مقالات

المتكأ

إن من طبيعة المشاهد في السرد عموما، أن تستقل ببنيتها الخاصة- دلالة ومضمونا- استقلالا نسبيا، يكفل لها الانفراد بجزء من القصة، تتكتل فيه المشاعر والأفعال حول بؤرة واحدة. تسير فيها الأحداث الجزئية في ضرب من التصعيد والتوالي نحو نتيجة محددة. غير أنها تفتح في المسار السردي العام، بابا للانتظار يمكِّن المشهد التالي من حلول ساحة السرد، والانتظام في سلك القصة العام. هذه الخاصية يحكمها قانون السبب والعلة، كما تحكمها هندسة القص في التقديم والتأخير، أو التخطي والتراجع. ويكون موقع المشهد في المسار السردي العام، موقعا تبرره النتيجة التي انتهى إليها المشهد السابق. وكأننا أمام حبات العقد التي تنتظم فيه استنادا إلى قيمتها وحجمها، فلا يجوز زحزحتها عن موقعها ذاك لاختلال النظام العام للسرد.

بسم الله الرحمن الرحيم.
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(34)ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ(35).

1-تقديم:
هذه الخاصية ندركها جيدا في السرد القرآني حين نكتشف الانتظارات التي تتولد في كل مشهد، فتوقف حركة المتابعة ريثما يتأتى لها في المشهد التالي سبيل الاستمرار والانبساط. ومن خاصية الانتظار أن ينفتح على جملة من الاحتمالات الممكنة. والتي يستعملها السرد فاتحة لدلالات ممكنة الوقوع مما كان يرقبه التوقع. فالمشهد الذي توقفت فيه الحركة عند طلب إعراض يوسف  عن حادثة المراودة، يبقي في نفوسنا ترقبا، يتحول إلى المرأة التي خرجت خائبة خاسرة في جولتها تلك. فلا بد لها من جولات أخرى تتغير فيها أداة الضغط على الفتى. لن تكون مراودة كما كانت! بل ستكون أمرا آخر أشد وقعا، تتجاوز أصداؤه جدران القصر، فتشيع بين الناس.
إن هذه الطبيعة في المشاهد، تجعل التعالق بينها شديد الالتحام قوي الوشائج. فلا ينتهي المشهد بحيثياته وأحداثه إلا ليكون تمهيدا خاصا لمشهد يليه، يسترفد عنه الطاقة التي شحنت فيه. وكأن المشهد يدفع بما فيه إلى المستقبل. فلا يكون هذا الغد إلا رَكْمًا لأحداث الماضي تفعل فيه فعلها الخاص. فمملوكية يوسف  واسترقاقه الذي حدث في المشهد الأول والثاني، يستمر تأثيرها فيه في المشهد الثالث والرابع. فيكون العبد المأمور بما يكره، فإن أبى فالسجن والصغار. فالماضي الذي حفلت به المشاهد الأولى، لم يتوقف دسيسه الخفي والظاهر في المشاهد التالية.
قد يوهمنا هذا التصور أننا نرى السرد إنجازا خطيا، يتجه من الماضي إلى المستقبل أبدا. بيد أن ذلك وهم مردود إذا علمنا أن القص يتجه أبدا من الماضي إلى المستقبل مهما كان ذلك القص، ومهما كان موضوعه. غير أن هندسة السرد فيه قد تلجأ إلى ألوان من الحركة فتقدم وتؤخر، وتتخطى وتتراجع. ولكنها في فعلها ذاك، لن تستطيع الفلاة من خطية الزمان وجبرية المكان. وكأن السارد حين يشرع في الحكي يختار لنفسه السبيل الذي يُكسب قصّه التشويق الأقصى. فيجعل لها تواليا خطيا، أو دائريا، أو مفككا.. أو ما يشاء من الأشكال.
غير أن هذه الرغبة ليست ملقاة في يد السارد، يفعل بها ما يشاء. لأن القصة تفرض –من خلال طبيعتها- شكلا يلائم سردَ أحداثها، فيكون الشكل منبثقا من خصوصيتها. وليس أمام السارد إلا تلوين هذا الانبثاق بما يتأتى له من عبقرية الحكي والإخراج. وقصة يوسف  اقتضت شكلا دائريا، تحدد فيه الرؤيا وتعبيرها المدارَ الذي تنتظم فيه المشاهد بين محورين: محور الانفعال الذي تقود فيه الأحداث الشخصيةَ إلى مصيرها، ومحور الفعل الذي تقود فيه الشخصية الأحداثَ إلى غايتها. والخطية التي نراها في التوالي المشهدي ليست خطا مستقيما فقط، بل الاستقامة التي يتلاقى طرفاها بين نص الرؤيا وتأويلها. فالوهم في الدائرة وليس في الخطية ذاتها.

2-النسوة، لغة الشائعة والمكر:
لقد سبقت الإشارة إلى أن السرد القرآني انفرد بما يسمى بالشخصية الجماعية التي تتحرك في السرد حركة واحدة، ذات قصد واحد. وكأنها في تلاحمها تشكل شخصية واحدة. فيعاملها السرد معاملة الذات المفردة، على الرغم من تباين عواطفها وأحاسيسها. غير أنها في حركتها تلك، يخيل إلينا أنها شديدة التلاحم والتماسك. والتعبير بهذا النمط من الإخراج، يلفت القارئ إلى طبقة محددة، نجد فيها سماتها الاجتماعية، والنفسية، والثقافية. وكأننا حين نتملى تركيبة هذه الشخصية، ننتهي سريعا إلى الفكر المحرك لها من خلال الفعل والقول. بل نستطيع إعادة بناء الإطار الاجتماعي والحضاري لها.
إنه المرتكز الذي يمَكِّننا من تحديد إطار المشهد الرابع في السرد القرآني. ذلك الإطار الذي تحدده طبيعة الشخصية الجماعية التي تتحرك فيه. فتصدر منه أقوالها، وأفعالها، وأحاسيسها. والمشهد إذ يقدم هذه الشخصية في مفتتحه، يريد منا أن نلتفت إلى الطبقة، وما يلحقها من ألوان السلوك. فإذا المشهد فضاء من قصر، نثرت فيه الزرابي والسجاجيد، والوسائد.. وإذا بالحضور نسوة من علية القوم، يتكئن في حلقة كثرة العدد.. يتناولن أصناف الفاكهة.. يتجاذبن أطراف الحديث.. يتساءلن عن سبب اجتماعهن.. قد يتهامسن في حضرة السيدة.. قد يجهرن بالقول في غيبتها..
إن الجلسة يعمرها كثير من الترقب والحذر.. كثير من التوجس والتساؤل.. لأن الداعي إليها حدث غريب لم يسبق له مثيل في عرف الحاضرة. فالترقب حالة من الانتظار يخالطها الكثير من التساؤل المكتوم، لا يمكن للمجال المترف أن يجيب عنه. خاصة وأن كل امرأة منهن قد قالت قولتها في السيدة، أو رددت قولا تناهى إليها من غيرها. فإذا نظرن إلى بعضهن بعضا، ألفين نساء الخاصة يتحلقن حول متكأ جمعت فيه أصناف الملذات، وهن يشعرن أنها في غير مقامها. فالترقب الذي يهيمن على المكان، يجعله مسرحا لكثير من الأفكار التي تتعارض فيما بينها وتتضارب. وكل واحد منهن تجد في نفسها حقيقة الحضور الذي أجلسها ذلك المجلس. غير أنها لا تعرف نهايته. إنها ترى في المقام دعوة لطعام.. وتشعر أن وراء الطعام أمر يتصل بالسيدة وفتاها. وكلما طال المجلس، طال الترقب، وازدادت النظرات حيرة، وانشعب الترقب في هواجس متعاقدة.
ربما كانت السيدة تدخل وتخرج، تاركة للهواجس أن تفعل فعلها فيهن. تبتسم لهذه وتلك، وفي نظراتها أطياف المفاجأة التي تنتظرهن. وكن يعلمن أنها تخفي في حركاتها تلك سرا يتعلق بها وبهن. وكأن المكر الذي صدر منهن يقابله مكر فاخر يصدر منها الساعة. لقد أفلحت لغة السرد القرآني في حشد أطياف الترقب من مفتتح المشهد ذاته. إذ بدأته بالوصف العام للموقف الذي انتهى إليه خبر السيدة مع غلامها. وساقته في لغة الشائعة التي لا تعرف سدا ولا حدا، وإنما تتطاير من فم إلى أذن تطاير الهباء الخفيف. تستملحها الأحاديث العابثة، غير أنها تنتهي إلى حكم تصدره الطبقة العلية التي تستنكف مخالطة العبيد والخدم والخول، وتترفع عن معاشرتهم. وكأن اللغة تشير من طرف خفي إلى أن مكر السيدة لا يأتي من الشائعة ذاتها، بل من هذا الاستنكاف الذي يجعل فتاها في مرتبة الغلام الرقيق. فالحكم الذي أصدرته الطبقة: إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ  لا ينفي -في عرفهن- إمكانية تعلق السيدة بحب شاب جميل، بل ينفي تعلقها بالغلام الخادم فقط. إنهن يقررن الشطر الأول من الإمكانية، وينفين شطرها الثاني. ومنه يأتي مكر السيدة انتصارا لفتاها أولا، قبل أن يكون انتصارا لها. إنها إن غيرت موقفهن منه، فقد غيرت الموقف العام من الشائعة نفسها.
فلغة السرد إذ تنصرف مباشرة إلى الشائعة ومضمونها –على مستوى النسوة ومنطقهن- لا تريد أن يكون للمشهد معنى الانتقام، بل تريد له أن يكون مصححا لوهم وقعن فيه: وهم الغلام الخادم. ومن ثم كان تدبير الكيد بهن قائما على وقع المفاجأة التي تُحدث صداما بين تصوراتهن وواقع يوسف  . فكان إعداد المتكأ، بما يستتبع من إعداد وتحضير، وبذخ وترف، لونا من تحضير الانتظار الذي تفعل فيه العواطف المتناقضة فعلها المكين. فالترقب في المشهد عنصر بالغ الأهمية. إذ لسنا نتصور أن السيدة قد كشفت عن يوسف  من أول وهلة. بل يقتضي التدبير في كيدها أن تستمر بهن من طعام إلى شراب، ومن شراب إلى طعام، ومن حديث إلى حديث، حتى يتمكن منهن الاستئناس مبلغه، فيسترسلن في أحاديثهن وقد تبدد الترقب، وتلاشت الهواجس، وبدا الانبساط مهيمنا على المجلس. حينها فقط يكون التجلي أشد وطأة على أبصارهن وقلوبهن.
لقد درست السيدة الموقف جيدا، وعلمت منه ناتجه الأكيد. ذلك اليقين فيها الذي خول لها اختيار أداة المكر المؤلمة. فإذا قرأنا الآية، وتوقفنا عند عناصر المكيدة، رأينا فيها سبق العلم بالناتج الحاصل وراءها: فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا فأدوات المكيدة بينة الفعل والنتيجة من أول وهلة.إنها:
-المتكأ: « قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، والسدي، وغيرهم: هو المجلس المعد، فيه مفارش ومخاد وطعام، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه» (1) وفيه كذلك ثلاثة أقوال:« أحدها: أنه المجلس. فالمعنى هيأت لهن مجلسا، قاله الضحاك، عن ابن عباس. والثاني: أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها. قاله أبو صالح، عن ابن عباس. وقال الزجاج المتكأ ما يتكأ عليه لطعام، أو شراب، أو حديث. والثالث: أنه الطعام، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال ابن قتيبة: يقال اتكأنا عند فلان إذا طعمنا. قال جميل بن معمر:
فظللنا في نعمة واتكأنا وشربنا الحلال من قلله
والأصل في هذا أن من دعوته ليطعم، أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة. فسمي الطعام متكأ على الاستعارة. قال الأزهري: إنما قيل للطعام متكأ، لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكؤوا. ونهيت هذه الأمة عن ذلك» (2)
-السكين: قد يكون المتكأ لوحده كاف ليتضمن السكاكين، غير أن تحضير السيدة للمكيدة جعلها تلتفت أساسا إلى السكاكين لتكون الأداة الأكثر استعمالا في الطعام. وربما اختارت من الفاكهة ما لا يؤكل إلا بالسكين. فتكون الفاكهة في آخر الطعام وقد استتبت الطمأنينة بالنسوة، فيكون ميعادها تجلية يوسف  لهن.
إنه التدبير المحكم الذي اختارت له السيدة الميقات، والأدوات، والنتيجة. وهي تعلم مسبقا ما ستؤول إليه الحادثة في النسوة. فكان التدبير قياسا على كيدهن أنفسهن. ذلك أننا إذا أعدنا قراءة فحوى الكيد فيهن، وجدنا أن الأمر –كما فهمته المرأة- ليس مجرد شائعة فقط، بل تهمة تتسع دلالاتها لتحط من شأنها ومقامها كلية. وقد فطن نص التفسير إلى ذلك الخطاب الذي تجاوزها إلى القيم التي تؤمن بها، فرأى في قول النسوة عشرة وجوه من المكر:
-أحدها: قولهن: امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا ولم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادى عليها بقبيح فعلها، بكونها ذات بعل. فصدور الفاحشة من ذات الزوج أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
-الثاني: لأن زوجها عزيز مصر ورئيسها وكبيرها. وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
-الثالث: الذي تراوده مملوك لا حر، وذلك أبلغ في القبح.
-الرابع: أن فتاها الذي تراوده، هو في بيتها، وتحت كنفها. فحكمه حكم أهل البيت بخلاف من تطلب ذلك من الأجنبي البعيد.
-الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
-السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ حتى وصل حبها له شغاف قلبها.
-السابع: أن من ضمن هذا، أنه أعف منها وأبر وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع عفافا كرما وحياء. وهذا غاية الذم لها.
-الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصفة المستقبل الدالة على استمرار الوقوع حالا واستقبالا. وأن هذا شأنها. ولم يقلن راودت فتاها. وفرق بين قولك فلان أكرم ضيفا، وفلان يكرم الضيف.
-التاسع: قولهن: إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي إننا لنستقبح منها هذا غاية الاستقباح. نسبن الاستقباح إليهن. ومن شأنهن مساعدة بعضهن على الهوى.
-العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط والطلب المفرط. فلم تقتصد في حبها ولا في طلبها. فنسبوها إلى شدة العشق وشدة الحرص على الفاحشة. (3)
إن نص التفسير إذ يرهف السمع إلى فحوى خطاب النسوة، يكشف عن الطاقة التعبيرية التي تمتلكها اللغة في تعبئة الدلالة بمعاني حافة يمكن رفعها من حالة الكمون إلى حالة التجلي. فقط من خلال التوقف عند ظلالها الممتدة من اللفظ إلى المعاني المتعلقة به. وكأن السرد القرآني لا يريد من وراء الاقتصاد اللغوي السكوت عن مؤثثات المشهد السردي، بل يريد من مشاركة القارئ أن تكون يقظة، تلتقط عنه الظلال التي تفتح أمامه حقيقة المشهد المعيش حين المكر ذاته. فلغة الشائعة ليست حديثا عاديا كالذي تجري به الألسنة في البيوتات. بل هو حديث يتصل بالقيم التي تؤمن بها النسوة في مقامهن ذاك.

3-التجلي، ألم المكاشفة:
يدرج السرد القرآني الحديث عن التجلي مباشرة بعد إيراد خبر السكاكين. وكأني بالحادثة تتم على النحو التالي: لقد قدمت السيدة لضيفاتها أصناف الطعام والشراب، وتركت للوقت أمر استتباب الطمأنينة فيهن، فلما رأت فيهن الاسترسال والاسترخاء، والضرب في أحاديث مختلفة، قدمت لهن الفاكهة و فيها السكاكين، فشرعن في تناولها. وكان ذلك منها توقيتا للحظة التجلي. ذلك ما يعرضه السرد على نحو من الاقتصاد والتتابع: وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ  فالتدبير المحكم للمكيدة، يجعل لكل فعل من أفعالها توزيعه المحدد الذي يعطي للمشهد في صدر المرأة لذة الكيد ومتعته. إنها في ذهابها بينهن، تتحسس اللحظة التي يكون فيها التجلي في أشد لحظاته فتكا بهن.
ولا يفوت السرد القرآني تسجيل هذه الحركة التي يضج فيها المجلس، ويتحرك حركة منفعلة. فيها كثير من الاضطراب والبلبلة. غير أنها لحظة يتوزعها الهمس الخافت، والشهيق العميق. تنفتح فيها الأعين انفتاحها الجاحظ، ويغيب فيها الحس غيبة التخدير، فتتعطل الملكات، وتستمر بعض الأعضاء في أداء فعلها الأول دون أن تشعر به. إنها تستمر فقط من غير أن يكون لإرادتها موجها أو مرشدا.  فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (يوسف31)
تقدم أدوات الربط في الآية الكريمة، نمط الحركة المشهدية وطبيعتها في الأفعال والنفوس. إذ لسنا أمام فعل واحد تأتيه امرأة واحدة. بل نحن –مثلما يقول نص التفسير- أمام جمع منهن بلغ الأربعين امرأة. غير أن الصدمة فيهن وحدت الفعل الناتج عن المكاشفة توحيدا ترتفع معجزة الحدث إلى مصاف، قد تكشفه أدوات الربط في الآية:
-الفاء: للتعقيب. فهي لا تترك بين الحادثتين من فاصل يتراخى فيه الزمان. بل يفصح التعقيب عن المباشرة التي تجعل الفعل التالي ينتج عن الفعل الأول حال وقوعه. فإذا ربطنا بين فعلين بالفاء، فإن مرادنا فيه محو الفاصل الذي يمكن أن يتخيله السامع، أو يتوهمه.
-لما: الظرفية التي يكون فعلها ماضيا. وارتباطها بالفاء في هذا المقام لتحديد زمن التجلي وظرفه. وكأن المسألة في المشهد متعلقة بثقل اللحظة التي تعانيها النسوة قبل كل شيء. إنها لحظة –على الرغم من فجائيتها- يتباطأ فيها الزمان تباطؤا عجيبا. إن دقائقها تمر وئيدة تتيح لكل واحدة منهن فرصة ملء ناظرها من جمال الفتى. ذلك الزمن الذي تعطلت فيه الأحاسيس، وإن استمرت الحركة المخدرة في فعلها من غير وعي منها. فالظرف الذي دخل عليها فجأة، لم ينصرف بهن –بعد حركة الاضطراب الأولية- إلى توال آخر، وإنما تباطأ بما يتيح لهن الامتلاء بالمنظر المعروض عليهن.
لقد كانت السيدة تعول على هذا الظرف ليحدث فيهن التعطيل المشهود في حركتهن وأقولهن. ولغة السرد إذ تريد رفع ذلك للقارئ، تأتي بصياغة فيها من الحذف ما يجعلها عنوانا على أثر الصدمة. إنها تعبر عن ذلك قائلة: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ فليس هناك فاصل بين الرؤية والإكبار. إن الظرف الذي أتاحه لنا التعقيب في الفاء، والزمن الذي فتحته أمامنا “لما” يجعل الرؤية والإكبار حدثا واحدا، يصعب علينا ترتيبهما لعدم وجود الفاصل اللغوي بينهما. إنها رؤية فيها إكبار.. أوهي رؤية كلها إكبار.. ليس فيها حديث أو قول. بل فيها فعل. “قطعن أيديهن” فمهمة السكين -في مكر السيدة- لم تكن للفاكهة، أو الطعام، وإنما كانت لهذا الظرف الخاص الذي تتعطل فيه الحواس جميعها وتتجه صوب موضوع واحد، يملك عليها جماع قدرتها.
يقص نص التفسير القصة على النحو التالي:« وقطعن أيديهن أي جرحنها. وليس المراد به القطع الذى تبين منه اليد، بل المراد به الخدش والحز. وذلك معروف في اللغة، كما قال النحاس: يقال قطع يد صاحبه إذا خدشها. وقيل المراد بأيديهن هنا، أناملهن. وقيل أكمامهن. والمعنى أنه لما خرج يوسف عليهن أعظمنه ودهشن وراعهن حسنه، حتى اضطربت أيديهن فوقع القطع عليها، وهن في شغل عن ذلك بما دهمهن مما تطيش عنده الأحلام، وتضطرب له الأبدان، وتزول به العقول. وقلن حاشا لله» (4) وهو تفسير يتساوق مع الجو العام للمشهد. بيد أن الحديث عن “أكبرنه” بأنها تنصرف إلى الحيض أثرا لما اعتراهن من أثر صدمة، فأمر مردود قد لا تتسع له اللغة ذاتها، حتى وإن احتال بعضهم ليجعل لذلك شاهدا من الشعر. فأكبرنه:« عظّمنه، وقيل أمذين. ومنه قول الشاعر:
إذا ما رأين الفحل من فوق قلة صهلن وأكبرن المنى المقطرا
وقيل حضن. قال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن، والهاء للسكت. يقال أكبرت المرأة: أي دخلت في الكبر بالحيض. وقع منهن ذلك دهشا وفزعا لما شاهدنه من جماله الفائق، وحسنه الرائق. ومن ذلك قول الشاعر:
نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره. وقالوا ليس ذلك في كلام العرب. قال الزجاج يقال: أكبرنه ولا يقال حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض. وأجاب الأزهري فقال: يجوز أن تكون هاء الوقف، لا هاء الكناية. وقد زيف هذا بأن هاء الوقف تسقط في الوصل. وقال ابن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل أي أكبرن إكبارا بمعنى حضن حيضا» (5) ومن المفسرين من لا يستبعد وقوع ذلك الأمر بالنساء عند اشتداد الصدمات. غير أن فكرة التغير الفيزيولوجي الطارئ عليهن تظل واردة مهما كانت طبيعتها. ذلك أن النساء قد تغير حالهن بعد المكاشفة. فلم يعد في أذهانهن وقلوبهن ما يصرفهن عن يوسف  فقد انتقلت المراودة من المرأة إلى النساء جميعهن بعد الحادثة. وذلك قوله: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ  ( يوسف33).

4-التجلي، لغة الاعتراف:
تماشيا مع خاصية الاقتصاد اللغوي في السرد القرآني، تلتفت اللغة إلى أدق ما في السرد ذاته. فترفع منه الجانب المعبر عن الأحداث وفحواها. وكأنها بذلك تحاول أن تستجمع على نطاق واحد، الفعل وما يتعلق به من خطاب. فتؤدي وظيفتين في ذات الآن. وإذا نحن راقبنا القول الصادر عن النسوة إثر التجلي وجرح الأيدي: وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ  نلاحظ أن أداة الربط في “الواو” تقوم بعرض التوالي الحاسم بين الأحداث. فمن البهت إلى الجرح إلى القول بلسان واحد.. وكأن الشخصية الجماعية عادت لشأنها الأول لتتحدث بلسانها المعهود. فينقلب فيها ما كان شائعة من قبل إلى حقيقة. وينقلب معها الموقف الذي اعتمد في نقده للسيدة إلى العرف وقيم الطبقة، إلى دهشة، تتحول تدريجيا فيهن إلى ضرب من العشق.
ربما كان كيد المرأة أن تُحدث فيهن هذا التحول، وأن تترك في أيديهن أثره وألمه. مع إبقاء عدم الفوز به، معلقا مع حرف الإشارة الذي ورد في قولهن مرتين: “هذا” إشارة إلى البعد والامتناع. إنهن ينفين عنه البشرية أولا، ثم ينسبنه إلى الملائكية.. ومنه يتأكد في قرارتهن أنه ممتنع عنهن امتناعا كليا، فنفين عنه البشرية :« لأنه قد برز في صورة قد لبست من الجمال البديع ما لم يعهد على أحد من البشر، ولا أبصر المبصرون ما يقاربه في جميع الصور البشرية. ثم لما نفين عنه البشرية لهذه العلة أثبتن له المَلَكية، وإن كن لا يعرفن الملائكة. لكنه قد تقرر في الطباع أنهم على شكل فوق شكل البشر في الذات والصفات، وأنهم فائقون في كل شيء. كما تقرر أن الشياطين على العكس من ذلك. ومن هذا قول الشاعر:
فلست لإنسي ولكن لملاك تنزل من جو السماء يصوت.» (6)
فإذا عدنا إلى قولهن الأول:  قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا وقارنا بين الموقفين: الموقف الذي أملى الشائعة، والموقف الذي انبثق عنه هذا الاعتراف، تبينا أثر التحول في ذواتهن. فما كان مجرد شائعة يتأسس عليها النقد التجريح، صار الساعة أمرا تتبدل فيه الطبيعة البشرية بأخرى لا يمكن أن يلحقها شيء من طلبات الجسد ورغباته. وقد وجد نص التفسير والمأثور، وأهل اللغة في قولهن الأول دلالات يحسن بنا التوقف عندها قليلا للموازنة بين الموقفين. أورد الألوسي في تفسيره مراتب العشق قائلا:« أن أول مراتب الحب الهوى، ثم العلاقة، وهي الحب اللازم للقلب، ثم الكلف وهو شدة الحب، ثم العشق، وهو اسم لما فضل عن المقدار المسمى بالحب، ثم الشعف بالمهملة، وهو احتراق القلب مع لذة يجدها. وكذلك اللوعة واللاعج، ثم الشغف بالمعجمة، وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب. ثم الجوى وهو الهوى الباطن. ثم التيم وهو أن يستعبده الحب. ثم التبل هو أن يسقمه الحب. ثم التدله وهو ذهاب العقل من الحب. ثم الهيوم وهو أن يذهب الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه. ورتب بعضهم ذلك على طرز آخر والله تعالى أعلم» (7) فاللغة وهي تتدرج في مراتب الحب ومراقيه، توجد لكل حال من أحواله اللفظ الدال عليه. وليس ذلك من قبيل الإسراف فيها، أو التضخيم. وإنما بيان المراتب، من شأنه أن يكشف لنا عن الدرجة التي بلغتها المرأة في تعلقها بفتاها. فهي وإن بلغت درجة الشغف، فإن الدرجة تبقي لها قسطا من عقلها تدير به المكر الذي أعدت، وقدرا من التدبير، ترى من خلاله مستقبلها مع من تراود. إنها لم تصل بعد إلى التيم، والتبل، والدله، والهيام، فتفقد اقتدارها العقلي. والنسوة إذ حددن هذا المستوى من العلاقة يردن منها أن تناسب القدر الذي وضعوه في نقدهن لها. فاحتراق القلب فيها يناسب جريها وراء لذتها على الرغم من الخيبات والنكسات التي منيت بها. فاختيارهن للفظ الدال يكشف عن دقة ملاحظتهن، ومعرفتهن بشؤون العلاقات التي تقوم بين النساء وتابعيهن.
ذلك هو واقع الموقف الأول فيهن، أما الثاني فليس فيه شيء من معرفتهن تلك إلا توهما وتخييلا. إنهن يرفعن الفتى من البشرية إلى الملائكية إمعانا في إخراجه من دائرة الطلب الجسدي المحدود. فما اعتراهن من دهشة، وما خامرهن من تحول في ذواتهن، يفصح لهن عن تجربة جديدة لم تعاني النسوة وقعها من قبل، ولا لمسن مفعولها. إنها فيهن الساعة من قبيل التجلي الذي تنفتح فيه أبواب الغيب المستور عن كائنات كان العقل يراها من قبيل المستحيلات. فإن كان الأمر كما قلتن:« فذلكن الملك الكريم النائي عن المراتب البشرية هو الذي لمتنني فيه. أي عيرتنني في الافتتان به. حيث ربأتن بمحلي بنسبتي إلى العزيز، ووضعتن قدره بكونه من المماليك. أو بالعنوان الذي وصفنه به فيما سبق بقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني. فهو خبر لمبتدأ محذوف: أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن، وقلتن فيه وفي ما قلتن. فالآن قد علمتن من هو، وما قولكن فينا؟ وأما ما يقال تعني أنكن لم تصورنه بحق صورته، ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتتان به» (8) وكأن نص التفسير يريد أن يجعل من قول النسوة بعد التجلي، ردا على ادعائهن الكاذب أول الأمر. فالمرأة إذ تريد رد الاعتبار إلى نفسها، لا تريده مباشرة، وإنما تجد أنها إن أفلحت في تقويم صورة فتاها عندهن، استقام لها من شأنها ما كان محل لوم وانتقاد عندهن. وقد كان كيدها عظيما حقا، لأن التجلي قد مسح عنها الداعي إلى انتقادها. فمراودتها لم تكن لعبد من العبيد، ولا لمملوك من المماليك، وإنما كانت في عرفهن الجديد لملاك كريم.

5-التبكيت، حجة الاستمرار:
يحمل المشهد في هذه الوقفة صورة المرأة الساخرة، التي تتطاول بعودها وجمالها أمام النسوة. تنظر إليهن في دمائهن واضطرابهن.. تسمع إلى قولهن والابتسامة الساخرة على شفتيها.. إنها تتلذذ لحظة الانتصار.. لا يفوتها منها شيء. إننا نراها تنقل نظرها من الواحدة إلى الأخرى، تتحسس فيها أثر الصدمة التي تعانيها. فالنساء أدرك لما يعتري بعضهن بعضا في مثل هذه المواقف.
لم يكن جوابها مباشرة بعد قولهن.. لقد تركت لهم كثيرا من الوقت لترديد العبارة.. حتى تغرز عميقا في نفوسهن وعقولهن. تريد لها أن تتشربها كل خلية من خلاياهن حتى تبلغ أبعد من الشغاف الذي ذكرن من قبل. فالعبارة التي جئن بها، ولو كانت واحدة على لسانهن، فإنهن أنشأن يرددنها في همس وجهر.لا يعبأن بالألم والدم الذي يلوث أيديهن وأثوابهن. إن المشهد وهو يرفع هذا الشطر من الحركة فيه، يريده أن يظل معلقا خارج الزمان. أي أن كر الزمن لا يؤثر فيه، فلا يفتر ولا يتلاشى. بل يتعاظم كلما التهم النظر الجمال المعروض عليه في هيئة الفتى. إنهن لا ينظرن إلى المرأة.. إن نظرهن معلق بيوسف  لذلك فردُّ المرأة لم يكن في حضرته بينهن.
لقد صرفته لما تأكدت من مفعول سحره فيهن.. فالتفتت إليها الأنظار الجاحظة، تلتقط من هيئتها آيات السخرية والاحتقار.. ثم سمعتها تقول:  فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (يوسف32) وفي قولها إشارة إلى أنها صرفت عنهن يوسف  قبل تبكيتهن. إننا نجدها في “الذي” إشارة إلى غيبته عنهن في هذا الظرف الخاص.
إن لغة السرد لا تترك عناصر المشهد لشأنها من دون أن تعيد ترتيبها من جديد. إنها تجعل مكر النسوة بها مجرد لوم تهوينا لشأنهن. ثم تذكِّر بالذي صدر عنها من أفعال المراودة السالفة، وتؤكد استعصامه. ثم تنتقل إلى الخطة الجديدة. إنها لا تلتفت لشأن الشائعة مستقبلا، فأمرها قد حسم الآن. بل تغير من مقاربتها للفتى، فتجعلها تهديدا ووعيدا. إنها تري ضرورة الانتقال من المطاوعة إلى الإكراه. فهي السيدة التي يجوز لها أن تأخذ من مملوكها ما تشاء وقت ما تشاء. إنها تعامل النسوة بعين المنطق الذي صدرن عنه من قبل. فما دامت السيدة في منزلها، المالكة لخدمها، فلها أن تلبي رغباتها بالمطاوعة والإكراه سواء.

6-المشهد، الهندسة والبناء:
تتسم تقنية البناء المشهدي بكثير من الدقة في الإخراج. فهي من خلال العرض الذي حاولنا ملامسة فحواه، تقيم الحركة على نحو تمثيلي خاص، تتحرك فيه الأحداث، والشخصيات، والعواطف، حركتها المدروسة في الأحياز المخصصة لها. وتتبادل الهيمنة والأدوار فيما بينها خدمة للغرض القائم وراء المشهد. وحين نعاود النظر إليه من زاوية بنائية، نتبين الوحدات التالية:
1-المدخل الوصفي العام.( الحديث عن الشائعة التي رددتها نسوة في المدينة)
2-فعل المكر بهن.( التدبير الذي رتبته المرأة إبطالا لكيدهن بكيد مماثل)
3-الإصرار على الاستمرار في طلبها.( استمرار لا يرتكز على المراودة والمطاوعة، وإنما يقوم على التهديد والوعيد)
4- المناجاة.( يوسف  ينفرد بربه، يناجيه مفضلا السجن على طلبهن)
5- آية الانتقال إلى مشهد جديد.( إنها تنشئ في القارئ انتظارا جديدا لتلقي المشهد الآتي)
وإذا نحن عددنا الآيات التي استغرقت المشهد، ألفيناها خمسا. وكأن كل آية منها استفردت بفصل من تمفصلات المشهد. وقد نرجع ذلك إلى خاصية الاقتصاد في السرد القرآني. وقد نرى فيها دعوة للقارئ يستفيد فيها من عطاءات النصوص الأخرى التي لجأنا إليها لإضاءة بعض جوانب التركيز، والسكوت، في النص القرآني. غير أن التوزيع الزماني والمكاني في المشهد يختلف عن التمفصلات التي ذكرناها، ما دام أوسع منها مجالا.
الحديث عن الزمان والمكان، يوقفنا أمام تنظيم ثان لحركات المشهد السردي. فإذا نحن أمام ثلاث حركات: زمان ومكان يحتضن الشائعة في المدينة، يتمدد الزمن فيه بما يتيح للخبر من انتشار واتساع. وزمان ومكان يكتنف الكيد بالنسوة. وزمان ومكان يشمل مناجاةَ يوسف  لربه. فالأول مفتوح على تراخ تتأكد فيه الشائعة وتنتشر بين النسوة، والثاني مغلق له بدايته ونهايته، والثالث فيه انفتاح نوعي، ينهي المشهد السردي. وكأن البناء يقوم على:
1-مدخل متراخ زمانيا ومكانيا. يتجانس وطبيعة الحدث الذي يكتنفه. فيه من العناصر التمهيدية ما يجعل بؤرة المشهد في الثاني تستقطب الاهتمام كله. وكأن التمهيد يصعِّد الأحداث، ويشحن المشاعر في صدر المرأة لتصل إلى حد رد المكر بمكر أكبر منه.
2-بؤرة المشهد: إنها العمود الذي يرفع سماك المشهد السردي. لذلك اختصت بمواصفات زمانية ومكانية محددة، لها بدايتها ونهايتها. فالحدث فيها يقوم على سلسلة من الأفعال تتعالق فيها الأحاسيس بين وضع مقرر، وناتج فجائي يقلب الموازين رأسا على عقب.
3-انفراج يتراخى فيه الزمان ويتمدد المكان إشعارا بانفراج التصعيد الذي عرفته البؤرة المشهدية.
وبذلك نقف على ضرب جديد في هندسة المشهد السردي التي تبدأ بالوصف لتدخل الفعل، لتنتهي مرة أخرى بالوصف. وكأن الوصف يفضي دوما إلى تصعيد يشكل بؤرة، كما يتيح من ناحية أخرى الخروج من تشنجها وتصعيدها، ممهدا لحركة مشهدية تالية.
يكفل تقسيم السرد القصصي إلى مشاهد للدارس إمكانية ملاحظة المضامين السردية وهي تندرج ضمن حركات متتالية، تتحدد فيها الأدوار والأفعال على هيئة لا تصل إليها التقنيات المتبعة في التحليل السردي الحديث. ذلك أننا حين نقبل على الشخصية، أو الزمان، أو المكان.. يحجب عنا ذلك الإقبال ألوان التفاعل بين العناصر السردية التي تعمل إلى جانب هذه العناصر المختارة. قد يكون لها دور الهيمنة والفعل، غير أنها تغيب في ضجيج الاهتمام بالعنصر المعزول للدرس. إن تقنية المشهد تتيح رؤية الكل في عمله السردي دفعة واحدة، من غير أن تغيب العناصر الثانوية.
إن المشهد –وهو يقوم وحدة شبه مستقلة- يتحدد في عين الدارس قصة قصيرة تامة التكوين والفعل. يُمَكِّنك قصرُها، وضيقُ مجالها من تدبر جميع أحوالها تدبرا كاملا واستقصاء تاما. إنه الأمر الذي يتيح للدارس مراقبة المشهد فيما يشبه النظرة البانورامية الاستشرافية، التي تتيح له مراقبة الأحداث في اللغة التي عرضتها. ومشهد “المتكأ” بمدخله وانفراجه، قصة داخل القصة، يسهل استثماره في وحدته من غير أن يربك السرد العام. بل يستفيد السرد من هذه النظرة تركيزا على الوحدات السردية ذاتها. إذ المشهد وحدة سردية ذات كيان خاص فنيا وجماليا، تكتنز خطابها الخاص ضمن الخطاب العام القصة.

7-الانفراج، الخاتمة والتمهيد:
 فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (يوسف34) لقد سمع الله  مناجاة عبده، وعلم خوفه من السقوط في الخطأ والفاحشة. فكان أن صرف عنه كيدهن. إن لغة السرد القرآني تسارع إلى خلق الانتظار الممهد للمشهد التالي. ف”صرف” التي نعرف فيها انتهاء التصعيد في المشهد، لا تخبرنا عن الكيفية التي أنهى بها الله  كيد النسوة. إنها تحيلنا على أمنية يوسف  : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فهل يكون صرف الكيد بالدخول إلى السجن ؟ هل حقيقة أن السجن ناتج عن طلبهن ؟ أم أن السجن مرحلة أخرى في مسار المحور المنفعل للشخصية الرئيسة ؟ هل فيه من الإعداد والتحضير ما يجعله مرحلة ضرورية في ذلك المسار ؟
قد ينتهي المشهد إلى نتيجة محددة نرى فيها أنها النتيجة الحتمية لجملة الأحداث التي سبقتها، غير أننا إذا تدبرنا السرد القرآني ألفينا أن مثل هذه النتائج قد لا تكون للأحداث وحدها، بل هي مقدمات لأحداث أكبر منها خطرا. لقد اختارت المرأة في مشهد المراودة السجن والعذاب. واختار يوسف  السجن في مشهد المتكأ، بيد أن السجن الذي يتجه إليه في المشهد التالي ليس فيه ارتباط العلة بالمعلول والسبب بالنتيجة. إن له شأن آخر. وكأن الهندسة العامة للسرد لا تخضع ظاهريا لبناء واحد يطرد في كافة المشاهد.
صحيح أن البؤرة في مشهد المتكأ تنفك شحنتها في اختيار السجن، واستجابة الله  ، ولكنها في تقدير السارد مرحلة ضرورية تعمل على عزل الشخصية عن الحركة العامة بعضا من الوقت. وكأنه يتيح لها قسطا من الراحة تتحلل فيه من أعباء المراودة، لتخلو إلى شأن جديد تمهيدا لمرحلة قادمة أكثر خطورة من المرحلة السابقة، لا يصلح لها ما كان جاريا في غيرها من أحداث وأفعال ومشاعر.
إن السجن فضاء مغلق معلق خارج الزمان والمكان.. إنه نفي من الدفق الحياتي العام.. إنه عزلة تتم فيها المراجعة والاستعداد. واختيار يوسف  للسجن لم يكن إلا فرارا من كيد النسوة. واختيار الله  للسجن تمكين لحركة قادمة ذات أثر كبير في الأحداث جملة، لا الماضية وحسب وإنما المستقبلية كذلك. إن الشخصية لا تعلم من شأنها سوى الجانب المتصل بها سببا ونتيجة، بيد أن السارد يعلم من المصير ما يجعل الفهم البشري مقصورا على ذلك القانون وحده. وحكمته أوسع من أن يحدها قانون لا يبصر في الأحداث حقيقتها. فحياة الناس لها معاييرها التي أسستها العادة والعرف، ويحكمها الزمان والمكان. فما يدرك من حركتها، ليس دليلا على الفهم المحيط بها، والذي يمكن أن تستريح إليه. فما وجدناه من كيد الإخوة، وكيد النسوة، ليس إلا حلقة ضئيلة الشأن في تدبير أكبر من ذلك.
لقد فضل النقد الحداثي ذلك الروائي الذي لا يعرف مصائر شخصياته، فهو يعرضها خطوة خطوة، وليس له شأن بما يعتورها من جديد يُطوِّح بها في متاهات المصادفة والعبث. ووجد أن هذا الصنيع فيها أدعى إلى عرض الحقيقة الإنسانية في أصدق مظاهرها. وعاب على الرواية القديمة معرفة السارد بشخصياته معرفة تمتد من الماضي إلى المستقبل، ووجدوا فيها هيمنة تجعل السارد غير صادق فيما يسوق من أحداث، وما يعرض من مشاعر وأحاسيس. وقد يكون النقد الحداثي محقا في ظاهر الادعاء، غير أن قصور هذه النظرة يسلب من السارد مهمته الأولى التي تتمثل في عرض قصة انتهت أحداثها إلى نتيجة طواها الزمان والمكان. فليس في صنيعه غير رواية الأحداث، وبسط ما رافقها من مشاعر ومصائر. وعبقريته في تمثيل القصة تمثيلا حقيقيا تاما، حتى وإن كانت القصة متخيلة. بينما الزعم الحداثي لا يستقيم في ترك السرد من غير قيد، يستوي فيه القارئ والسارد في الجهل. وكأن القصة مخبر تفحص فيه الشخصيات في تعاملها مع المستجد من الأحداث فقط. لقد أنتج هذا الضرب من الزعم روايات الهذيان والغثيان، والروايات الخالية من الشخصية والأحداث، والروايات الواصفة فقط. ذلك الضرب الذي يغيب فيه المصير، وتتلاشى القيم، وتحل المصادفة محل العقل.
ولا تستقيم حقيقة السرد لغة إلا من خلال عرض المنتهي خبرا. وهي الوظيفة التي تمكِّن السارد من الاطلاع على خلفيات الأحداث وما يحركها على وجه الحقيقة، لا على وجه الاحتمال. فالسرد في تواليه قد يوهمك أنك تمسك بالخيط السري للأحداث، ولكنه في خداعه ذاك، يسوقك إلى غير المتوقع من النتائج. ولذة الاكتشاف تتعاظم عندما تختفي العلاقات في الأسباب والعلل. بل عبقرية السرد أن يرجئ الحلول إلى غايات يتعاظم معها الانتظار ويتعدد التوقع. فهل نجد –بعد هذا- أن مشهد المتكأ كان سببا في سجن يوسف  ؟ أم أن السجن ترفعه حقيقة أخرى لا تزال غائبة عنا في هذا الجزء من القصة؟ أم نقول أن المشهد حركة ضمن عدد من الحركات التي تؤول إلى السجن نتيجة وحسب ؟ أم أن عزلة السجن كانت مقررة قبلا ابتداء من عزلة الجب ؟ لقد انتهت العزلة الأولى بخلاص من نوع خاص، فهل ينتهي العزل الثاني بخلاص آخر أخطر من الأول شأنا؟
إن تقنية المشاهد حين تنفرد بالدارس –لبعض الوقت- تخفي عنه ما وراءها لانشغاله بعالمها الخاص، غير أنها تفتح في ذائقته سيلا من التساؤل المشروع عن العلل الحقيقية للتحولات الكبرى في السرد العام. إذ ليست الحياة سلسلة من الأسباب والنتائج وحدها، تتقارب في تواليها وأحداثا. بل فيها من الفعل الدسيس الذي قد يمتد بعيدا في عمق الماضي السحيق. ولنذكر على سبيل المثال قول يعقوب  أولا: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (يوسف6). ألم يكن في حياة إبراهيم  “نفي” لفتاه إسماعيل  إلى أرض غريبة خالية ؟ وهاهو يوسف  يعاني “نفيا” مماثلا. من الأول كانت بداية تاريخ وشعب، ومن الثاني كانت بداية تاريخ وشعب كذلك. إنه الفعل الدسيس لسنن تتجاوز المنطق البشري في تفسير الأحداث وتجلية حقائقها.

هوامش:
1-ابن كثير. سير القرآن العظيم.ج2.ص:477. (ت) عبد الجبار زكار.دار الكتب العلمية بيروت 1978.
2-ابن الجوزي. زاد المسير في علم التفسير. ج4.ص:256. المكتب الإسلامي.ط3. بيروت.1404.
3-ابن القيم. التفسير القيم.ص:315.
4-الشوكاني. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.ج3.ص:22. دار الفكر. بيروت. (دت).
5-م.س.ج3.ص:22.
6-م.س.ج3.ص:22.
7-الألوسي. روح المعاني.ج12.ص:227. دار إحياء التراث العربي. بيروت. (دت).
8-أبي السعود محمد بن محمد العمادي. إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن العظيم. ج4.ص:273. دار إحياء التراث العربي. بيروت. (دت).

السابق
الأقحوانة الغجرية
التالي
التجنيس؛ ومغامرة التجرب القصصي الومضة المتدحرجة أنموذجا

اترك تعليقاً

*