القصة القصيرة جدا

اللوامة

تعشق شُرفتها قبيل المغرب؛ حتى فى هذا الطقس البارد. إن ديسمبر ليس بشهر التأملات. لكنها تلفعت بشال من الصوف، و إحتضنت كوباً من الشاى، ثم ألقت بجسدها على المقعد الهزاز.
كانت تود أن تغمض عينيها و تجلس بمفردها دون إزعاج، لكن محدثتها الثقيلة أبت أن تتركها و شأنها. قفزت برشاقة جالسة فوق السور الخشبى للشرفة، فإنتبهت لها و صاحت بها تحذرها من السقوط.
– “و هل تخشين علىَ السقوط حقاً؟!”
أشاحت بوجهها إذ ضايقتها النبرة الساخرة التى ألقت بها السؤال.
آثرت الصمت على الإشتباك معها فى جدل عقيم؛ لا تجيد مهاراته.
لكن المُحَدِثة لم تصمت؛ أضافت بنفس النبرة الساخرة و هى تأرجح قدميها فى إستهتار:
– “لا أظنكِ تبالى”!
خرجت الفتاة عن شعورها، و رمقتها بنظرة غاضبة، و همت أن تقول شيئاُ، لكنها راجعت نفسها لبرهة و سألت بهدوء مفتعل:
– “ماذا تريدين الآن؟”
تبدل مزاج المُحَدِثة على نحو مُدهِش، و إكتست ملامحها بالجدية، و قطبت حاجبيها فى ضجر قبل أن تقفز من جلستها و تقف معتدلة.
لم تنطق، لكنها أخذت تنظر إلى الفتاة نظرة ذات مغزى لا يفهمها سواهما.
و لدهشتها، فوجئت بالفتاة تنفجر صارخة فى وجهها، و كأن تلك النظرة القاسية قد أطلقت حمم بركان ما:
– “أعلم أننى ظلمتكِ .. بل تماديت فى ظلمك لسنوات .. كنت طفلة بما فيه الكفاية لأجهل أن أحداً لن يبقى لى سواكِ .. جاملت كثيراً من حثالة البشر على حسابك .. أخطأت التقدير .. أجرمت فى حقى و حقك و لم يعد إصلاح ذلك فى الإمكان .. فماذا بعد؟! .. هل سنستمر فى خسارة عمرنا و أعصابنا ثمناً لذلك؟!”
أطرقت المُحَدِثة برأسها فى آسى، ثم هزتها فى حسرة قبل أن تقول فى هدوء ليس من طبعها:
– “أتعلمين ما المشكلة؟ .. أن رؤية الناس بأخلاقهم و علمهم .. و هؤلاء لا يملكون مثقال ذرة من أخلاق، و لا خردلة مِن علم .. لذا تستحيل رؤيتهم بالعين المجردة! .. إنهم بالكاد موجودون!”
ثم أردفت بتنهيدة حارقة:
– “لا أدرى كيف منحتهم أنتِ هذا الحجم الزائف؟! لا أستوعب أساساً كيف إستطعتِ رؤيتهم دون ميكرسكوب؟!”
إمتصت الدعابة غضب الفتاة إلى حد كبير، فتبدل الإنفعال إلى إبتسامة باهتة سرعان ما إستدرت إبتسامة مماثلة على ثغر المُحَدِثة.
و همت الفتاة بتقديم إعتذار واجب، إلا أن محدثتها قد تبخرت فى الهواء.
كدأبها المعتاد فى كل مرة!

أستاذ مناهج اللغة الإنجليزية و طرق تدريسها المساعد بكلية التربية، جامعة كفر الشيخ. لها إهتمامات أدبية و صحفية.

السابق
من المجرم؟
التالي
مذابح

اترك تعليقاً

*