القصة القصيرة

الكنتيسة وإحراق العمائم

يحزم أسمال عريه القرمزي على خاصرته ، يأكل هرولة جنبات طريق وعرة ،يسابق خيوط النار و سقوط أول بيضة دجاجة ، يمعن في الهرولة، و تتحول ركضا ، تجتاحه نوبة خوف شديد ، تتمسك به الأرض، شيء ما غريب يتمسك بتلابيبه ، يعوق سيره ، يكبر ، يتضخم ، ينتفخ كالبالون ،كحصان يجر عربة ثقيلة بدون عجلات ! يقتلع جسده اقتلاعا ، يدحرجه أمامه ، يسير في الوحل ، انفاس حارة ممزوجة برائحة قرنفل غريبة تجتاح قفاه ، تغمر جسده ، يغرز عينيه في الفراغ ، تمة أنامل بدون أظافر ، ناعمة ، باردة كالموت تدغدغ حبيبة أذنه ، يشعر برعشة لذيذة !
قبضتان قويتان تعتصران فوذيه ، يحس بدوار شديد ،برغبة قوية في القيء حتى الاغماء ، تثقل خشبته، تتقطع أنفاسه ، صوت لا صوت يشبهه : رخيم ، غريب ، رحيم ، عجيب ! يهمس في أذنيه بعذوبة وشبق خارق حد انهيار الإحساس :
– حبيبي أتلبسني أم ألبسك ؟
٠٠٠ أتسكن لي و أسكن لك ؟
يجمع ما تبقى من بكمه ،يصرخ :
-من أنت ؟ ما اسمك ؟ وماذا تريدين مني ؟
-أنا عروس البحر في البحر!
٠٠٠وعروس البر في البر !
٠٠٠وعروس النهر في النهر!
والناقة ،الهيفاء ،الفرعاء ، الحمراء في الصحراء !
ألا ترى أظلافي الجميلة، ألا أشبه حمراء الصحراء ؟
أنا متقلبة المزاح ، خارجة عن حدود الزمان و المكان !
تسري قشعريرة في أوصاله كالموت ، تكتسحه باردة حد الصقيع ،تضيع منه مكابح الروح والجسد ، و يفعلها ساخنة في قاع مداسه :
– خلقنا لبعضنا وقدرنا أن نحل في بعضنا و أن يمتزج دمنا !
يشعر بقضيب فولاد ينغرز في رقبته ، يعوق حركته ، يشل أطرافه تماما :
تلفظ ذاكرته حروفا قرآنية : يلملمها، يحاول جمع شتاتها وترتيبها، تنفلت من لسانه المتخشب ، تركل سقف حنكه ، يبتلعها بصعوبة بالغة كأسلاك شائكة ، ثم تندلق رخوة من شفتيه مترهلة ، تضيع في متاهات خيشومه ، ينطق الخواء : نهنهة وحمحمة وأصواتا غريبة :
يمتص سمعه صدى فراغ سحيق غير مسموع، وتتلاشى الهمسات :
منها فقط في أذنيه رنين مطرقة كبيرة ترج سنديانا !
يخلص جسده بمشقة وعسر من حبال مشدودة بأوتاد مغروزة في قلب الأرض ، رويدا رويدا ، يحرر قدميه :
أشبه بقذيفة طائشة يخترق العدم ، يركب ريح الريح ، يمتطي صهوة الضوء ، صهوة الصوت : حصان جامح ينبت جناحين !
هسيس الكلاب ، بصبصتها ، نباحها المكتوم ، حفيف الريح , خشخشة الأعشاب , تكتكة قدميه شبه حافيتين ، مكتومة :
أصوات نشاز ،خليط ،ممزوج برنين همس شيء لم يميز منه شيئا !
يندفع مرتجفا مرعوبا ،ثقيل الخطو ، منهوك القوة، في قعر البيت :
يتهاوى كتلة لحم بارد ، لا أثر للحياة فيها ، بسرعة ،تتلقفه أمه بين دراعيها ، تسنده إلى ركبتيها ، تصرخ ، تولول، تحوقل ، تتف ، تردد تعويدات مبهمة ، تتلو آيات قرآنية ، لا تحفظ منها شيئا :
-آ عيشة ! آ مولات المرجة أحجارك يشدوك :
بس ٠٠بس ٠٠بس ، لا هو من ثوبك ولا أنت من ثوبه !
تدس أصابعها بتوجس في جسده ، تبحث عن آثار (القبلة/ المصة) الدموية المسعورة القاتلة ، صلة الوصل بين الثقلين !
، يغوص في هستريا الهذيان، في نوبة صرع مجنون حد الجنون :
– هي ،هي : مولات المرجة ، (الكونتيسة / قنديشة )، لمستني لازلت أشعر بحرارة جسدها الطري تغلق مسام جسدي، وأنفاسها العطرة تتلاعب بشعيرات قفاي ، تهمس، بتلذذ، تكاد تعض حبة أذني ،تبوح لي بسرها ، تعترف لي بحبها :
– حبييي إلبسني :
٠٠فأنت لباسي !
٠٠٠ أسكن لي :
فأنا سكن لك !
تتكور حبيبات :بلورية ، براقة، زجاجية على جبينه ، تتدحرج ،مندلقة ، ماسحة جغرافية وجهه المتجعد ، و تستقر فائرة في حفيرة منحره :
يتعرق بغزارة ، تشتعل النار في جسده : يتحول صفحة حديد ساخن!
تصرخ أمه وتولول :
– الرجل يموت يا امرأة !٠٠سيضيع مننا ، ومن أولاده !
تقتحم زوجته باب الغرفة الكئيبة تجر جسدها منهكا ، خائر القوة ، تستند براحتيها على ردفيها و هي ترتجف :
صفراء : ورقة ميتة صفراء٠٠ تفوح منها نتانة حليب قديم مندلق عافه طفلها بعد شبع ، ممزوجا بعطر التوابل في قفطانها ، و بعض من روائح براز الصغير !
تحمل طستا نحاسيا قديما ، و خرقة قماش أبيض و بعض بخور (الجاوي ) : بخور لالة مكة، تذكار من عمرة أبيها قبل وفاته بسنوات خلت !
تضع شمعة ، في مصباح فقد طلاءه ،يتدلى كالإجاصة من دعامة خشبية ، متهالكة تتوسط فناء البيت الطيني ، تدغدغ فتيلتها بعود ثقاب : شعلة بروميثيوس تمتص خيوط العتمة ،تحررالشمعة دموعها ،بحرقة تبكيه ، تعدد مناقبه ، كعاشقة نائحة !
تقرفص زوجته المسكينة تضع الطست ، تمررالخرقة على جبينه : تمسح عرق حمى الداخل والخارج ، ينتفض كطائر مذبوح ويصرخ :
-افتحوا النوافد ، أفسحوا الطريق للقادم يا غجر !
يتحجر السؤال على شفتي والدته ويضيع في الفراغ :
-من القادم ياولدي ؟
تقتلع زوجته ذاتها المتعبة ، تدحرجها ككرة أمامها ، تتعثر ، وتتمسك بالحائط ، تشرع النوافد ، والباب على مصراعيه ، محدثا صريرا رهيبا ، تتسرب نسيمات باردة ، تراقص الستائر البالية ،ممزوجة بنور حاد كلمعان البرق ، يمتص ضوء الشمعة !
ارتعاشة الموت تسري في أوصال أمه وزوجته ، يتلاشى ذلك النور شيئا فشيئا،وتهدأ النسيمات ، وتعاود الشمعة نشاطها باكية ، نائحة !
يتسلل من باب شبه مفتوح ، بخطى ثقيلة مسلوب الإرادة : نائما ، صاحيا ، مومياء محنطة متحركة !
تشرنق يرقة خبل مهبول ،وهبل مخبول في متاهات مخه المشلول :
-أركض ،أركض ، إرحم نفسك ، أركض وراءها ، هي لك وأنت لها : امتزج دمك الأحمر بدمها الأخضر ، أنتما من الآن :
اثنان في جسد واحد ، لا إنس ولا جن، فقط فصيلة من عبدة عشق قاتل ممنوع ،من جمال اتحاد و روعة حلول ،أركض، فالركض خلاصك من آدميتك!
ك”ريم “طريد ،يركب الريح ، يحضنه فراغ ليل قاتل ، جاثوم :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ٠٠٠٠بصبح وما الإصباح منك بأمثل !
ويضيع شبحه في تلافيف العتمة ، يخرج لسان أمه عن طوعها ، تشق عنان السماء صراخا وعويلا :
-ولدي ، اختطف ياناس ! آه يا ولدي آه يا ولدي ،يا للكافرة !
وتغيب في غيبوبة أشبه بالموت ، زوجته لم تكن تتقن فن الصراخ ،كان صوتها رخوا متقطعا ، أشبه بصياح دجاجة باضت ،لتوها بيضة !
تسيل شعاب القرية بأضواء القناديل : نجوم تحذق من السماء باستغراب ، تمتزج وحشة المكان ، بحفيف النسيم وتكتكة النعال فوق التراب والهشيم اليابس!
يتلاعب كبيرهم بعكازه بحماس زائد :
-يا قوم ، الكونتيسة تضعف أمام شعلة النار ٠٠نار الحكمة!
-من أين لنا بنار الحكمة ، يا سيد القوم ؟
يتساءل الجميع ،يصيح بأعلى صوته و بثقة في نفسه :
– عدو ا معي : خطوة ٠٠ خطوتان ٠٠ أحرقوا العمائم !
– عدوا معي : خطوة ٠٠خطوتان ٠٠ أحرقوا العمائم !
ينبرى أحدهم و بسؤال فيه نوع من التشكيك و مآخذة الكبير :
-لكن ما علاقة هذا بإحراق العمائم يا سدنا ؟
-العمامة غطاء الرأس !
والرأس رأس الحكمة !
والكنتيسة تكره حكمة البشر ، تكره شعلة النار التي أضاءت الكهف ، تكره بروميثيوس : شعلة ناره نور فيك نور في ، نور فينا جميعا ،منذ غابر الزمان ، وقديم المكان !
من حين لآخر يومض ضوء كالشمس في عز النهار :
حريق العمائم – تلتهما النيران – يقضم من برنوس الليل : في كل خطوة قضمة ، في كل عمامة تحرق كسر لصمت المرجة القاتل ، وكشف سر من أسرار الكونتيسة !
هم يعرفونه حق المعرفة :
صريع حب مستحيل ، لا وجهة له غير هذه المرجة الزرقاء الضحلة ،على صفحة مائها تمارس الضفادع شغب التزاوج ، مرجة تحفها أشجار الدفلى تتخلل سيقانها نباتات السمار ! تم مربط ضحايا (الكونتيسة / قنديشة )،تم فخاخ إغراءاتها المخملية ، تم الضوء المميت يجلب الحشرة !
تحت ضوء العمائم والقمر ، يلوح جسمه مركوزا مغروزا في الارض ، يدور في اتجاه عقارب الساعة بسرعة مروحية كهربائية ، يشخر شخيرا غير عاد ، يقترب منه الأهالي بحدر شديد ،كانت كتلة رغوة كزبد البحر الهائج ،تغطي وجهه تماما ، عيناه جاحظتان شاخصتتان الى السماء ! يقترب منه كبيرهم :
– هذه الكنتيسة ، تمتص منه رحيق نشوتها ، و لذتها من جسده الغض ، إنها تمارس عليه شذوذها ، وكرهها للرجال ، اين زوجته ؟
تتقدم فتاة في مقتبل العمر : هيفاء ،فرعاء ، رعناء ، شعثاء ، فيها رائحة من زوجة غبية ، ربت الكبير ،على كتفها وقال بنبرة حزينة :
-هذه ضرتك ، ولا رباط خيل لك ، فالمعركة غير متكافئة ، ما ذا تودين قوله لها يا بنيتي ؟
تدحرجت دمعتان كبيرتان على خذيها ورفعت عينيها إلى السماء ،كادت تكسر رقبتها وصاحت :
-أختاه في العشق ، والعشق جنون !
خذيه روحا،واتركيه لي عظما ولحما يعز علي غيابه !
تبتلع ريقها و بريقها ، وتجهش في نحيب مكتوم !
حمحمة حصان جامح ، تنهيدة عميقة مسموعة ،تربت على رؤوس أشجار الدفلى وتتلاشى !
تهدأ حركته ، يسكن جسدة ، ترتخي قبضتاه ، ويغيب غياب الموتى !
، يتلاعب كبير القوم بضفيرتها المنسدلة على خصرها، يقترب من أذنيها وبصوت خافت :
– على سلامته ، وعلى سلامتك !
سيعود إليك قبيل الخيوط الأولى من الفجر !
لقد أخذت منه وطرها ، وهي حال وأحوال : عشاقة ملالة !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
حلم
التالي
نــــارُُ تـُـــلْهِمُ بالاخضرار

اترك تعليقاً

*