مقالات

المبدأ التفسيري لتحليل النصوص الأدبية

لم يكن المبدأ التفسيري لتحليل أي نص أدبي كما تعارف عليه في المؤسسة النقدية من خلال ما تفرزه غدد النقاد التقليديين؛ هو تفسير موضوع النص، ومحاولة تفكيك فكرته وما ترميه من أهداف للوصول إليها.
إذ أن تفسير الموضوع غاية الأسلوب الأدبي ومدى قدرة الكاتب على الإمساك باللغة وبلاغتها، وإثبات النظرية البنائية والتركيبية كما حددها بلومفيلد، وهي نظرية تهتم بالجانب الوصفي من اللغة، وتنظر إليها على أنها وحدات صوتية تتجمع لتكوّن المورفيمات* التي تكوّن الجملة، وبساطة الموضوع وسلاسته وطريقة عرضه تخص أسلوب الكاتب، ولم يعدّ الكاتب كاتبا احترافيا إلا وتحلّى بأسلوب جاذب مشوّق يعينه على توضيح موضوع نصه الأدبي، إذ أن البغية في النص الأدبي الوضوح وليس الغموض، والنص الذي يحتاج لجهد كبير في تفسير موضوعه مصاب بالعوار في بنيويته، وشرخ كبير في أسلوبه، وتكوينات لغته، ولكن الموضوع هو أحد معايير المبدأ التفسيري الذي كوّنه الناقد المحلل، وهو أحد الركائز المؤكدة له.
كما أن الفكرة صيّغها الموضوع، وهي الجوهر النفيس الذي انصهر في مخيّلة الكاتب ليصب في قالب يتوّجها وهو الموضوع، وهي تعدّ أيضا معيارا مؤكدا للمبدأ التفسيري، حيث التلوين الذي يظهره التصوير الجيّد من خلال أفكار مساعدة ابتكرها الكاتب من خلال الموضوع، والحدث الفاعل، والشخصيات، والحوار، هي بمثابة الطرق المتفرعة التي تؤدي بالمتلقي أو المفسر إلى الميدان الواسع الكبير -رأس الفكرة الأم- في النصوص القصصية والروايات، وهي معاناة الشاعر ومخزون مشاعره تجاه موقف معيّن أو شخص، وهي نتاج كل هذا وفق خياله المرّهف الذي يمثل روح الموضوع عندما تنداح الفكرة بداخله وتتخلل وتتشابك، وتلوّنها وتشكلها الصور الجمالية البديعية.
فلم يعد بعد هذا الآن أن يهجم ناقد تقليدي على نص أدبي في تحليله وتفسيره بشرح موضوع النص كما المترجم من الأعجمية إلى العربية، أو كما مفسر الإشارات للخرس، والتلعثم أحيانا في تفكيك الفكرة، لم يكن كل هذا الهراء مجازا في النقد الأكاديمي الحديث.
لابد للناقد أن يتناول النص الأدبي كما يتناول المحلل النفسي الإكلينيكي الحالة المرضية المستعصية، يحاول بقدر الإمكان فك شفراتها من خلال الاصغاء المتواصل للحكي -التداعي الحر الطليق- بلا ملل -سماع الحالة في الموضوع الواحد أكثر من مرة- الذي يوازي في النص الأدبي القراءة لعدد من المرات حتى يظهر له في كل مرة اكتشاف جديد من خبايا النص، حتى يكون قد وصله كل آنات المريض وأوجاعه، ويضع يده على مسببات الآلام وتفاقم المشاكل، كما الناقد برؤية النص الأدبي من جميع الأوجه والاحتمالات، والمحلل النفسي يكون قد وصل إلى تشخيص دقيق لا يحتمل أدنى خطأ ليضع مبدأ تفسيري واحد يبني عليه خطة العلاج الشافية الناهية بالتأكيد على جميع علل المريض، أيضا يكون الناقد المحلل المفسر للنص الأدبي وضع يده على مبدأ تفسيري واحد حقيقي صادق يعينه على تفسير النص وتحليله ليصل المتلقي لبغية الأدب من الإمتاع وسمو الروح، وكما يستقي المحلل النفسي مبدأه التفسيري للحالة ليعينه على وضع خطة للعلاج من دراسة تاريخ الحالة وبيئتها الداخلية والخارجية، يستقي الناقد المحلل من خلال الموضوع والفكرة والأسلوب واللغة والتكنيك والحدث الفاعل المفتعل مبدأ تفسيري يعينه على تحليل النص وتفكيكه لبغية الإمتاع، ويحرّض على محاربة النقص والتقصير..
أي أن الإنسانية الحديثة، وتعدد لسانيتها وتشابكها وتلاحمها، وإيقاعها الزمني الذي يقاس بالفيمتو ثانية يحتاج للنقد والناقد التطبيقي الحديث -يتعامل مع كل عناصر النص الأدبي- ليستخرج مبدأ تفسيريا واحدا ينطبق على كل هذه العناصر ولا يتجاوز بعضها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* مورفيمات: المكونات الصوتية والصرفية للألفاظ

السابق
مقطوعة موسيقية
التالي
اِرتـزاق

اترك تعليقاً

*