مقالات

المبدع من الإرسال إلى الاستقبال؟

متى يتحول المبدع من منطقة الملقي إلى منطقة المتلقي ؟ من مرسل إلى مستقبل ؟ من كاتب إلى متذوق نصوصه ، موظفا ذائقته الجمالية لتقويم إبداعاته ؟ وهل يمكن أن يساهم في تلقي واستقبال نصوصه ، ليجعلها منفتحة ،على قراءات صياغية لا تخصه إلا هو وحده؟ لأن تعدد قراءات الناتج الدلالي متعلقة بصفة خاصة بالقراء !
إن النص يظل مفتوحا على مصراعيه أمام مبدعه في حال اهتمامه بانفتاحه على الصياغة السياقية وطرق تركيب الجملة معنى ومبنى . وهذا الانفتاح لا ينتهي إلا بنهاية الكاتب ، فموت المبدع يعني إعلان نهاية انفتاح النص على الصياغة !
فقراءة المبدع نصوصه تكون لحظية متجددة في كل وقت وحين : حربائية تخضع لظروفه النفسية ،وأيضا للملابسات التي تتحكم بشكل أو بآخر في تجديد تصوراته لمحتوى نصه وتذوقه الصياغي ، فما كتبه اليوم قد لا يرضيه غذا ، فيضطر إلى إعادة النظر في مكتوبه . ومعين الذاكرة يظل متيقظا و لا يبخل أبدا بالجديد في النص سواء على مستوى اللفظ أوعلى مستوى المعنى ،مما يدفع هذا المبدع إلى تغيير تعابيره وجمله ، فيتحول إلى متلق يساهم في إعادة بناء النص بعد هدمه صياغيا ، وهذه العملية لا تنتهي أبدا وتستمر كلما أقبل على قراءة نصه !
مخطيء كل من يعتقد أن أمر النص ينتهي بمجرد نشره ، فقد ينتهي على مستوى الناتج الدلالي بالنسبة للقاريء ، لكنه لا ينتهي على مستوى الصياغة ،وهذه العملية هي ما يصطلح النقاد على تسميته بالتنقيح ،والمقصود به : التهذيب والتشذيب وإزالة العيوب والأخطاء العالقة به ، وأظن أن هذه الزوائد من أهم المعضلات التي تجعل الجملة مترهلة ركيكة، لا يستسيغها القاريء / المتلقي إذ لا تستطيبها الأذن العربية وتنفرمنها وترفضها بالسليقة ، نعرف أن الجملة تتشكل مما نسميه عمدة و مما نسميه فضلة : فالعمدة ضرورية لا يستغني عنها أبدا كالماء والهواء بالنسبة لحياة الكائن الحي ، فلا فعل بدون فاعل أو فاعل بدون مفعول ، أو مبتدأ بدون خبر إلى غير ذلك من أساسيات الجملة من مقولات لغوية تعمل على تكوينها على مستوى التركيب النحوي ، أما الفضلة فهي ما كان غير ضروري في الجملة ، إذ يمكن الاستغناء عنها فلا يحدث فيها أي خلل تركيبا و معنى ، ويمكن اعتبار الفضلة التي لا تخدم جمال الجملة من الزوائد كالوصف المبالغ فيه أو كثرة المعطوفات ، أما إذا كان يستهدف منها التبيين والتوضيح أو أنها تخدم جمالية الصورة فيها ، يمكن توظيفها مع ضرورة مراعاة الاقتصاد في ذلك ، فهذه الزوائد قد لا تعجب المبدع فيعيد النظر في استعمالها فيشطبها ،أما على مستوى التراكيب ، فإن المبدع قد يلاحظ أن مواضع هذه المقولات اللغوية ليست في مواضعها الصحيحة !
فالمبدع كالمهندس /البناء ، إذا أخطأ وضع الآجرة في مكانها المناسب يؤدي ذلك إلى انهيار البناء كله ، وأعتقد أنه لا فرق بين بناء سياق النص وبناء جدار منزل ، فهذا التركيب يساهم بشكل أو بآخر في دعوة المبدع لممارسة نقد إبداعه وإصلاح وتهذيب ما يمكن تهذيبه ! ،ورغم ذلك فإن هذا التركيب أو ذاك لا يستقيم أبدا ، إذ يظل كالشبح يطارد المبدع من حين لآخر ويدعوه لإعادة النظر فيه و في ما كتب وما قلناه عن التراكيب ، واختيار الكلمات التي تظل باهتة لا قيمة لها حتى يعطيها المبدع البريق الذي تستحقه من خلال اختيار مواضعها في جغرافية الكلام ، وما نقوله عن الجملة والعناصر اللغوية ، نقوله على الروابط اللفظية التي تفقد النص جماله وروعته ، فيكون الكاتب ملزما بإعادة النظر فيها وضرورة الاقتصاد فيها مع التركيز على الروابط المعنوية التي تختفي وتستتر وراء التراكيب السياقية !
ولعل إهمال عملية التنقيح تعتبر من أهم العوامل التي تساهم بشكل مباشر في ضعف الناتج الدلالي في الأدب ،سواء كان شعرا أو نثرا ، فالمبدع أشبه بالريم التي تضع وليدها فتمعن في تنقيته من شوائب المشيمة قبل معانقته حياة الحرية ، إلا أن الفرق بالنسبة للريم قد تقع التنقية من الشوائب مرة واحدة وينتهي الأمر ، أما المبدع فترافقه عملية التنقيح والتنقية في كل لحظة تتغير فيها مواقفه من إبداعه فكلما قرأ نصه عنت له أفكار جديدة كالبرق تخترق ذاكرته !
والتنقيح يقع من النص الأصغر إلى النص الأكبر ،أي شطب شوائب الجملة ، أو شطبها كاملة وفي أحيان أخرى قد يضطر الكاتب إلى شطب النص بأكمله لأنه لم يستعذبه ولم يعجبه ، يقول روبرت هنري [لكي يكون الفنان ممتعا للآخرين لابد أن يكون ممتعا لنفسه ، وأن يكون قادرا على الشعور المكثف والتأمل العميق].
فهناك الكثير من الرواد في مجال الإبداع الأدبي كانوا يضطرون إلى شطب الرواية بأكملها ، ويبدؤون من جديد ، فمتعة النص تبدأ من المبدع ،و إذا لم يرض على إبداعه لا يمكنه بأي حال من الأحوال إرضاء قرائه ،لأن المبدع ناقد وقاريء إبداعه قبل أي قاريء آخر ، وأشير هنا إلى رواد كبار من الشعراء العرب القدماء الذين كانوا يتجاوزون الحول في تنقيح قصائدهم الشعرية لأنهم لا يريدونها إلا رائعة ترضي الملقي و المتلقي وتخترق الزمن والمكان ، وقد سميت هذه القصائد بالحوليات ،وعلى رأس هذه المدرسة زهير ابن أبي سلمى !
عجبا لأمربعض كتابنا الذين لا يعيرون أدنى اهتمام لمسألة التنقيح والاقتداء بمن سبق ، فالتسرع في النشر ، وعدم إعادة النظر في المنشور يساهم في رداءة الأدب وتدني مستواه وخفوت بريقه فالنص يظل مسودة إلى أن ينتهي أمر صاحبه ، والإبداع الرائع الذي تستطيبه نفس مبدعه تستسيغه ذائقة القاريء، والذي لا يتحول من مبدع إلى ناقد لنصه ،لا يعتبر مبدعا أبدا لأن إنتاج الدلالة الرائعة والتركيب الجميل لا يتأتى لمن يهمل عملية التنقيح ، وهنا لم أتطرق الى تنقيح النص من الأخطاء النحوية واللغوية والإملائية، لأن المفروض هو أن يكون النص المنشور خال منها تماما ،حتى لا يتحول كاتبه إلى مسخرة للقراء ، فالكتابة مسؤولية عظمى ، ينتقل المكتوب من الملكية الشخصية إلى الملكية العامة بمجرد نشره ، فالناتج الدلالي يستمر أبد الدهر مفتوحا على القراءة لأنه مفروض فيه كنص إبداعي الانفتاح على تعدد القراءات تأويلا وتحليلا وتفسيرا ، والقراءة بطبيعة الحال تخضع للظرف المكاني والزماني والنفسي للقاريء ،فلكل عصر قراؤه إذ تختلف تصوراتهم للنص حسب موقع ومكانة القاريء الاجتماعية ، وتبعا لخلفيته الثقافية ، أما الانفتاح الصياغي فهو شخصي ، مقصور على المبدع فقط ، يرافقه مدى حياته في مجموعة نصوصه ، وينتهي انفتاحه بانتهاء حياة مبدعه ، فهلا انتبهنا إلى أهمية التنقيح في إبداعاتنا ، حتى ننتج نصا ترضى عليه الذائقة الجمالية للقاريء مهما تباعدت ظروفها التاريخية والزمانية والمكانية ، ومهما اختلفت المخزونات المعرفية لهذا القاريء او ذاك !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
مِقصَلةٌ
التالي
الصياد والبحر

اترك تعليقاً

*