مقالات

المبدع أم النص؟

إلى متى يظل طيف الكاتب يهيمن على بريق النص ؟
إلى متى نظل نجري لاهثين وراء الفاعل ونهمل الفعل ؟
فبالأفعال تقاس عظام الأمور لا بأطياف الفاعلين : والاهتمام بالكاتب والاحتفاء به لذاته ، ظلم كبير في حق النصوص !
نطمح إلى التجرد من إصدار أحكام القيمة التي لا تقدم ولا تؤخر في المجال الإبداعي ، نطمح إلى التخلص من كل تلك العوامل الخارجية التي تؤثر على مصداقية التعامل مع النص سواء على مستوى القراءة النقدية ، أو النشر على الصفحات الإلكترونية أو الورقية ، أو حتى على مستوى التتويج !
نطمح إلى أن تفرض علينا جودة النصوص نفسها فنحترمها بقدر ما نحترم كتابها ، فروائع الإبداع الإنساني منذ فجر التاريخ ، كانت مجهولة المؤلف ، ولم يؤثر ذلك على خروجها عن حدود الزمن والمكان ، واختراقها للذاكرة البشرية على مر العصور والحقب ، فنحت منحى العالمية ببريق روعتها لا ببريق وضع كتابها الاجتماعي ، لم كل هذا الحرج أثناء التعامل مع النصوص نقديا ؟
كم أتردد لكتابة تعليق ما على نص من النصوص بكل حرية ، لأني أجد سيف الكاتب دائما مسلطا على رقبتي ، وعيناه تختلسان نظرات الإعجاب ، أو الاستنكار ، فأعدل عن ممارسة حريتي في قراءتي النص ،تجنبا لكل ما لا يحمد عقباه ،ولكأني برولان بارت يكرر صرخته سنة 1967 اتركوا الكاتب جانبا لا تعيروه اهتماما ومارسوا تفجير النصوص من الداخل ، ولا تتقيدوا باسم من الأسماء ، فلستم أحسن من سلفكم الذين صهروا عبقرية المؤلفين في عبقريتهم الجماعية ،فبنوا أفعال حكيهم للمجهول ، فكانوا على حق لأنهم ذوبوا أنانية الكاتب في إبداعاتهم الجماعية ، فأنتجوا بحق ما لا نستطيعه نحن أبدا و لن نبدع ندا( لألف ليلة وليلة )مرة أخرى وإن كنت أومن بأ ننا لا نستحم في النهر مرتين ، فقالوا ( يحكى أنه …يروى أنه ) فكسروا صورة المؤلف ، وإن لم يكن هناك مجال للمقارنة لأن لكل نص ظروفه وملابساته التاريخية وأسبابه الموضوعية لإبداعه !
ما أريد قوله هو أن الناقد قاريء ، والقاريء لا يقل أهمية عن المبدع ، لأن النقد أيضا إبداع منفتح على تعدد القراءات واختلاف الرؤى والتصورات ، وما دمنا نطالب بتوفير هامش من الحرية للمبدع ، إيمانا منا بأنه لا إبداع بدون حرية ، فالقاريء أيضا في أمس الحاجة إلى هذا الهامش ، حتى يتمكن من ممارسة قراءاته النقدية بكل موضوعية دون نفاق أبدي ينصب على شخص الكاتب مدحا أو تبخيسا أوتقريعا ، ويترك النص الذي عليه تدور دوائر القراءة النقدية بصفة عامة !
فالمبدع يغلق جميع نوافد ذاكرته على العالم الخارجي ، حتى لا يكون عرضة لأية مؤثرات تعوق إبداعه ومن بينها التفكير في القاريء المفترض أثناء هذه العملية المعقدة ، فالقاريء أيضا عليه أن يتجرد من أي تفكير في الكاتب ، حتى لا يزن كلماته في حق القائل ، ويهمش القول، إنها فعلا معضلة كبيرة جدا نعاني منها مبدعين ونقادا ، في كثير من الأحيان ما تحجب أسماء كتاب اكتسبوا شهرة لظرف من الظروف ، الاهتمام بنصوص غاية في الروعة والجمال فقط لأن أصحابها غير معروفين أو أنهم لم تسعفهم ظروفهم لنشر ذلك الكم من الغث والسمين الذي حظي به غيرهم !
أحد القراء / النقاد قرأ شعرا لأبي تمام ، فأعجب به أيما إعجاب ، وأثنى عليه ، لكنه بمجرد ما عرف أن ما قرأه يعود لأبي تمام تراجع عن أحكامه وأقواله الأولى ، ونزع الفحولة عن أبي تمام وحكم على شعره بالانغلاق ،هذا يدل على أنه كان صائبا عندما قرأ النص ، في غياب الشاعر ، لكنه حكم عليه بالنقيض ، في الوقت الذي قرأه من خلال استحضار الشاعر ، فغابت الموضوعية ، وحل الشاعر محل النص ، وغاب القول وحكم على القائل !
لعمري إن هذا المشكل سيقف أمام القراءة الموضوعية سدا منيعا ، فتسود المحاباة ، فيدوس الناقد على قناعاته الفكرية إرضاء للكاتب ، والغريب أيضا في هذا الباب ، أن ثمة أحكام مجانية تعزز مكانة الكاتب في المشهد الأدبي فقط من خلال كمه من منشوراته وفي أحيان أخرى ، تصبح هذه المنشورات ضوءا أخضر تمكنه من اقتحام أي نشاط ثقافي ، في الوقت الذي يقصى فيه المبدع الذي لا منشور له ، وربما يجيبنا الشاعر الكبير هشام الجخ عن هذا المشكل ، قالت له منشطة البرنامج في إحدى القنوات الفضائية : أنت شاعر كبير وليس لك دواوين منشورة ، فأجابها بذكائه : أنا أذهب إلى القاريء مباشرة ، ولست في حاجة لأنشر ، معنى هذا أن النشر ليس معيارا لقياس مكانة المبدع في المشهد الأدبي !
هناك روائع الفكر الإنساني لا زالت عبارة عن مخطوطات تأكلها الأرضة على رفوف المكتبات والمتاحف في غياب التحقيق والمحققين ، فالنص هو الفيصل الحاسم للحكم على جودة إبداع فلان أو فلان أو على رداءته ، في غياب تهميش الكاتب والاهتمام بالنص وتفجيره من الداخل بعيدا عن تلك المؤثرات الخارجية ،لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نمارس القراءة الموضوعية التي ترفع المبدع درجات من خلال نصوصه لا من خلال شخصه أو انتمائه الاجتماعي أو السياسي أو العقائدي ، كما ترفع النص درجات من خلال ما يحبل به من دلالات ومعان وأهداف إنسانية سامية وجمال فني ، لكن ليس كل( قاريء / ناقد )يتسم بالموضوعية ولو في غياب الكاتب ، لأن القراءة مسؤولية عظمى تحسب للقاريء أو تحسب عليه ، خصوصا إذا كانت قراءة مدونة ومكتوبة ، لأن هذا القاريء أو ذاك مفروض فيه الاطلاع والمعرفة الموسوعية نسبيا حتى يكون قادرا على وضع النص في المكانة التي يستحقها : تفكيكا وتحليلا وتأويلا وتفسيرا ، فالقاريء الذي لا مخزون له ولا تصورات له ولا ذوق ولا ذائقة له ، لا يمكنه أن يقرأ نصا يتعالق مع مختلف العلوم الإنسانية ويمتح من مختلف معارف الأزمنة والعصور ، التي تختزنها ذاكرة المبدع المتميز :فلا وجود لإبداع من فراغ ، ولا وجود لنقد من فراغ ، فالإبداع له مرجعياته وأسسه المعرفية وخلفياته الثقافية ، والقراءة لا تقل أهمية عن إبداع النصوص ، باعتبارها حفرا على جسد ها ، وإبحارا في بحور قريحة المبدع بحثا عن الدرر والجواهر ، فلا إبحار إذا كان المركب مهترئا والمجذاف مكسورا ، وللإبحار في متاهات النصوص ، لابد من الاستعداد المعرفي و تهيئ العدة والعتاد ، حتى تكون المغامرة ناجحة نسبيا و يكون الخروج منها بأخف الأضرار، وإلا فإننا سندمر هذه النصوص ، ونفقدها بريقها ، ونخدش جمالها ولو كان ذلك دون قصد منا ، فغياب التوازن المعرفي بين المبدع والقارئ تدمير للعملية الإبداعية برمتها !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
ميلاد
التالي
حنين

اترك تعليقاً

*