القصة القصيرة جدا

المشوار الصعب

مستكينا في يدها، تسحبني متجهين إلى بيت عمي، كنت أكره تلك الرحلة الشهرية، نتحصل منه على جنيهات معدودة مغمسة بذل نظرات زوجته، التي تستكثر علينا ما نأخذ، امرأة سمينة لعينة، أمي كانت هزيلة ضامرة، رغم ذلك كانت زوجة عمي تغار منها، كان جمال أمي يسبي العيون، وكانت هي حيزبون قبيحة، كانت يد أمي خالية إلا من خيط صوف أسود تعالج به الرطوبة، بينما يد زوجة عمي تنوء بما تحمله من أساور ذهبية، ومثل ما بينهما كان بيني وابن عمي مسعود ذلك البدين الثقيل، تصادف أن رأيته يأكل غذاءه أمامي، غذاؤه يكفينا أنا وأمي وأختي الصغيرة سوسن أسبوعا وربما أكثر، زوجة عمي تدخله هو وطعامه إلى غرفته بمجرد حضورنا وهي تبسمل وتحوقل، لم تحاول مرة أن تشركني معه في وجبته الدسمة، كنت لن أقبل ذلك بالتأكيد، فرغم صغر سني كنت أدرك مدى شحها وبخلها، و كنت أشعر بالغثيان لرؤيته، كانت أمي تتجاهل معاملتها ونظراتها، كنت أنا لا أخفي كرهي لها من خلال نظراتي، كرهتها وكرهت عمي وكرهت استكانة أمي، لم أدرك حينها أنها كانت تكره ذلك المشوار أكثر مني، وأنها ما كانت تتحمله إلا من أجلي ومن أجل أختي، صرحت لي بذلك في المرة الأخيرة التي رفض عمي أن يعطينا الشهرية، متعللا بضيق الحال وقلة المال، في ذلك اليوم كانت مائدة ابن عمي مسعود متخمة أكثر من كل مرة، ويد زوجة عمي ازداد سكانها وناءت بحملها أكثر وأكثر، رغم أنني لم أكن أعرف كيف ستسير حياتنا بعدها، إلا أنني كنت سعيدا، أنها المرة الأخيرة لنا التي سنزورهم فيها، أمي أكملت الرحلة، لست أدري كيف؟
ولكنها أكملتها، صرت مهندسا متخصصا في التعدين والبترول، وسوسن مدرسة، تهافتت علي كبرى شركات البترول العالمية، سافرت أكثر من بلد عربي وأوربي، ملأت أيدي أمي وسوسن ذهبا وألماسا، صار لنا بيتا كبيرا ومزرعة
جاءت زوجة عمي ومعها مسعود وليلى أخته، كنا قد علمنا أن عمي قد مات بعد أن أتى القمار والخمر على ثروته وصحته، لم تخف أمي عن مسعود الذي صار هزيلا طعامي بل أشركته معي فيه، وأخفت أمي ذهبها حتى تكون يدها خفيفة مثل يد زوجة عمي، كل الذي فعلناه أننا تجاهلنا تلميحاتها، أن عمي قد وهب لي ليلى تنفيذا لاتفاقه مع المرحوم أبي، وطلب منها في آخر كلماته أن تخطب شقيقتي سوسن لابنها مسعود.

السابق
شجرة الجميز العتيقة والناي الحزين
التالي
حالمة

اترك تعليقاً

*