القصة القصيرة

المرأة التي علّمتني

حكاية مهندس
“آه، كم مضى من الزمان!”
هكذا كان سليمان الحبيب، مهندس الإلكترونيات المتقاعد، وعضو الجمعية الوطنية لنقل التقانة، يحدّث نفسه وهو يمشي على عادته اليومية. وهو رجلٌ في الرابعة والستين، أسمر، ممتلئ الوجه، ثخين الرقبة من السمنة، عاد إلى قريته منذ أسبوعين بعد أن نصحه طبيب القلب بالمشي ساعةً أو ساعتين يومياً في بيئةٍ نقيّة، ويعيش مع زوجته، المديرة السابقة في إحدى ثانويات العاصمة، بعد أن غادر أبناؤه كلٌّ إلى بيته وأسرته الجديدة.
كان المساء نديّاً، وشمس الخريف، الآيلة إلى المغيب، ترسل أشعّةً رقيقة إلى الأرض، فتنعكس على حبّات الندى المتناثرة فوق أوراق الأشجار والأعشاب الصغيرة، بلمعانٍ أصفر جميل.
وصل إلى جدولٍ صغير، ماؤه العكر الراكد تحوّل إلى مستنقعٍ تفوح منه رائحةٌ كريهة، ويحوم حوله الذباب والبعوض، أحجاره السود الملساء لازالت تدلّ على المجرى القديم، حين كان نهراً عريضاً ينتهي في وادي اليرموك بشلالٍ غزير، يرى أمامه الطاحونة القديمة: لم يبقَ منها سوى البناء الحجريّ المتقن. أمّا الطاحونة نفسها، فقد توقفت عن العمل منذ سنين طويلة، وتحوّلت إلى زريبةٍ للأغنام، ومكانٍ يقضي فيه الأولاد حاجاتهم الحيوية.
أخذ نفَساً عميقاً يشتمّ رائحة الخريف في الغابة المهجورة، وجلس على مصطبةٍ حجريّةٍ أمام بناء الطاحون، ينطر إلى وادي اليرموك السحيق الذي يمتدّ إلى يساره بسفحيه الصخريين؛ كان هو الآخر عارياً من الأشجار، تبرز أحجاره على السفحين قاسيةً متشعّبة، تشكو من الكآبة. قال في نفسه من جديد: ” كم مضى من الزمان!… كان ذلك منذ سنين طويلة”، كان يتذكر زمن الشباب البعيد الذي ولّى، يتذكره كأنه يحدّث أحداً يجلس قربه…
“كنت أمشي على هذا الدرب، كلّ مساء، في السنين الغابرة؛ وحيداً يائساً، ونفسي ملأى بسوادٍ قاتم، دون أن أنظر حولي، ودون أن أنتبه إلى الطبيعة الرائعة التي كانت تملأ المكان، حين كانت الغابة ملأى بالأشجار، والماء يجري في النهر الصغير غزيراً مضطرباً، ثم يسقط شلالاً لا يتوقف، هديره يملأ المكان، أخوض في فلسفاتٍ فارغة تبعثها حالة العطالة والملل التي عشتها بعد التخرّج، لا يشدّني إلا منظر الوادي السحيق، وصوت الشلال المنحدر بمياهٍ بيضاء كالثلج؛ منظره، وهو يسقط، يثير في نفسي حزناً عميقاً… كنت أستمتع بشعور الحزن، والإحساس بالألم الروحيّ، بعد عودتي إلى القرية بجرحٍ كبير سبّبته الفتاة التي أحببتها، ولم أستطع أن أتزوّجها، ولم أجد، آنذاك، في القرية الصغيرة الغارقة بالجهل، أحداً يفهم معاناتي، أو شيئاً يواسيني، سوى منظر الوادي والشلال، أجلس الساعات الطويلة، أشعر أن كلّ شيءٍ في القرية غريبٌ عني ومقيت، بعد خمس سنواتٍ فضيتها في الجامعة، والأحلام العريضة، والإحساس بقدرتي على فعل المعجزات حين أنهي دراستي، حتى وقفت في أوّل تجربةٍ مع الواقع، واقع الناس الذين تهمّهم حسابات المستقبل الملموسة حين يزوّجون بناتهم، دون اعتبارٍ للأحلام، أو للمشاعر، أو للحب الذي كنت أعتقد أنه أسمى شيءٍ في وجودنا.
مضت ستة أشهر وأنا على هذه الحالة: سئماً من كلّ شيء، من الدراسة والتخرج والعمل الذي أفرزتني إليه الوزارة، دون رغبةٍ منّي، أو حتى رأي، ومن حياة القرية الفارغة. فكّرت بعدها، وبجدّ وتصميم، بالتخلص من حياتي التي “لم يعد لها معنى!”. نزلت إلى أسفل الوادي، حيث يمرّ خطّ الحجاز الشهير فوق جسرٍ حجريٍّ مهجورٍ هو الآخر. رغم الأشجار الكثيفة التي تغطّي سفح الوادي، ورغم الماء الغزير للشلال الذي يضرب الصخور بعنف وبلا انقطاع، إلا أنّ كلّ شيءٍ حولي كان موحشاً، كئيباً، يتبادل مع نفسي الوحشة والكآبة. مشيت فوق سكّة القطار المهجورة منذ عقود، قضيباها الصدئان الممتدان إلى اللانهاية، كأنهما يؤدّيان إلى المجهول، أو الموت… الموت، الكلمة التي أثارت بداخلي رعشةً مخيفة، وأنا أفكّر فيها، وقفت على الجسر الحجريٍّ، وقرّرت أن أقفز تحت مطرقة الشلال الثقيلة؛ فإن لم أمت من ارتطامي بالصخور، فالمجرى سيسحبني حتى مصبّه في بحيرة طبريّا، وأقضي في مكانٍ مجهولٍ لا يعرفني فيه أحد، وكانت هذه الفكرة على الخصوص تثير في داخلي شاعريّة وتميّزاً.
فجأةً، أحسست بيدٍ ناعمةٍ تمسك ذراعي بقوّة، وصوتٍ رقيقٍ يقول بلهفة: “توقفّ!”، شعرت بخوفٍ شديد، وفكرت، للحظة، أنّ شبحاً قد برز لي، وحين التفتّ بهلع… سبحان الله!، أيّ مخلوقٍ أرى؟! امرأة رائعة الجمال، أجنبية الملامح. وبدأت أستردّ الوعي وأنا أحدّق إلى هذه الإنسانة التي لا أدري كيف، أو من أين ظهرت فجأة.
“توقف!… انزل!”، قالت بلكنةٍ أجنبية، وأنا ما زلت أقف على حافة الجسر مذهولاً، ويدها الناعمة ما زالت تمسك بذراعي. اقتربتْ منّي خطوة، ووجدتُ نفسي أنزل عن حافّة الجسر، وأقترب منها.
“ماذا تريد أن تفعل؟”، سألتني، فأجبت بعد أن أصبح كلّ شيءٍ واضحاً في عينيّ: “من أنتِ، ومن أين جئتِ؟”.
“أنا روز – قالت بصوتٍ منفعل– كنت أمشي على السكة حين رأيتك تصعد فوق حافّة الجسر… خفتُ أن تقع، فأسرعت نحوك. ماذا كنت ستفعل؟”.
رحت ألومها، واشكو محتدّاً: “لماذا منعتني؟ اريد أن أنتحر، أن أنهي هذه المهزلة التي تسمّى حياة”.
لم تقل شيئاً، لكنْ كان لكلماتي أثرٌ عليها، لمستُه في رعشة الخوف في صوتها، وفي رجفة يدها التي ما زالت تمسك بذراعي. مشت بين قضيبي سكّة القطار، فمشيتُ إلى جانبها، وتابعنا المشي متجاورَين، لم تسأل عن سبب قراري بالانتحار، ولم تسأل حتّى عن اسمي؛ لكنّها تحدّثت طويلاً عن قيمة الحياة، وأنّها فرصتنا الوحيدة، وأنْ لا شيء يستحقّ أن نتخلّى عن هذه الفرصة من أجله، وليس من العقل أو الحكمة أن نفكر بذلك مجرّد تفكير، وراحت تحدّثني عن الطبيعة التي تحيط بنا، والمشاعر التي تولّدها في داخلنا، وأمورٍ أخرى كثيرة، لا أذكرها، كلّ ما أذكره أنّها كانت تتحدّث بشغفٍ، واندماجٍ مع كلّ ما يحيط بنا، تعطي للأشياء معانيَ مختلفة، وكنت أستمع إليها، وأنظر إلى وجهها الأبيض الجميل الذي لم تفارقه حمرة الانفعال بعد، وإلى عينيها الرماديّتين الداكنتين الواسعتين وهما تنظران إلى مكانٍ بعيد، لم تتركني حتى صعدنا من الوادي معاً. وقرب الطاحون ودّعتني، وتمنّت لي السلامة.
في اليوم التالي، لم أذهب إلى العمل؛ كانت أحداث المساء، وتلك المرأة المجهولة التي برزت فجأة فغيّرت قراري تحتل تفكيري، وكنت طوال الليل وساعات النهار، ألوم نفسي على ضعفي وجبني، وأقول بأنّي لو كنت أنوي الانتحار حقّاً، لَما انتظرتُ حتّى تأتيَ تلك المرأة، ولَما وافقتها وغيّرتُ قراري بسهولة.
في المساء، ذهبتُ إلى المكان نفسه، وحين وصلت إلى الجسر الذي كنتُ أنوي الانتحار من فوقه، رأيتها تقف هناك، نحيفةً ممشوقة، في فستانٍ قطنيّ بسيط، شعرها الأسود ملمومٌ فوق نقرتها بدبّوس شعرٍ، فيبدو عنقها النحيف أكثر طولاً وجمالاً. ضحكتْ حين اقتربتُ منها، وقالت بلكنتها الأجنبيّة، وبلغةٍ فصيحة، تلك اللغة المدرسية التي يتعلمها الأجانب من خلال الكتب: ” مرحباً أيها المنتحر!”. أحسست أنها تهزأ بي، وتظنّ أنني إنسان دعيّ، أو جبان؛ لكنّ ابتسامتها، ونظرتها الصافية، جعلتني أخجل من الردّ عليها، فقلت لها بزفرة توجّع: “على كلّ حال، لا فرق بين الموت والحياة، وأحياناً يكون قرار الاستمرار في هكذا حياة هو الانتحار”.
اتّسعت ابتسامتها، وحرّكت رأسها باستغراب، وردّت: “هذه فلسفة!”، صمتت ثانية أو ثانيتين، ثمّ أردفت: “لكنّها فلسفةٌ عدميّة!”. مشت قليلاً، ودعَتني، بإشارةٍ من يدها، كي أمشي معها، ففعلت، أكملتْ ردّها على كلامي: “الحياة والموت نقيضان، والنقيضان لا يتساويان… الحياة حياة، والموت موت، ولا يمكن يوماً أن يتساويا”. كانت لغتها الفصيحة، وكلماتها المتمهّلة، ولكنتها الجميلة، تضفي على ما تقول عمقاً مميّزاً جعلني أنشدّ للردّ عليها: “عندما تكون الحياة سيّئة، فهي أسوأ من الموت”.
“عندما تكون الحياة سيّئة، فهي، ببساطة، حياة سيّئة!. أمّا الموت…”، صمتت برهة، غامت أثناءها نظرتها، وأكملت بنبرةٍ خفيضة: “لا يوجد موتٌ جيّد وموتٌ سيّئ… الموت هو الموت!”.
كان الشلال إلى يميننا، صوته الهادر يغطّي المكان، ورذاذه المنعش البارد يصل إلينا، وكانت الشمس ترتفع فوق طرف الوادي، في النقطة البعيدة من الأفق، وكانت أشعّتها تنعكس على ذرى الأشجار وعلى مجرى الماء، فتشتعل بتوهّجٍ برتقاليّ، وتترك على امتداد الوادي تموّجاتٍ من البريق والظلّ، وكنا وحيدَين، نمشي متجاورَين على سكّة القطار. نظرتُ إليها: كانت تتأمّل المنظر البديع بكلّ جوارحها، ووجها الأبيض الصافي، يمتزج بلون الأشعّة، فيبدو كأنّما يشوبه الشحوب، حذاؤها الخفيف يعطي لخطواتها خفّة واتّزاناً، كل ّشيءٍ فيها يوحي بالدّعة والراحة. فكّرتُ وأنا لا أزال أنظر إليها: “من أين لك أن تعرفي معنى المأساة!”.
قالت فجأة، وهي لا تزال منغمسةً في تأمّلها: “ما دمنا نحيا، فعلينا أن نقاوم الموت!”.
رددتُ على كلامها بسرعة: “نحن نحيا، فقط، لأننا لسنا أمواتاً!”؛ وكنت ألعب بالألفاظ!. رحت، عن قصدٍ، أضخّم شعوري بالحزن، وأعبّر عن الألم الروحيّ العميق الذي أكابده، وأؤكّد أنّه لا يعرف معنى الحزن إلّا من يجرّبه، ولا يقدّر حجم المأساة إلّا من يعانيها، وكانت تستمع إليّ بصمت. يبدو أنّ كلماتي بدأت تؤثّر بها، لكنْ دون أن تبدي ملامحها أيّ شعور أو ردّة فعل، فازدادت كلماتي حرارةً وتطرّفاً، ورحت أغلّفها بالحكمة، كي أثير تعاطفها مع مأساتي…
“ما نفع الحياة، إذا كان كل شيءٍ فيها مزيّفاً؟”، سألتُ، وتابعتُ قبل أن تجيبني: “المشاعر مزيّفة، والحبّ مزيّف، الضحك والبكاء، السعادة والحزن، كلّ شيءٍ مزيّف، ولا شيء حقيقيّ… أين هي الحقيقة؟، أتمنّى لو أعرف: أين هي الحقيقة؟”.
قالت، بعد أن أنهيت كلامي (في الواقع لم يبق لديّ كلامٌ آخر أقوله):
“تسأل عن الحقيقة؟ هذا سؤال كبير! هل تتوقّع أن يأتيك أحدٌ بعلبةٍ مغلّفة، ويقول لك: افتحها وستجد الحقيقة في داخلها؟!… الحقيقة تحيط بنا، تكمن في كلّ شيء. انظر حولك: هذا الوادي السحيق، وهذه السماء العالية، وهذه الشمس، وهذا الشلال والصخور والأشجار… أليست هذه كلها حقائق؟”.
“أنا أسأل عن الحقيقة الإنسانيّة، وأنتِ تحدّثينني عن الطبيعة!… حتى الطبيعة، الطبيعة ذاتها غامضة”.
“قد تكون غامضة، ولكنّها حقيقة!”. وقفت، ونظرت في عينيّ، وأكملت: “أن نجهل الحقيقة شيء، وأن ننكرها شيءٌ آخر. حياتنا حقيقة، أنا حقيقة، وأنت حقيقة، شبابك هذا الذي تريد أن تنهيه، حقيقة. هذه – على الأقل – حقائق تدركها، وتملكها؛ ومع ذلك، تريد أن تتخلص منها؟!”.
بدأت الشمس تسقط في الوادي، عند التقاء ضفتيه في نقطة الأفق البعيدة، وقضيبا السكّة الصدئان يعطيان انعكاساً كامداً، وكلّ شيءٍ في الوادي يكتسي بلون الغروب، المشهد كله كان جميلاً؛ لكنّه مشهدٌ حزين. وقفت تنظر بصمتٍ وذهول، كأنّها في لحظة خشوع. حين عدنا، لنغادر المكان، كانت الشمس قد غابت، وتركت خلفها شفقاً أحمر ممتدّاً على مساحة الأفق، والندى بدأ يفرش ملاءةً ضبابيّة، وهبّت نسمةٌ باردة، وعلى السفح الأخضر، برزت شجرة تينٍ معمّرة، ساقها الضخمة تمتدّ بعيداً عن بقيّة الأشجار، وبعضٌ من ألياف جذرها المعمّر تصلّبت، فأصبحت كأنها مخالب طائرٍ خرافيٍّ يتشبّث بالصخور. ظلّت تنظر نحوها حتّى تجاوزناها. سالتها، قبل أن نبدأ الصعود: “أنا لم أتعرّف عليكِ بعد”.
“أنا روز الرفاعي، زوجة حمزة الرفاعي، طبيب الأطفال، من بولونيا”، ضحكت ضحكة مقتضبة، وتابعت: “جدّتي غجريّة من رومانيا… في عروقي يجري دمٌ غجريّ!”.
” وأنا سليمان، مهندس إلكترونيات. هل تأتين كل يومٍ إلى هنا؟”.
“أحياناً؛ لكنّي أمشي، كلّ مساءٍ، على الطريق الجانبيّ في طرف الغابة”.
“أيمكنني أن أمشي معك؟”.
“you are welcome”، قالت. وقبل أن نصل إلى نهاية السفح، نظرت نحوي، وقالت: “الشباب والصحة أجمل حقيقة، تمسّك بشبابك وبصحّتك”.
لا أدري لماذا، حين قالت هذه الكلمات، كانت عيناها تومضان ببريقٍ غامض، وتنظران بفتورٍ إلى شيءٍ بعيد، وشفتاها انطبقتا باستقامةٍ وحزم، كأنّها كانت تتحدّث لنفسها.
عند أوّل الطريق الموصل إلى القرية، ودّعتني ومضت، ووقفتُ مكاني أنظر إليها حتى ابتلعتها ظلمة الليل، بيوت القرية عن يميني، والغابة عن يساري، يفصل بينهما طريقٌ مرصوفٌ بحجارةٍ صغيره، مشيت متمهّلاً، أفكر… “لم يكن ما حصل، اليوم وأمس، أمراً طبيعيّاً. لماذا برزت أمامي في مرّتين متتاليتين؟ وما سرّ وجودها وحيدةً في ذلك المكان؟ وكيف تصاحبني، دون سابق معرفة، وهي امرأةٌ متزوّجة؟ ولماذا لم يهتمّ أحدٌ لوجودنا معاً، في قريةٍ لا همّ للناس فيها سوى التدخّل في شؤون الناس؟ وماذا كانت تقصد حين أخبرتني أنها تمشي كل يومٍ قرب الغابة؟ هل كانت تدعوني؟!”، ورحت أستعيد كلماتها، ونظرة عينيها، ووجهها الأبيض، والشحوب الذي عكسته عليه شمس الغروب، وتلك الثقة، التي لمستها في هيئتها وكلامها.
الليل يلفّ الغابة بسكونٍ عميق، يقطعه هدير الشلال الدائم، أو صوت طائرٍ بعيد، والنجوم تومض في الأعالي. فكّرت، وأنا عائدٌ إلى البيت، أنّها، رغم ما فعلته من أجلي، لم تسألني عن السبب الذي كان يدفعني للانتحار.
لا أدري كيف انقضت الليلة، وبزغ الصباح، وذهبت إلى العمل. وفي المساء التالي، خرجت منتظراً أن أراها، مشيت على الطريق الترابي في طرف الغابة، دون أن ألتقيَ بها، نزلت إلى الوادي، مشيت فوق قضيبي سكة القطار، وقفت فوق الجسر الحجريّ، ولم تأتِ، الشمس بدأت تميل نحو المغيب، وأنا لا أزال أنتظر، وحين خيّم الليل، وبدأت النجوم تظهر من بعيد: صغيرةً، تومض بلمعانٍ باهت، عدتُ إلى البيت خائباً.
وفي اليوم التالي، ذهبتُ أيضاً مؤمّلاً أن ألتقيها. غابت الشمس، وهبط الليل، ولم تأتِ. مضى أسبوعٌ كامل، وأنا اخرج كلّ يوم أنتظر قدومها، وهي لا تأتي.
بعد عشرة أيامٍ، رأيتها: كانت تمشي على الطريق في طرف الغابة، تحمل بيدها زجاجةٌ صغيرة فيها عصير فاكهة. كنت ملهوفاً لسؤالها عن غيابها، وكان شعورٌ آخر يمنعني، فمشيت صامتاً، لا اعرف ماذا أقول، أشعر بالخجل من توهّمي أنّها تهتمّ بي، وأفكّر بأنّ شوقي لرؤيتها وانتظارها هو الوضع الغلط، فسألتها بارتباكٍ وخجل: “هل أضايقك بوجودي؟”.
“no”، ردّت بعفويّة، ونظرت إليّ، واستدركت: “أنت لا تضايقني”.
كانت ابتسامتها هي نفس الابتسامة التي رأيتها قبل عشرة أيام، وطريقتها في الكلام، هي نفس الطريقة، وعيناها، وكلّ شيء فيها كان كما رأيته في المرتين السابقتين؛ لكنّ أمراً ما، لا أدري ما هو، كان مختلفاً، لعلّ شحوباً يغطّي وجهها!، لعلّ همّاً ما يطغى على نظرتها! أو لعلّ إحساسي، وحسْب، هو الذي يخيّل لي ذلك!. شجّعتني كلماتها وابتسامتها، فسألتها:
“لماذا غبتِ هكذا، فجأة؟”.
” كنت في دمشق”. صمتت، واخذتْ نفَساً عميقاً، فتحت غطاء الزجاجة، وشربت جرعةً صغيرة من العصير، وأغلقتها من جديد، سألتني بابتسامة ممازحة: “هل نزعتَ فكرة الانتحار من رأسك؟”.
خجلت من سؤالها، وشعرت أنها مازالت تستخفّ بي، فرحتُ أشرح لها (مأساتي!) بإسهاب، وهي تصغي إليّ بملامحها الثابتة، وكنت، كلّما شعرت بعدم تأثّرها، أضخّم انفعالي وإحساسي بالألم. حين انتهيت من سرد قصتي، أحسستُ أنني افرض وجودي عليها، وفكّرت أنّه من الأفضل لي أن اغادر؛ لكنها فاجأتني: “هل ننزل إلى الوادي؟”.
وافقتُ دون تردّد. مشت بخطواتِ متمهّلة، ومشيت إلى جانبها. كانت الشمس في الطرف الغربيّ من السماء، ونسمة الصيف تسري خفيفةً منعشة، مضمّخةً برائحة الغابة، وصوت الشلال يطغى على المشهد كلّه، وحين وصلنا إلى الجسر الحجريّ، فاجأتني، من جديد، بسؤالٍ غريب: “أنصت جيّداً. ماذا تسمع؟”.
“لا أسمع سوى صوت الشلال، وصوتك أنتِ”، أجبتها مبتسماً؛ لكنّها طلبت منّي، وبملامح جادّة، أن أغمض عينيّ وأنسى الشلال، وكلّ شيءٍ آخر، وأصيخ السمع فقط. فعلت كما قالت، وأنا أضحك باندهاش.
“ماذا تسمع الآن؟”.
“أسمع صوت الشلال، وصوتك”.
“أصغِ جيّداً”.
حبستُ أنفاسي، ورحت أصغي دون أن آتي بحركة. كان صوت الشلال ما يزال يهدر في أذني، وبعد قليل، وشيئاً فشيئاً أصبح صوت الشلال رتيباً، يخفت بالتدريج، أو يختلط مع أصوات طيورٍ بعيدة، أو صفير الهواء يتخلل أغصان الأشجار وعيدان القصب، على سفحيّ الوادي العميقين، وبالتدريج بدأت اذني تتبع هذه الأصوات الخفيضة القادمة من أماكن بعيدة، وتنسى صوت الشلال، حتى أصبحتُ، أخيراً، أسمع تلك الأصوات بوضوحٍ تام، على خلفيّة صوت الشلال الرتيب. حين فتحتُ عينيّ، وأخبرتها بنتيجة التجربة، ابتسمت ابتسامة الواثق، وتابعنا المشي. قالت لي بعد برهةٍ، وبشكلٍ مفاجئ: “هكذا أنتَ، تشعر باليأس لأنك ركّزت كلّ مشاعرك واهتمامك على حدثٍ واحدٍ كبير، فشعرت أنّه مأساة؛ لو نظرت إلى جهاتٍ أخرى في حياتك، ستجد أموراً أخرى كثيرةً لا تهتمّ بها، وستصبح مأساتك مجرّد أمرٍ ضمن أمورٍ كثيرة متشابكة تحيط بك لا توليها الاهتمام”.
كانت تتحدّث بوقارٍ متواضع، في حين كنت، وأنا أقصّ عليها قصّتي، أهوجَ مندفعاً مبالغاً، أسعى لإثبات حجم معاناتي؛ والحقيقة، في داخلي، كنت أسعى لأثبت لها أني لست مجرّد طفلٍ، أو شابٍّ طائش، يقع من أوّل تجربة. وأحسب الآن، بعد هذا العمر الذي مضى، أنها كانت تفهم ما يعتمل في داخلي، وكانت تدرك، بحدس الأنثى وذكائها، أنني كنت أجهد نفسي لأبدو أمامها: خلاف ما أنا؛ أقصد: كنت في نظرها مراهقاً يسعى لتضخيم ذاته، من خلال تضخيم مأساته؛ لكنّي، ولزمنٍ طويل، ظللتُ أمارس تجربتها الفريدة في كلّ مشكلةٍ تقابلني: أغمض عينيّ عنها، وأفتّش عن أشياء أخرى في الحياة، أشياء صغيرة جميلة ومفرحة، لكنّي لا أوليها الاهتمام، فتندمج المشكلة في تيّار الحياة الهادر بلا انقطاع، ويزول تأثّري بها، أو على الأقلّ، يخفّ تأثيرها عليّ.
عندما ودّعتها، كان الليل قد هبط، أوصلتها حتى الطريق المؤدّي إلى القرية، ولم يكن بي رغبةٌ في العودة إلى البيت، فمشيت في عمق الغابة بوجلٍ، ولكنْ أيضاً، بشعورٍ من الراحة، وصلتُ إلى حدود الغابة، والليل يخيّم على كل شيء، جلستُ على حجرٍ كبيرٍ في طرف الطريق، لا أتزحزح من مكاني، وحين ظهر القمر كالقرن الصغير، وأضاء الأشجار بلون أزرق كالأشباح، انتابني خوفٌ من شيءٍ مجهول، شيءٍ غامضٍ لا أعرفه؛ لكني أشعر بوجوده الثقيل في هدير الشلال الرهيب القادم من الوادي السحيق، أو في خشخشة حيوانٍ صغير يبحث، في العتم، عن وجاره بين الأوراق والأعشاب، أو أصواتٍ أخرى غامضة تأتي من أماكن بعيدة، وفي كل نسمةٍ أو صوتٍ مبهم، وفي تلك النجوم البعيدة، والقمر الصغير، حتى في رائحة الغابة الرطبة الواخزة. قمت متوجّهاً إلى البيت، تذكّرت أني، خلال هذا الوقت كله، لم أفكّر بحبيبتي القاسية، أو بحياتي الماضية، وبأنّ مأساتي، التي كنت، قبل أيّامٍ قليلة، سأنتحر بسببها، صارت ذكرى بعيدة، وشعرت بالخجل من نفسي، ومن مأساتي، ومن مشاعري القديمة، التي تلاشت ما إن تحدّثت بها إلى أول إنسان، وأدركت بأنّ مأساتي الحقيقية: هي أنني أحبّ نفسي وحَسْب، وسبب معاناتي الحقيقيّ هو أنني لم أرَ الآخرين يكترثون لألمي، وأدركت، أيضاً، أنّ المعاناة تفقد جزءاً من ألمها حين نتحدّث عنها أمام شخصٍ يفهمنا.
جلست على درج البيت، أنظر إلى النجوم التي تومض من بعيد، وإلى القمر الصغير يركض خلف غيومٍ رقيقةٍ شفّافة، واستمع إلى هدير الشلال، يخرق سكون الليل، يذكّرني صوته بالجسر الحجريّ، وبسكة القطار، وبالوادي، وبها… بكلماتها، بعد أن استمعتْ إلى قصّتي: “السعادة ليست، فقط، أن نحصل على ما نريد. السعادة الحقيقية، هي الشعور المرافق للإنجاز… ماذا فعلتَ أنتَ لتحافظ على حبّك؟”، أكملت، ولم تنتظر جوابي… “لا بدّ من المعاناة، من الجهد، كي تبقى علاقتنا بالحياة قائمة. أما المتعة السهلة الدائمة، فلا معنى لها، أشبه بالغيبوبة”.
ساعاتٌ طويلةٌ انقضت، وأنا أفكّر فيها، تغمرني سكينة ورضا، أتخيّل مشيتها، ووجهها الأبيض الصافي، وأبحر في أحلامٍ وخيالاتٍ لا أساس لها، وانتفضت من رعشةٍ مفاجئة، وأنا أتلمّس في داخلي شعوراً جديداً أفزعني… نعم. لقد أحببتها!!
دخلت إلى غرفتي أعاني من مشاعر متناقضة: مشاعر البهجة التي تبعثها ذكرى كلماتها، وابتسامتها، ومشيتها بقربي، الهادئة والواثقة؛ ومشاعر اليأس والذنب، حين أتذكّر أنها امرأة متزوّجة. لم أنم الليل، وأنا ألوم نفسي: “كيف أحبّ امرأةً لم أعرفها إلا من أيام؟ وفوق هذا امرأة متزوّجة؟ واكثر من ذلك، تحبّ زوجها، وتركت أهلها ووطنها من أجل حبّها؟”. اقترب الصبح، وبدأت ديكة القرية بالصياح، وأذان الفجر يصدع من مئذنة الجامع، وأنا لا أزال جامداً على مشاعري المتصارعة، لا أملك أية فكرة عمّا يجب أن أفعل، أو كيف أتصرّف، شارفت الساعة على السابعة صباحاً، ولم أذهب إلى العمل، حتى اتخذتُ قراري: ” لن أذهب ثانيةً إلى الوادي!… يجب أن أبتعد عنها”.
مضى الأسبوع الأول بصعوبة، وأنا أمنع نفسي من الذهاب إلى الغابة، انغمستُ في عملي الذي لا أحبّه، ولا يتناسب مع دراستي، وصرتُ أنام ساعاتٍ بعد العصر، حتى لا يبقى لديّ وقتٌ للتراجع، وأقضي الليل على درج الباب، أراقب النجوم، والقمر الذي يكبر يوماً بعد يوم، وألتقط صوت الشلال، أشغل نفسي بأيّ أمرٍ كي لا أفكّر فيها؛ لكنّي، في كلّ مرّةٍ، أكتشف أني، خلال ذلك، كنت أتذكرها هي: في الشلال، في النجوم، في الصمت المطبق، تأتيني كلماتها وابتسامتها، وتلك النظرة الغامضة من عينيها الرماديتين.
بعد شهرٍ، ذهبت إلى الغابة من جديد، كان الصيف في أواخره، رأيتها من بعيد، تمشي بمحاذاة النهر الصغير الذي يفصل بينها وبين الطاحون، جبنتُ، ولم أجرؤ من الاقتراب أكثر؛ لكنّها، حين رأتني أقف، نادتني بإشارةٍ من ذراعها، فذهبت.
اين غبتَ؟”، سألتني، ما إن صرتُ بمحاذاتها، وأكملت: “كنتُ أفكّر فيكَ”.
اقتربتُ مندفعاً نحوها، أشعر بأنّ قراري سينهار، بعد تلك الكلمات التي سمعتها… “هي بانتظاري إذن؟ّ”، وقفتُ امامها كالمذنب، لا أجد ردّاً على سؤالها، وأشعر بدقّات قلبي تصل إلى سمعها؛ وبدون أيّة معارضة انقدت لرغبتها، ونزلنا إلى الوادي، كنت أمشي إلى جانبها صامتاً، أتوق للحديث معها؛ لكنني كنت لا أعرف ماذا أقول، وكيف أقول، دون أن افضح مشاعري، وكانت هي منشغلةٌ بالطبيعة التي تحيط بنا، وكأنني غير موجود.
“هل تعلمين أنني، أيضاً، كنت أفكّر فيك؟”، وجدتُني أسألها، كي أبدأ حديثاً ما معها، كبحتُ اندفاعتي، وصحّحتُ: “أنتِ صديقتي الوحيدة في هذه القرية، الإنسانة الوحيدة التي أمشي معها، وأتحدّث إليها، وأشعر بالسعادة والراحة لوجودها”. نظرت إليّ بعينيها الواسعتين، وابتسامة مرسومة على شفتيها، لكنْ دون أن تبدي ملامحُها أيّ شعور، ما جعلني أزداد ارتباكاً…
“أشعر أنكِ واحدةٌ من أفراد عائلتي… هل تقبلين أن أكون واحداً من أقربائك؟… أخٌاً لو شئتِ، صديقاً، أيّ شيء، المهم أن أملأ مشاعري تجاهك”.
عاد الصمت يسيطر علينا. كان الصمت بالنسبة لي، هو الملاذ الوحيد، لإخفاء اضطرابي، ومشاعري التي لا أعرف كيف أكتمها، وبدون أن أشعر صرتُ أمشي مبتعداً قليلاً عنها.
“هل تسابقني؟”، سألتني فجأة، وكأنّها لم تسمع شيئاً مما قلت. كانت تمشي على قضيب السكة الحديديّ. أكملت توضّح سؤالها: “أنت تمشي على خط، وأنا على خط، ولنرَ من منا أكثر توازناً”، وبدون أن تنتظر ردّي، بدأت تمشي على الخطّ الحديدي بخطواتٍ منتظمة ثابتة وهادئة، وانا أسير على الخطّ الآخر بسرعةٍ واندفاع، كعادتي. سبقتُها مسافةً؛ لكنّي، بعد بضعة أمتار، فقدت توازني وانزلقت قدمي، فوقفت حيث أنا، وهي ما تزال تمشي بخطواتها الموزونة الواثقة، دون أن تنظر إلى قدميها، تجاوزتني، فمشيت على الحصى متّسقاً مع مشيتها، وهي تحدّثني كأنها تمشي على طريقٍ معبّد.
التقينا أكثر من مرّة خلال الخريف، وصارت لقاءاتنا على مواعيد محدّدة. كنّا نمشي في طرف الغابة التي بدأت تتعرّى من أوراقها، نتحدّث عن أمورٍ كثيرة، ومواضيع عامّة. وبدأت أنتظم في عملي.
ذات لقاء، بعد أن غابت أياماً طويلة، جاءت ترتدي قميصاً وبنطلون جينز يظهر مدى نحولها، طلبت منّي أن ننزل إلى الوادي، فنزلنا وهي تتأمّل كلّ شيءٍ بنظرةٍ فاحصة. قالت: ” لو كان هذا الشلال والنهر والغابة عندنا، لوجدت عشرات المطاعم والمتنزّهات، ولكانت منتجعاً رائعاً لا يخلو من السيّاح”. وكانت تقصد بولونيا، بلدها الأصلي. أجبتها: “هكذا أفضل، الطبيعة البكر! كما هي!… الناس عندنا أكثر شاعريّة منكم!”.
نظرت إليّ طويلاً، وضحكت ضحكةً هازئة، وقالت: “الطبيعة البكر؟… الشاعرية؟!… ماذا سينقص من شاعرية المكان، لو أنّ جهةً ما استثمرت هذه الطبيعة في مشروعٍ سياحيّ؟!… هل ينقص الشاعرية شيء، لو أصبحت الغابة أكثر نظافة؟ وتمّ ترميم سكّة الحديد، وتسيير القطار القديم مطعماً متنقلاً في رحلاتٍ ضمن الوادي للعائلات؟ أو أنشئ تلفريك، على طول الوادي؟ وبنيت مطاعم على السفح بجانب الشلال، أو بقرب النهير الصاخب؟… ماذا ستخسر (الطبيعة البكر)؟ وماذا ستنقص الشاعرية؟… أنتم تتصرّفون كأن الشاعريّة والجمال تتناقض مع المصلحة العامّة”.
كانت تتحدّث بشغف، وبنبرةٍ تميل إلى الغضب أو المرارة، وهي تشير بانهماكٍ إلى مواقع المطاعم المفترضة، والتلفريك، مشمّرةً كمّي قميصها، والزغب الناعم يبرز على ساعديها الأبيضين… حقاً، إنّ الدم الغجريّ كان يجري في عروقها!
وجاء الشتاء. كان شتاءً قاسياً، أمطاره كثيرة. التقيت بها مرّتين على الطريق، ترتدي معطفاً اسود طويلاً، وتحمل مظلّةً بيدها، لم ندخل إلى الغابة، أو ننزل إلى الوادي، وهدأت مشاعري التي كانت تعذّبني، واقتنعت أنّ ما بيننا هو صداقةٌ جميلة، وأخذني العمل، والدوام ست ساعاتٍ يومياً، لا أعمل خلالها أكثر من ساعةٍ أو اثنتين.
وعندما حلّ الربيع، وبدأت الغابة تتنفّس، وتكتسي، من جديد، بأوراقٍ خضر، وعادت الطيور تملأ الفضاء والاغصان الفتيّة بزقزقتها وحركاتها النزقة، رأيتها: كانت قد ازدادت شحوباً ونحولاً، كان النهر الصغير يجري مضطرباً، متدفّقاً بغزارة، والشلال ينحدر بقوّة، أبيض كالثلج، يهدر بصخبٍ شديد، لم ننزل إلى الوادي؛ لكنّها جلست على صخرةٍ قريبة من النهر، تغمس قدميها الصغيرتين الطريتين، في الماء البارد، وكانت تصمت طويلاً، وأنا اراقب ملامحها المتعبة.
في لقائي الأخير بها، كان ذلك في أواخر نيسان، والربيع متمدّدٌ بجلاله ورونقه ورائحة زهوره، وأبقار القرية تسرح في الغابة مع عجولها، وعائلات كثيرة جاءت مع أطفالها، وطلاب المدارس مع معلّميهم، جلسوا في ظلال الغابة يأكلون، ويشربون، يكسرون أغصاناً من الأشجار لطهو طعامهم، ويتركون نفاياتهم في أكياس مبعثرة بين الأشجار، نظرت إلىّ، رأيت وجهها الشاحب إلى درجة الشفافية، وبقع نمشٍ خفيفة تظهر تحت عينيها، إلا أنّ عينيها الرماديتين مازالتا تحتفظان بصفائهما، وتبدوان أكثر اتّساعاً وعمقاً، قالت بابتسامةٍ صغيرة: “انظر إلى شاعريتك ماذا يحدث لها!… إن بقيت الأمور بهذا الإهمال، سيأتي يوم وتجد طبيعتك البكر قد اختفت، ولن تبقى غابةٌ ولا شلال ولا شاعرية!”، ثمّ طلبت مني أن ننزل إلى الوادي.
كان التعب واضحاً في خطواتها ولهاثها، واستنادها الدائم على كتفي، سألتها عمّا بها، فلم تجبني، سألتها عن غيابها مدّة اسبوعين، فقالت: “مشاغل”. كان كلّ شيءٍ فيها مختلفاً، صمتها الطويل، وخطواتها المتعبة، وهذا الوهن في حركاتها، والشحوب الزائد على وجهها، ونظرتها الطويلة إلى شجرة التين على سفح الوادي، وقفتْ دقائق تتأمّل الشجرة المعمّرة، بفروعها الممتدّة وجذرها الذي يشبه المخالب، بصمتٍ تام، وخشوعٍ وجمود؛ كأنها في صلاةٍ أو تضرّع.
سألتها من جديد، وبإلحاحٍ، عن تغيّرها وغيابها الطويل، وزدتُ في إلحاحي، حتى قالت أخيراً: “كنت في المستشفى”، صمتت، وارتجّ صوتها؛ لكنها أكملت بثبات: “مستشفى الأورام”.
“ماذا؟!”، صرختُ فزعاً… مستشفى الأورام؟!”.
“نعم”، قالت بنبرةٍ واهنة، وعيناها تحدّقان في الشجرة…”نعم، أنا مريضة”، ثمّ صمتتْ، وصمتُّ معها، لم أعد أجرؤ على أيّ سؤال، أحسست أنّي بدأت أفقد إنساناً عزيزاً قريباً، أطرقت رأسي من والحزن والعطف، وخشية أن ترى صورة الفجيعة مرسومةً على وجهي.
“أنا مريضة – أكملت دون أن تلتفت نحوي – استأصل الأطباء الرحم، منذ سنةٍ، ولا أزال أخضع للعلاج الكيميائي… العلاج متعب، لا أستطيع النهوض بعد الجرعة لأكثر من أسبوع “، ورأيت – لأوّل مرّةٍ – دمعةً صغيرةً تفرّ من عينيها، وهي تتحدّث بصوتٍ ثابت، رغم الرجفة التي تعتريه: “المرض والموت في داخلنا يا سليمان… نحن نمرض أكثر، إذا فكرنا بالمرض، ونموت أبكر، إذا فكرنا بالموت… كلّ شيء في داخلنا: الحبّ والكره، والجرأة والخوف، كلّ شيء كل شيء، الله في داخلنا، والشيطان في داخلنا. هل تعرف دائرة (اليانغ- يونغ)؟ نحن مثل (يانغ- يونغ) منقسمون في داخلنا بين أبيض وأسود، نصفين متساويين، لا ينفصلان في دورانهما الأبدي.
ضبابٌ ناعمٌ بدأ ينتشر في بطن الوادي، يتكاثف بالتدريج، حتى غطّى الوادي بأكمله بلونٍ أبيض حليبيّ، والشمس تظهر، من خلف غيمة الضباب، نقطةً حمراء كبيرة. أحسستُ، حينها، أنّ شيئاً ما، رهيباً، سيحدث، وأنّها تدرك هذا الشيء وتحسّ به، وهذا الشيء يؤكّد لها أنها… تموت!، تأكّد شعوري حين قالت ونحن نغادر: “أنا لا أخاف الموت. الموت لحظة، ومضةٌ سريعة، ثم تنطفئ حياتنا، وينتهي كلّ شيء، كما ينطفئ مصباحٌ كهربائيّ بضغطةٍ على المفتاح؛ بعدها نفقد كلّ إحساس، وكل تفكير… أنا ما يعذّبني هو الأيّام المتبقية لي قبل الموت… أن تشعر في كلّ يومٍ تعيشه أنّك تستهلك يوماً من أيامك الباقية، تتمنّى أن يتوقّف الزمن كي تحافظ على الفسحة الضئيلة المتاحة لك من الحياة، وأنت تنتظر، بقلقٍ وهمّ، لحظة الموت الوشيكة!… كلّ حدثٍ، تعتقد أنه المرة الأخيرة، كلّ كلمة تقولها، تعتقد أنها الكلمة الأخيرة، كلّ حركة، وكلّ نظرة و… هذا مؤلم، مؤلم كثيراً، أمرٌ لا يطاق!… انتظار الموت الحتميّ الوشيك، أصعب من الموت ذاته… لكنْ – صمتت قليلاً، واكتست نظرتها عمقاً– أنا لا أخاف من الموت، لن أضع يدي على خدّي، وأجلس في انتظاره. أعرف أنّه قادم بسرعة… أعرف أنّ حياتي ليست طويلة؛ لذلك، فأنا أجعلها عريضة. سأوسّع – ما استطعتُ – أيامي الباقية، أملأ كلّ ساعةٍ، كلّ دقيقةٍ، بالحياة”.
بعد أسبوعين من ذلك اللقاء، ماتت روز، ماتت في بدايات أيار، والربيع في عزّه، غابت للأبد. سمعت نعوتها من مئذنة الجامع، ذهبت ُإلى مأتمها، رأيت زوجها، أحسست أنّ قرابةً ما تربط بيننا، ضغطتً على يده وأنا أصافحه، وجلست دقائق في صيوان العزاء، مثل أبناء القرية الآخرين؛ وبقيتُ سنواتٍ طويلةً أشعر بالكآبة كلّما جاء الربيع.
أكثر من ثلاثين سنةً مرّت، منذ أن تعرّفت على تلك المرأة، وذابت ذكراها، تحت حرارة الزمن والعمل، والتفاصيل اليومية التي لا تنتهي؛ لكنّ حياتي تغيّرت بعدها، وظلت عبارتها الهازئة: “دائماً أسمعك تشكو من الظروف، ولم أسمعك – مرّةً واحدة – تقول ماذا فعلت أنت لتغيّر هذه الظروف!”. جاهدتُ كثيراً كي أغيّر ظروفي، في البيت، وفي العمل؛ طلبت نقلي إلى المركز الرئيسي للمؤسسة في دمشق، وكنت، دائماً، أغرق في أكوام الأوراق، والقرارات، والبلاغات الموضّحة للقرارات، وشبكة الروتين القاسية، وعبارة (مع عدم الموافقة)، أو (تحفظ للدراسة)، التي يذيّل بها المدراء المتعدّدون الذين تعاقبوا على المؤسسة اقتراحاتي الطموحة في التطوير، ولكنّي لم أيأس، وها أنا، بعد ثلاثين عاماً من العمل، لا أشعر بالندم؛ صحيحٌ أنّ ما حقّقته لا يليق بتلك الجهود؛ لكنّي عملت ما في وسعي”.
الشمس غرقت في حضن الوادي منذ زمن. نهض سليمان الحبيب عن الصخرة واجتاز، من جديد، الأحجار الملساء في مجرى النهر القديم، ومشى بهدوءٍ في أرض الغابة القديمة المهملة، والصمت يخيّم على كلّ شيءٍ حوله، يقطعه، أحياناً، صوت طائرٍ بعيد، أو عواء ذئبٍ يأتي من قعر الوادي السحيق. النجوم بدأت تومض من بعيد، وكلّ شيءٍ يغرق في السكون، نظر إلى تلك النجوم، وتذكّر كلماتٍ قديمة سمعها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، عن الحقيقة التي تحيط بنا ولا ندركها، فكّر في نفسه: “هذا الكون، وهذه النجوم، وهذا الليل، والنهار، والحياة والموت، حقيقةٌ غامضة، لا ندركها، لكنّها حقيقةٌ راسخة”، أخذ نفَساً عميقاً طويلاً، والعتمة تبتلعه، وهو يجرجر خطواته البطيئة نحو البيت.

السابق
هِجرة
التالي
لوحات

اترك تعليقاً

*