القصة القصيرة

اللقيط

جلسَ في مكانهِ قربَ النافذةِ .. شدّ َحزامَ الأمانِ .. أطبقَ جفنيهِ. مخفياَ قلقه وخوفه من المجهولِ.
لا يتذكَّرَ \أبو يوسفُ \ الكلماتِ التي دارتْ بينه وبين ولده .. اندفع على الفور إلى داخل غرفة المريضة بعدَ سماعه أنيناً ينتحرُ في فضاء غرفتها. بينما يوسف القادمُ لتوّهِ من السفرِ؛ صدمتهُ دموعُ والده على جثَّةِ المرأةِ الهامدةِ وهو يتمتم:
” ارحلي أيَّتها الروحُ الطيّبةُ إلى جوارِ ربُّكِ وأنتِ مطمئنةٌ على ولدكِ ” فما كان منه إلاّ أن غادر المستشفى دون هداية …
عند الظهيرة .. حشودٌ غفيرةٌ .. سائرةٌ بصمتٍ .. نعشٌ في المقدّمةُ .. همساتٌ منثورةٌ تسألُ عن الحقيقة .. وأبو يوسف متمنِّياً لو كانَ ولدَه يسير بجانبه .. أما يوسف فكان قد وصل حينها إلى مدينةٍ ساحليةٍ تلبيةً لروحهُ التي استباحتها رغبةٌ في العزلة والانزواء .. فاهتدى إلى مقهى شعبي متواضع لا يرتاده إلا من يقصده .. وما دفعه لاحقاً لتكرارِ ارتياد المقهى باستمرار؛ هو بعده عن المدينة وكثرةِ أشجارهِ الوارفةِ وإطلالتهِ على الشاطئِ وأجوائه المليئةِ بزقزقة العصافير الممزوجةِ بحفيف أوراقِ الأشجارِ التائهةِ في ضجيجِ أنين أصواتِ أمواجِ البحرِ المكَسّرةِ على حوّافِ الصخور. والأهمّ من كلِّ هذا هو طيبةِ مالكي المقهى وحرصهم على راحته. في هذا المقهى المتواضع ويوم اطمأنتْ له العجوزُ أمّنتْ له غرفةًً متواضعةً للسكن. حيث أصبحت الغرفةُ بمثابة ملاذٍ آمنٍ لروحه المعذَّبَةِ…
ما كان يسعده ويدخل الاطمئنانُ إلى قلبه هو حين كانت تطلُّ عليه صاحبة المقهى برفقةِ زوجها العجوز وتسألهُ برقّةٍ:
– هل أعجبُكَ طعامُ اليومِ يا ولدي؟
– كان شهياً طيُّبَ المذاقِ.
– ماذا تريد أنْ يكون طبقُ الغدِ؟
– أيُّ شيءٍ .. أنتِ تجيدين الطهي ..

يتدخَّلُ العجوزُ قائلاً:
– لولا أَنها تجيد الطهي لتركتها منذ زمنٍ بعيدٍ.
يضحكُ الجميعُ وتعلو أصواتُ ضحكاتهم وتملأ الفضاءَ فرحاً…
طالَ غيابُ يوسفَ التائهِ عن بيتهِ. لا أحَدَ يعرفُ عنهُ شيئاً .. خيِّمَ الصمتُ على مداراتِ وجود عائلة أبو يوسف ؛ الأخواتُ حزيناتٌ .. الأمُّ دامعةُ العينينِ .. الأبُ حائرٌ بين البحثِ عن ابنه وإبلاغه حقيقة الأمرِ وبين أنْ يتركهُ يجتاز امتحانَ الحياةِ منفرداً .. وزوجةٌ مصمَّمةٌ على البقاء في المنزلِ ولو وحيدة لحين عودة زوجها…
في طريق عودة أبو يوسف وعائلته إلى دارهم من دون سناء توأمَ يوسف في الرضاعةِ. رمقت أمُّ يوسف زوجها وسألتهُ:
– ألم يَحِنْ الوقتُ للبحثِ عن يوسف لتخبره حقيقةَ الأمرِ؟
– لكنَّ تلك المرأة قد مزَّقتْ الإثبات الوحيد.
– لماذا فعلتْ هكذا؟
– قالتْ لم أعدْ بحاجةٍ إليه فأنا ذاهبةٌ للقاءِ ربيِّ.
– لكنَّكَ يجب أن تخبره حقيقة الأمر.
– وإنْ لمْ يُصدّقْ؟
– حينها نكون قد أخطأنا في تربيته وسيكونُ حينها غيرَ جديرٍ بنا.
الوقتُ غروبٌ .. ويوسف جالس في مكانه المفَضَّلِ .. وقد تناثرت أمامُهُ على الطاولةِ أكوابٌ طافحةٌ بمرارةِ الوحشةِ واليأسِ .. يقضمُ أصابعَ النَّدمِ لفقدانه أهلهُ وزوجتهُ .. يجنحُ نحو الحقدِ والانتقامِ من ماضٍ يجهلُ تفاصيلهُ…
دمعت عيناه .. تذكَّرَ زوجته الحامل .. لا يعرفَ مصيرَ ابنه المنتظرْ .. اعتصرَ قلبهُ ألماً على والديهِ اللذينِ علموهُ في أفضل المدارس والجامعات الأوربيةِ وقد عيَّنه والده في الآونة الأخيرة مديراً للشركة التي يملكها بكامل الصلاحيات…
ها هي الشّمسُ تلملمُ بقايا ثوبها لترحلَ .. ويوسفُ ما يزالُ جالساً في مكانه منذ طعام الغداء .. منغلقاً على ذاته .. غائباً عن أحلامه وطموحه .. أمواجٌ منتحرةٌ على الشاطئِ كعادتها.. عصافيرٌ منهمكةٌ في بناءِ أعشاشها .. وعجوزٌ ترمقه بعيونٍٍ مملوءةٍ بالرأفةِ والطيبةِ وتسأله:
– أتسمحُ لي أنْ أكلّمكَ كأمٍّ أو كجدّةٍ ؟
– إليك ما تريدين.
– عذراً يا بني. ابنتي وافتها المنيًّة وهي طفلةٌ وولدي الوحيد عشق البحرَ وأحبّهُ البحرُ أيضاً. وذات يوم استغفلني البحرُ وخطفهُ منيَّ ومع ذلك…
لحظاتٌ من السكونِ الحرجِ .. يصحو بعدها يوسفُ من غفلتهِ .. يتعاطفُ مع العجوز .. تدمعُ عيناهُ .. تمسحُ العجوزُ بقايا دمعٍ متصلِّبٍ تحتَ جُفونها .. وتابعت كلامها :
– لقد حللتَ عندنا منذُ أشهُرٍ وكانونُ على الأبواب والأشجارُ قد خلعتْ ثوبها لتغتسلَ بأمطار الشتاءِ. فأنا خائفةٌ بأن لا أُوفَّقَ بتامين راحتكَ. وكما يبدو ليَّ بأنَّكَ من أولاد النعمةِ رغم محاولاتكَ إِخفاء الأمر أكراماً لنا أو لإخفاء أَمرٍ ما.
– كلُّ ما في الأمرِ أنني وجدتُ الهدوء والسكينة عندكُمْ وأعتذرُ إنْ قصرتُ بشيءٍ.
– لا يا ولدي. لقد أغدقتَ علينا بالعطاءِ وأدخلت الفرحةََ إلى قلوبنا. أُصدقنا القول وسنضعكَ في عيوننا.
– أصدقكِ بأنني لستُ هارباً من وجه العدالةِ. ولمْ أرتكبُ أيِّ أثمٍ يدفعني للهروب عن الأنظارِ. لكن كلُّ ما في الأمرِ أنّني اكتشفتُ…
وبانكسارٍ يغالبُ الحزنَ الذي في داخله سألها :
– لماذا خلقَ الله اللقطاء؟
نظرتْ إليه ملياً وأجابته بكلِّ هدوءٍ:
– لله في خلقه شؤون. فكلُّ البشرَ سواسيةٌ أمام الله.
– لم أفهم ماذا تقصدينَ.
– إذا نظرنا للإنسان اللَّقيط كجسدٍ فإنّنا نكون غير عادلين وعديمي الإيمانِ . وهذا قتلٌ للنفس البشريّةِ. أما إن نظرنا إليه بمفهوم الإيمان الحق الروحاني فإنَّ الله جلَّ جلاله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله ونفخَ فيه من روحه…
– إذا من هم اللّقطاء ؟
– إنّ اللقيط حسب قناعتي وتجربتي هو لقيط الفكرِ والسلوك والأخلاقِ…
بعد لحظات من الصمت وتتركه وحيداً. كي تعود بعد دقائقْ ومعها فنجانٌ من القهوةِ وكوبٌ مليءٌ بالماءِ الباردِ.
دَمعتْ عيناهُ .. هاجتْ أنفاسه .. بَلعَ ريقهُ بصعوبةٍ .. تصلَّبتْ أوتار صوته وهو يفصحُ للمرأةِ العجوز ما سمعه من تلكَ المرأةُ وهي على فراش الموت حيث قالت له:
سامحني يا ولدي. وأحمدُ الله أَنَّني رأيتكَ قبلَ أنْ أَودعَ الحياة وأمانتي أن تكرمَ والديكَ سعاد وأبو يوسف ولولا كرمهما لكنتَ الآن… وتفارق الحياة دون …
و الآن أنا في حيرةٍ من أمري لا أعرفُ ماذا أفعلُ؟
– اهدأ يا ولدي وكنْ صلباً. فالحياةُ لا تقفُ عندَ أيِّ مشكلةٍ تعترضنا. وقل لي. هل أخبرتَ والديكَ عن مكان وجودكَ؟
– لا. وليسَ لديَّ الرغبَةُ بالعودةِ إليهما أبدا.
– إذاً أنتَ هاربٌ من الحقيقةِ…
– ماذا تقصدين؟
– الانسانُ الحكيمُ يجب أنْ يفكِّرَ برويَّة. ويتصرفُ باحترام. ولا ينغلقَ على ذاته ويفكّرُ بانزواء.
– ماذا أفعل؟
– أنْ ترُدَّ الإحسانَ بالإحسانِ وبعدها قرِّر ما شئتْ.

قبلَ غروب الشّمس .. الجميعُ في المستشفى .. حركةٌ دائمةٌ .. قلقٌ على الوجوه .. ولادةٌ مبكِّرةٌ .. امرأة تتألمُ وتناجي زوجَها الغائبَ .. دقائقٌ ويسمعُ صراخُ مولودٍ .. تذرف الدموعُ .. امتزج دمع الفرح مع دمع الحزن كما أمتزجَ القلقُ مع الاطمئنانِ.
تتقدمُ الأمُ من زوجها وتقولُ له:
لا فرحٌ دون عودة يوسف.
يَربتُ على كتفها بعطفٍ ويطمئنها بالبحثِ عنه منذُ يوم الغدِ.
نامَ يوسف قريرَ العين وهادئَِ البالِِ. وفي صباح اليوم التالي .. استيقظَ باكراً .. رتَّبَ حقيبةَ السفرِ .. عطّرَ جسدهُ .. استعدَ للعودة .. جهزَ قهوة الصباحِ .. وناد على العجوزين لارتشاف قهوة الصباحِ معه قبلَ الوداعِ.
في طريق العودةِ تذكَّرَ أيام طفولته وكيف كانت والدته سعاد تضمُّهُ إلى أحضانها لينامَ وهي تحكي له حكاياتٍ جميلةً. وما يزال يذكر تفاصيلُ حكايةِ تلكَ المرأة. التي غدرها القدرُ فنحرتْ أمومتها وسجنت عواطفها من أجلِ سعادةِ ولدها الوحيد. مسحَ براحتِهِ دمعةً هربت من عينه وهَمْهمَ:
لو استطيعُ أن أُقبّل يداك الآن أيتها الأم الطيّبةُ…
أسرعَ أبو يوسفُ في خطواته للقاء يوسفَ حين سمعَ أنَّهُ عادَ إلى الشركةِ. لحظاتٌ تبتلعُ بعضها بعضاً .. يبكيان وكلٌّ منهما ينظرُ إلى الآخرِ .. حيرة ورهبة وعناق …
بادره الأب قائلاً:
– يا ولدي. قاطعهُ يوسف:
– هناكَ وقتٌ طويلٌ لتروي لي كلَّ شيٍْ. المهم الآن أن نذهب لأقبلَ يدَ والدتي سعاد. وأطلب منها السماح والمَغفرةَ.
– ألستَ مشتاقٌ لرؤيةِ طفلكَ؟ صمتُ .. دهشة .. فمنذ أيام زوجتكَ أنجبتْ لنا طفلاً جميلاً.
رفرفتْ فراشاتُ الفرح بين أضلع يوسف وغادرا الشركةِ على الفورِ.
بعدَ أن زارَ والدته سعاد وقبَّلَ يديها وطلب المغفرةَ منها وعانقَ أخواته وغادر بيت الأهل للقاء زوجته.
في طريقه سمع همساتِ صوت زَوّجته أنغام وهو يقود سيارته .. كانَ صوتاً حنوناً مبحراً على أمواجِ بحورِ أيامه الماضيةِ .. صوتٌ يبثُ في نفسه أملاً بحياةٍ سعيدةٍ. فقرَّرَ أن يُعْلِمُها بكلِّ شيءٍ لتقرِّرَ بعدها ما تشاءُ
وقف للحظات أمام باب الدار .. نقرَ البابَ بأصابعه نقراتٍ خفيفةٍ متلاحقةٍ .. يفتحُ البابَ .. تطلُّ عليه زوجتهُ .. على ثغرها ابتسامة شفافةٌ مليئةٌ بالشوقِ والمحبَّةِ .. ضمَّها إلى صدرهِ وأمسكَ يدها برقَّةٍ .. قبَّلَ جبينها .. رمقّ عينيها .. أرادَ أنْ يلفظَ شيئاً .. أن ْيفصحَ عن سر غيابه .. لكنَّها ازدادتْ التصاقاً به. فأدركَ أنّها تحملُ سرّهُ .. وأدركتْ أنَّهُ أباحَ لها بكلِّ شيءٍ…
لبسَ المنامةَ .. استرخى على الأريكةِ .. تأمّلُ لوحاتً فنّيةً رائعةً معلّقةً على الجدرانِ لذاك الفنّانَ الحلبيّ المبدعِ في تجسيد حبِّهِ لعشتار وألوانُ لوحاته تُظهرُ براعة فنه في تجسيد عظمةِ الأنثى…
دقائق .. استرختْ أضلعه .. ضمَّ طفلهُ إلى صدره .. سجَتْ روحهُ .. حلَّقَتْ أنفاسهُ طرباً. حين لمحَ زوجته تحضِّرُ طاولة الطعام بكلِّ هدوءٍ والابتسامةُ لا تفارقُ محيّاها. فشعرَ أنَّ روحهُ عطشى .. عطشى .. لـ…

السابق
فكرة
التالي
الفرضية المهلهلة

اترك تعليقاً

*