القصة القصيرة

المتشرد

لا أحد في هذه المدينة الصغيرة التي يعولها المحيط الأزرق و تعبث بها الرياح ، كان يعرف له أصلا أو اسما أو عنوانا أو مأوى …كأنه خرج من باطن الأرض أو انشق عنه السديم في المكان والزمان ، البعض يخاف من هيأته و البعض يشمئز من صورته …والكثيرون يعتقدون أنه كائن ممسوس وصاحب كرامات …رجل أشعت أغبر عاصب الجبين يرتدي الأسمال و نعلا من المطاط ، تفوح منه رائحة الميناء كقارب صيد ، على ظهره سلة صغيرة من تلك السلال التي يعبئ بها الصيادون سمك السردين من عنابر السفن … يسير بين الأزقة و الحواري غير مبال بأحد ، غير مستجد و لا مستكين ، يخطو في مساره بخطى حثيثة كأنه على موعد غرامي أو كمن نذر نذرا، يصادف أحيانا أن يعطف عليه مترف أو عابر سبيل ببعض الدريهمات ؛ فتأبى يداه أن تكون السفلى ، حتى إذا دسوها في سلته خلسة ؛ قام بنثرها على الفور فوق الاسفلت وداسها بنعليه باحتقار و أنفة ثم بصق عليها متمتما بما يشبه السباب…حين يشتد به الجوع يعرج على باعة الخبز في حي الخبازين ليأخذ من أحدهم خبزا بتلقائية و مشاعية؛ فيسعد بذلك البائع مستبشرا طيلة اليوم ببركته وكرامته وكله يقين أن بضاعته ستنفذ و تباع قبل الغسق ، تاركا الباعة الآخرين في حالة غبطة منه وحسد…حتى الأطفال الذين عادة ما يستفزون المشردين والمجانين و ينغصون عليهم طقوس الوحدة والدروشة بالرجم و الصياح فيهم ، كانوا يتحاشونه و يرهبونه لما يظهر عليه من بأس و زهد في ملذات و مغريات حياة المدينة…نظراته السوداء القاسية الجاحظة و يداه التي تخمش من يلامسها ، كانت تعطي الانطباع على أنه رجل صلب مثير للدهشة والغرابة ولا تجرئ عليه أحدا…يمشي في سبيله دون أن ينبس بكلمة ودون أن يفاجئ المارة بحركة غير محسوبة أو متهورة ، عاقل أكثر من أصحاب الثياب الأنيقة والروائح الزكية، لايبدو عليه التعب و لا الجوع و لا يقرسه البرد شتاء و لا يلفحه الحر صيفا ، لا تكاد ترى له ابتسامة إلا حين يرقب أجنحة السماء أو يقف بخشوع راهب بودي أمام البحر ، لذلك تراه يسرع كل يوم بشكل موقوت إلى رصيف الميناء ، ما أن يقترب من إحدى سفن الصيد حتى يملأ صياد ما سلته بأسماك السردين الطازج حديث الخروج من الماء الأجاج…كم يكون سعيدا بذلك فيعود أدراجه إلى ساحة من ساحات المدينة ، يتوسط باحتها ، و يبدأ في مراسيم طقسه الصوفي و الوجودي ، يزعق زعيقا كأنه النداء ، فيلفت فضول الأهالي والأجانب العابرة والجالسة في المقاهي والحواشي… ينتظر الكل و يراقب هذا الساحر الطارئ على الزمان والمكان ، الذي يصوت بأصوات أشبه بصوت السُّنَار …ما هي إلا لحظات حتى ترى السماء حوله مغطاة بأجنحة النوارس تلبي دعوته وتأتيه من كل جانب ، تتراقص فوق رأسه و تقاسمه نشوته ؛ فيرحب بها أيما ترحيب و يمد يديه إلى سلته ليرمي إليها بأسماك السردين في كل اتجاه كفلاح ينثر البذور؛ هكذا يبدأ مهرجان وليمة النوارس ، بكرم حاتمي …منظر سريالي تلتقطه بنهم صور السياح والقلوب والأعين ودهشة الأطفال ، لحظة لا ينساها من رآها أو من صادفها في طريقه وتجواله …حين يفرغ سلته و يرى عياله قد ابتلعت و شبعت …يصدر نفس الزعيق مرات عديدة إلى نوارسه الفضية والرمادية بأن تعود إلى فضائها وساحلها …و بطاعة عمياء تغادر بعد أن تبزق على الجميع و تستثني من إغارتها ” أبو النوارس” الذي يبدو وسط الساحة كمايسترو يسير جوقة من الأجنحة الرفافة ، منهيا سمفونيته بزعقة أخيرة تنقشع عنها سماء صافية لا يشوبها جناح أو سحاب …تلك كانت عادته اليومية وذلك كان نذره الخاص في هذه الحياة ، لا يخلف ميعاده ولا يعجزه جو ماطر أو عاصف …وحتى عندما يشح و يبخل البحر يدعوها و يطعمها الخبز المبلل بالماء …استمرطقس المتشرد النبيل مع نوارسه لبضع سنين ، طبع فيها ذاكرة الأهالي والزوار بإثاره ، وذاع صيت شطحه حتى صارحديث القاصي والداني… ذات مساء خريفي، ترقب الناس كما العادة ظهوره في الموعد ، انتظروا لوحته الوجودية على نار وبلوعة …حامت النوارس حول المكان ،وقفت على السطوح ترهف السمع لزعقة من زعقاته فلم تسمع صوتا ولا نبرا … مرت أيام و أسابيع ، انقطع خبره و ضاع أثره ، بتوالي الغياب نسيه الناس كأنما لم يكن يوما ، لا أحد اهتم باختفاء رجل نكرة فضلة ، لا أحد تكلف العناء في السؤال عنه إن كان حيا أو ميتا ،كان الجميع يحب شطحاته الغرائبية فقط، لذلك انصرفوا عنه إلى مآربهم و عوضوا بعروض طابور آخر من الدراويش و المشردين ، مع مرور الأيام سلم الجميع برحيله نحو وجهة ما تباعا لمزاجه وجموحه ، وطويت الصفحة…
غير بعيد عن المدينة الوديعة الهادئة، ساق أحد الرعاة قطعانه إلى أطراف الغابة المتاخمة للبحر لينتعش برطوبة الساحل هربا من القيظ … بينما كان يمشي و يحث الماشية على التقدم إلى الأمام، اشتم كلبه رائحة كريهة على تلة ؛ فتبعه مهرولا دون أن يغفل عن رعيته ، كلما اقترب أزكمت النتانة أنفه ، ظنها في البداية لجيفة من جيف الغابة أو لمطرح أزبال …لكن الكلب استرسل في نباحه مزعجا المكان مثيرا الانتباه…شق الراعي بفضول سبيلا بين الأحراش حيث مصدر النباح ، ليصدم بوجود جثة مسجاة فوق أسمال وقطع من الكارطون تظللها غصون عشوائية لشجيرات نمت على الكثبان الرملية…انتهى الخبر إلى الناس و التقطه أمن المدينة من الأفواه و الهمس ، أسرعت إلى عين المكان بعض العيون والأيدي والنياشين، نقلوه إلى الطب الشرعي في المشفى ثم أودعوه الثلاجة بعد أن تبين أن الموت طبيعي وليست هناك من علامة في الجثمان تثير الريبة أو تدعو للتحقيق …لم يفتقده عمدة ولا فضلة ، لا قريب ولا حبيب …بعد مدة شيعت جنازة الراحل الغامض قبيل الغروب في آلة حدباء دونما موكب و دونما عويل ، و بسرعة بالغة حفروا له حفرة في المقبرة ، رموه فيها و هالوا عليها التراب ورصوا الحجارة كمن يتخلص من عبء ثقيل … نامت المدينة وأغلقت الأبواب و النوافذ على لغو كثير ونسج حكايات لا تنتهي …وحدها النوارس من تركت الميناء والشاطئ تلك الليلة واجتاحت ظلام المقبرة لتقيم عليه سرادق العزاء في الهواء بالرفيف و الزعيق… نحيب هي حتى مطلع الفجر…

السابق
قلبي المحطم
التالي
هي أعني

اترك تعليقاً

*