القصة القصيرة

المسخوط

استيقظت من نومي شفافا كالزجاج خفيفا كالنسيم أشعر و كأنني تحررت من قيود و أغلال كتمت على صدري من سنين.
كنت وحدي في نفس البيت القديم، دور واحد من الطوب اللبن و الحجر الجيري المسروق من كسوة الهرم و قصر التيه “اللابرانت”، مزينا واجهته بأحجاره الفرعونية في تبجح و المسقوف بالخشب العزيزي و الموسكي المدهون بالحصى جوز، أرضيته بلاط أسود باهت ينم عن ثراء زائل، أبواب ضخمة كبوابات الشمس.
مازال يخيفني الوطواط القابع في ركن السقف و قد لطخ جداران الغرفة “الكموني” بحيضه. صوت “الحنفية” ما زال يزعجنى بقطرة ماء عالقة فيه.
تكتسحني برودة قاتلة تجري مجرى الدم في العروق برودة موت و فناء أو برودة فراق و هجر. شيء ما بداخلي لم يعد موجودا، أشعر و كأنني مصاص دماء يعيش من ألف عام فلا هو إنس و لا هو جان – شعور يؤكده و يزكيه زرقة مائعة و شحوب مخيف و عينان كثقبي أبرة في جدار- سيذوب بمجرد شروق الشمس على جلده.
أشق طريقي كمن يمشي أثناء النوم على هدى ذاكرته، هو وحده يعرف وجهته و مبتغاه.
قابضا على منديل مطرز معقود على جواب و خصلة شعر و صورة فوتوغرافية لفتاة مكتوب على ظهرها “إلى حبيبي زغلول”.
حمار لم يتوقف عن النهيق منذ وعيت و شجار و زعيق في بيت الجيران بين زوجين لا ينتهي.
و غية حمامي على السطح كما هي قد دب إليها الفناء، أهازيج حمامها مازال ينهش في السكون كلحن جنائزي.
صورة لامراة على الحائط يغطيها التراب ترتدي “الياشمك” و يشع من عينيها دفء إنها أمي بنفس نظرة التحذير و الهلع عند ضريح “الشيخ البقلي”.
كان ضريحه بالقرب من قبر أبي غافلت أمي و هي تضع جريدة خضراء على تربته في يوم خميس أذكره جيدا و دخلت إليه و عرفت فتاة في نفس عمري لتضبطني أمي في النهاية و أنا ألعب معها “عريس و عروسة” خلف شاهد قبره.
– تعالى هنا يا بن … “تبولت على نفسي من الخوف”
– انت بتعمل اية هنا؟
جذبت يدي بعنف و جرتني وراءها كالجاموسة ليعانقني شبشبها بين الحين و الآخر مصحوبا بالسباب.
– انت متعرفش كرامات الشيخ البقلي يا بن … ؟ دا ولي من أولياء الله الصالحين.
و لدهشتي استرسلت بصوت حنون كهديل حمامة “عنبرية كشك” تلاغي ذكر مارق من غية قريبة ليعود معها مسلوبا إلى غيتها.
كيف أنه من عائلة مغربية شريفة و أن تلك البقعة كانت “حمضاية” قاحلة فحل علينا ببركاته فاخضرت و ربت و كيف أنه أنقذ القرية من الغرق لما فاض بحر يوسف و كاد أن يبتلعها في جوفه، نام بجسمه ملفوفا فى حصيرة أمام الفيضان فحول مجراه إلى ناحية “البطس”، و أن المولد الضخم الذي أرتقبه يوم الأربعاء في الأسبوع الأول من شهر أبريل كل عام يقام تخليدا لذكرى مولده.
و أن قطعة الحجر البازلت الأسود بجوار ضريحه هي لعمدة قرية قديم مسخه الشيخ صنما لما كفر بكراماته و فكر في منع المولد ذات ليلة و كيف أن مأمور المركز الذي عاونه مات منفوخا هو و فرسه في نفس الليلة عقابا على ما اقترفه.
و كيف كافأه أهل القرية بتزويجه بفتاة بكر كل عام لتنجب له ولي عهده و لكنه للأسف مات عقيما.
و كيف أنه لما مات طار بنعشه محلقا في السماء حتى ذاب في الأفق
– إنت عاوز تتسخط يا زغلول؟ دا انا محلتيش غيرك. “قالت بأسى”
تشبثت بيدها بقوة مستفهما
+ اتسخط ازاي يعني؟ زي العمدة المسخوط؟
أومأت برأسها مصدقة على كلامي
+ واللهي ما يقدر يعملي لي حاجة البقلي ده
قلت بعنترية طفل لم يتجاوز العاشرة و أنا ابكي و أخبط برجلي في الأرض اعتراضا
كان اعتراضي و تشنجي لرغبتي في الوصل مع الفتاة أكثر من أي شيء آخر و لذلك مضيت لأيام بعدها استظل تحت قبته الفسيحة من الشمس الحارقة دون علم أمي في طريق عودتي من مصنع الطوب حيث أعمل في أجازتي الصيفية
أنبطح على “الموكيت” الأخضر الزاهي و هي هناك قابعة في ركن الضريح – كانت بنت خادم الضريح- تنظر إليَّ في دلال و براءة طفلة تشتاق لقبلة “العريس”.
نظرات أبيها إليَّ توحي بأنه عرف شيئا. رغبته في الفتك بيّ تتجلى على قسماته و انقطاع “نشوى” عن المجيء منذ أسبوعين يشعرني بالقلق.
في آخر لقائي معها أعطتني منديلا و جوابا و خصلة شعر و صورة لها، وعدتها أن أدفنهم هنا بالقرب من الضريح إذا شم أباها خبر.
هل يا ترى قتلها؟ هل وأدها هنا بجانب الضريح؟ هل “سخطها” الشيخ قبلي و الآن جاء دوري؟
كنت سائرا و كأنني شبح لا يكلمني أحد و لا حتى يردون عليَّ السلام.
أعرف الجميع، هم كما تركتهم بالأمس نفس الجلاليب البلدي المتسخة و الأقدام الحافية و ذات البيوت العتيقة الشائخة.
أسأل بيني و بين نفسي ماذا جنيت ليهجرني الجميع و يقاطعني الكل؟
لا شيء جديد في طريقي سوى العيون الزائغة عني و المتعلقة بسواي.
رجال يحملون الفؤوس أمامي يتجهون صوب الضريح يتمتمون بكلام لا أفهمه يشوشه صرير أسنان تصطك في غيظ.
كان ضريحه على مشارف البلدة في طريقك للمدينة يقف وحيدا عاليا منيفا و كأنه حصن.
تتبعت الحشد إلى ضريحه تترى خلفهم دعوات و تشيعهم شتائم ، ذهلت لما وجدت من يعتليه محاولا هدمه أيادي متشنجة و لحى طائشة تهشم هامته و تكسر تاجه.
+ إنتوا بتعملوا اية يا جماعة؟ بتهدوه ليه؟
أنادي عليهم باسمائهم رجلا رجلا …
لم يسمعني أو يلتفت إليَّ أحد
لم أتوقف عن النداء و الصراخ حتى بح صوتي و خارت قواي، سقطت أرضا و عيني على مدخنة مصنع الطوب الأحمر و هي تنفث دخانها في الفضاء و كأنها بركان يوشك أن يثور يكتب عادمها في الفراغ طلسم و تعويذة أبدية.
تنكرت عيني لهم فلم أعد أعرفهم -و قد تبدلت الوجوه- و هم يتناوبون الهدم ابتداءا من القبة، سقوطها جعل شعاع الشمس في مواجهتي و لا سبيل للاحتماء.
أفزعني رؤية “المسخوط” و قد دبت فيه الحياة و هو ينازع لإخراج باقي جسمه المدفون في الأرض.
أعود أدراجي حثيثا تتساقط أشلائي المحترقة من لهيب الشمس في رتابة فتحلق فوقي كحماماتي وقت الغروب.
مازلت أقبض على منديلها المعقود بقبضة من حديد و قد تبدل كل شيء حولي في غمضة عين لا بيوت عتيقة -أضحت عمارات خرسانية على الجانبين- و لا طريق ترابي ضيق -أصبح طريق أسفلتي واسع تمرق فيه سيارات في الإتجاهين- حتى بيتي لم يعد موجودا صار قطعة أرض فضاء مكتوب عليها للبيع. لا أعرف لي وجهه و لا ألوي على شيء.
أسمع دبيب هرولة “المسخوط” من خلفي و أجيج المدخنة و قد استحالت تنين عاد ينفخ نارا فوق الرؤوس و صوت خبطات الفأس تهدم الضريح و تقترب من فتات عظام ترقد في سلام.
كعباد الشمس أجنح على الرغم مني نحو الشرق، قشة يجرفها السيل بلا إرادة.
أجري مستجيرا صوب هرم هوارة و قصر التيه، لم أعد أخشى التيه و وعورته و لا الملك و كهنته و جنوده، تنتظرني هناك في حجرة من ثلاثة آلاف حجرة، أعرفها جيدا، خريطتي الوحيدة شراييني تنساب بسيولة كلما اقتربت من حرارتها، و بوصلتي الوحيدة دقات قلبي تعزف لحنا شجيا أمام باب حجرتها، ترتدي قميص أرجواني من الحرير ممددة على ريش نعام، بلا وصيفات أو خدم، لأرتمي في أحضان أميرتي “نفروبتاح” و قد ملت من طول انتظاري.
أهديها المنديل المعقود و قد أصبح زهرة لوتس برية. لأعود بين يديها مسخوطا من جديد بحجم راحة يدها من حجر مرمر أبيض.

السابق
ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ
التالي
العَتَبَةُ

اترك تعليقاً

*