الشباب به أكثر من كل مرة، فلم يعد قادراً على مغالطة نفسه أكثر من ذلك، نهرهم مذكراً إياهم بأنه رجل كبير في السن وليس من حسن الخلق أن يسخروا منه هكذا، فما كان منهم إلا أن زادوا من حدة التهكم، ونعتوه بأبشع الألفاظ، ثم ضربه أحدهم بقنينة ماء بلاستيكية فارغة، وضحك الشباب قليلو الأدب المنزوعة عن قلوبهم الرحمة والضمير وهم يهتفون : “مجنون.. مجنون.. الحارس المجنون”، فما كان منه إلا أن هب من مقعده ولاذ بالفرار مسرعاً.
عاد إلى بيت الصفيح الحقير الذي يسكنه وحيداً، كان يجر طوال الطريق أذيال الخيبة، يملؤه الحزن، ويقتله الخجل، وكأن ثيابه الرثة قد سقطت عن جسده الهزيل فأصبح عارياً أمام الناس، كانت الدموع الساخنة تهوي من مقلتيه في تلك الليلة الباردة، وكان قلبه الكليم يخفق بشدة وكأنه يعلن عن احتجاجه على شيء ما لايعرفه ، أو ربما على كل شيء يعرفه.
قضى ماتبقى من الليل يحاسب نفسه ويلومها، لقد سئم استهزاء الآخرين به كما سئم اختلاق الأكاذيب وروايتها، شعر بألم في صدره، كان هذا الألم يأتيه من وقت لآخر، ولكنه هذه المرة أكثر شدة، لجأ إلى فراشه البالي واحتضن حقيبته الجلدية القديمة، ولكنه لم يفتحها ليستعرض محتوياتها هذه المرة، بل اكتفى باحتضانها وكأنها وليدته التي فقدها بعد يوم واحد من فقدانه لأمها، منذ عشرين سنة.
في الصباح، مرت ساعتان على موعد نوبة الحراسة، ولم يحضر بعد، أرسل الحارس الليلي أحد الصبية إلى بيته ليعرف سبب التأخير ويحثه على القدوم، فعل الصبي ما أمر به، طرق الباب عدة مرات ونادى كثيراً، وليس من مجيب، فدفع الصبي الباب الذي فتح بسهولة، دخل إلى البيت فوجد الرجل الستيني جثة هامدة، لقد مات وهو يحتضن الحقيبة الجلدية القديمة، هرع الصبي عائداً إلى الحارس الليلي وأبلغه بالأمر.
أسرع صاحب المرآب وبعض السواق إلى بيت الصفيح، أشفقوا على الحارس المسكين الذي مات بصمت، الذي مات وحيداً، في عالم يركن الوحيدين على رفوف النسيان.
وبينما كان الجميع منشغلين بتغسيل وتكفين حارس المرآب، دفع الفضول صاحب المرآب إلى فتح حقيبته القديمة ليتفحص ما فيها، وجد صوراً للمتوفي مع زوجته، وصورة له وهو في الثامنة عشر بمظهر أنيق كتب على ظهرها: “السنة الأولى في كلية الطب”، ووجد بضعة أوراق، أثارت انتباهه ورقة منها اصفرت من إثر تقادمها، أمعن النظر في ماتحتويه تلك الورقة، فوجد بأنها نسخة من قرار لمحكمة عسكرية، تتضمن حكم الإعدام بحق والد الحارس بتهمة التآمر على مصلحة البلاد والتخطيط لإسقاط نظام الحكم، مع قرار بمصادرة قصره وأمواله، ومصادرة أراضيه التي تشكل بالضبط، كامل الأراضي التي أقيمت عليها بلدتهم هذه.

الان صباح الأمين

– من مواليد 16/تشرين الثاني/1968
– بكلوريوس تقنيات طبية/ تخدير
– عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق
– الإصدارات:
1) جدران/مجموعة قصصية/2013
2) رواد اللعبة/مجموعة قصصية/2015
3) الاشتراك مع مجموعة من الأدباء العرب في مجمعتين قصصيتين (ماوراء الحرف/2016، نحت على جدار الورق/2017).
– حائز على درع هيئة التعليم التقني

السابق
لغز
التالي
مصيبة

اترك تعليقاً

*