القصة القصيرة جدا

الكلاب والحارس

جرينا والرعب يملأ صدرينا، وغريمنا يركض في أثرنا، يطاردنا بإصرار؛ كأن له عندنا ثأرًا قديمًا، وقعتُ من شدة الإعياء، لا أعلم كيف نجوتُ، رأيته ممددًا على الأرض، والكلب جاثم على صدره بقائمتيه الأماميتين؛ كمصارع هزم منافسَه بتثبيت الأكتاف، وقد تلاقت الأعينُ في تحدٍ عجيب، لم يطلق الوحش سراح أسيره إلا بعد أن أغمض الضحية عينيه، معلنًا استسلامه.
لم يعقرني كلبٌ يومًا، على الأقل حتى الآن، لكن إن سألتني لعرفت؛ أن الكلاب هي أشد ما أمقت في الدنيا، وليست الكلاب فقط؛ بل كل ما ومن يتعلق بها، منذ عضَّ الكلب صديق طفولتي. ولقد ظل هذا الحادث لا يبرح مخيلتي، رغم مرور خمسة عشر عامًا عليه، يلمع في ذهني كلما وقع بصري على كلب؛ بل حتى لو تناهى إلى سمعي نباحٌ ولم أر نابحًا! بات منظر بطن صديقي وآثار الإحدى والعشرين حقنة حول سرته، يعودني في كوابيسي، فأصحو من النوم لاهثًا فزعًا، كأنني أنا المعقور.
صديقي الحارس – وهذا اسمه بعد أن أخطأ كاتب الصحة في تهجئته – يعمل معي في الأمن، لكن لا تفزعوا منا، فنحن ضابطي أمن في تجمع سكني بإحدى المدن الجديدة، لا نمت للأمن بصلة؛ اللهم إلا هذا الزي الموحد وعصا (دونيك) مثبتة في جرابها على جانب الخصر، وصفارة طوارئ مدلاة بشريط حول العنق، وجهاز اتصال لاسلكي باليد.
أيامنا هنا رتيبة صامتة، خالية من نقيق الضفادع، الذي كان يعزف في ليل القرية، وزقزقة العصافير التي تصدح كل فجر، المجتمع هنا ممن يدعونهم الصفوة، الثياب قشيبة مواكبة (للموضة)، السيارات فارهة (موديل السنة)، لكن أغلب القوم متغطرسون، يكلموننا من أنوفهم، تزدرينا أعينهم، يعاملوننا كأننا رتبة عليا من الحيوانات، أو رتبة دنيا من البشر، رغم أن قليلًا منهم يحدبون علينا، ويحسنون معاملتنا.
ذات مساء هاجمنا قطيعٌ من الكلاب الضالة الجائعة، تسوروا الجدار المحيط بال(الكمبوند)، وانتشروا يعيثون فيه فسادًا، استنجد السكان بنا، فهرعنا وطاردنا الكلاب؛ حتى ارتدت على أعقابها خاسئة. رغم حسن بلائنا، هددونا بالطرد في حال تكرر الحادث.
ظللنا يقظين متربصين؛ لكن كلبًا مملوكًا لأحد السكان قطع الطوق، وانطلق يشتد في أثر بعض الأطفال، حتى ظفر بقدم أحدهم، وطرحه أرضًا، وأوشك على غرس أنيابه في رأسه؛ لولا أن أحدنا قفز في جرأة نادرة، واحتضن الوحش فشل حركته، وهو يلف يديه حول بطنه، ثم يطوح به بعيدًا، التفت الكلب ليهاجم صاحبنا؛ لكننا تكاثرنا عليه بالعصي والحجارة، فعاد إلى المكان الذي هرب منه.
لدهشتي الشديدة كان المتصدي للكلب هو صديقي الحارس!

السابق
حلم لم يتحقق
التالي
موتتان

اترك تعليقاً

*