مقالات

المعنى ذاك الجنين الأسطوري للنص

يتحدث النقاد عن المعنى.. هل أدركوا حقيقة التعبير؟ لماذا سميت العبارة بهذا الاسم؟ ما المراد بالعبور؟ كيف يتم؟ ما هي شروطه؟ المعنى والغموض هل هما شرطان متلازمان؟.

إذا كان التأكيد على أن التّعبير بعد من أبعاد الفن- شأنه شأن المادّة والشّكل- يسري عبر العناصر بين ظلال الدّلالات والرّموز. فهو في هذه الحالة مراد العمل الأدبي الذي تحمله القصيدة وينفتح عليه الاحتمال. فهو موجود ضمن ثنايا عناصر الأثر الفنّي، يتفصّد عن كلّ أجزائه الدّالة، فهو منوط بالهيئة العامة للأثر، لأنّ : »الفنان الذي ينتج، يدرك أنّه “يبنين” عبر أثره رسالة، لأنّه لا يجهل أنّه يعمل من أجل متلق يؤوّل الأثر/ الرّسالة، مستغلا كلّ الغموض. ولكنّ الفنّان يشعر بأنّه غير مسؤول عن هذه السّلسلة التّواصلية « (1).
فإذا كان “التّعبير” من جهة الأثر بنية قصدية، فإنّ المعنى ينتج عن تأويل الغموض الذي يجنح به -حتما- بعيدا عن القصديات، وهي وضعية ينفض منها المؤلّف يده، لأنّه غير مسؤول عنها، قد ولّدها لقاء الأثر بالمتلقّي عبر فاعلية التأويل، ولهذا السّبب نبّهت : »نظرية الفينومنولوجيا بإلحاح إلى أنّ دراسة العمل الأدبي يجب أن تهتمّ ليس فقط بالنّص الفعلي، بل كذلك، وبنفس الدّرجة بالأفعال المرتبطة بالتّجاوب مع ذلك النّص. فالنّص ذاته لا يقدّم إلاّ “جوانب مرسومة ” يمكن من خلالها أن ينتج الموضوع الجمالي للنّص « (2). كما عمل التّخلي عن المؤلّف، ورفض انتماء النّص على تأكيد بنية التّعبير. وكأنّ النّص في استقلاليته، يتحوّل إلى قطب مشعّ، يستمد إشعاعه من مادته، ومن بنيته الشّكلية، ومن الأجواء الرّمزية التي تتحرّك فيها علاماته. وليس له خارج هذا الإطار أي مرجعية تشدّه، وتحدّد وجهة دلالته. وهي وضعية شدّد عليها الشّكلانيون لاعتبارات إيديولوجية وسياسية، وجعلوا المنظم الأساسي للعلاقة بين النّص والتلقّي خاصية : »متفرّقة داخل النّص يجب أولا تجميعها، أو في غالب الأحيان تركيبها«(3) .وانطلاقا من أبعاد اللّغة -وحدها – فإنّنا ندرك أنّ ما يقوله الأثر الأدبي يتجاوز دائما ما قاله مؤلّفه، وأنّ ما ينبثق عنه من معان لا يمكن أبدا حصرها في الملفوظ، وذلك التّجاوز هو الغموض الأساسي لفعل الكتابة .
فإذا عدنا إلى معنى ” العبور” في العبارة ومعنى “التّجاوز” – أخيرا – ألفينا فارقا واضحا بين وضعية المبدع حيال الكتابة، ووضعيته خارجها، وأنّ الصّفحة المكتوبة ليست أبدا الصّفحة المراد كتابتها، ومهما علّلنا الظّاهرة بالسّلط المتحكمة إبّان الكتابة، والتي تترك أثرها جليا في كلّ صياغة، فإنّ ” النّية” لا تجد في “الفعل” تجسيدها الكلّي، ومن هنا وُصفت الكتابة بالخيانة. وقد قال “ملارميه” “S.MALLARME” أنّ تسمية الشيء : »معناه حذف ثلاثة أرباع من المتعة الشّعرية، والتي تتشكّل من فرحة البحث. أن نوحي به ذلك هو الحلم« (4). عبر لغة تتحاشى دوما مواجهة الأشياء، مواجهة عارية، وتتلفّع بالرّمز كلّما رامت إشاعة إيحاء لطيف .
لقد أطلق النقاد الجدد صفة ” الكائن الحي” على الأثر الإبداعي، مدركين – في ذات الآن – أنّ كلّ كائن محكوم بحتمية التّطور، والمكان، والزّمان. وكلّ تطور يقتضي الانسلاخ من صفات، واكتساب أخرى أكثر نضجا واكتمالا، تمكّنه من التّكيف مع الوسط الذي يعيش فيه. وإطلاق مثل هذا النعت تترتب عليه تبعات التّحول والنّسبية، وزوال القصدية، والتّشكل المستمر، بحسب الأوضاع والظّروف. ولكنّه كائن ينحو نحو تشكيل لا تتحقّق مصداقيته إلاّ من خلال إحراز المعنى الجديد، والمعاني التي اكتسبها من قبل، والتي تمثل تاريخه الخاص، أي تاريخ التّلقيات المتوالية. كما يقدّم من خلالها – في المستقبل إمكانيات أخرى ذلك هو الانفتاح المثمر(5).
وليس الأثر كائنا سكونيا شأنه شأن المتحف، يقع خارج سريان الزّمن. يُزار من أجل الحصول على أحاسيس لذيذة، وأفكار طريفة، والتي تصنّف – فيما بعد – في أوعية النقد. بل الأثر ميدان لقاء كلّي، بين اثنين: يبحث أحدهما عن ذاته، يهتدي ويضل في كتابات متتالية، لا تكون في حقيقتها إلاّ مراحل لمطلب أسمى لم يحقّق بعد. ويقوم الثّاني بمنح دفء الحياة للرّموز الهامدة على الصّفحة. فهو يحيى حركة الوجود ويتقمّصها، ويغدو من ثمّ – مسؤولا عنها(6). وكلّ مقاربة للنّص، تمثل فترة زمنية من حياته على مسلك الزّمن والتّطور .
لم ينشأ الصّراع جديدا بين البّاث والتلقّي كما يعتقد ” سارج دبروفسكي”S.DOUBROVSKY”، ولكنّه صراع مأساوي تعانيه ذات المؤلّف أمام “الصّفحات وصمتها الجليدي “مادام المبدع : »محصورا بين حجري الرّحى : لا محدودية الإمكان والنّفاذ والرّؤيا، ومحدودية التّحقيق، والتّعبير والتّجسيد. تمثّل مصادرة أولى للإبداع، تتخطّى حدود النقد وتمنحه مبّرراته في آن واحد « (7). وكأنّ الإبداع – في خضمّ هذا الصرّاع – اختزال للتّجربة الجمالية، يفقدها الشيء الكثير من عناصرها وإشعاعاتها. ويشير “الإمكان” إلى المحيط الذي تتناوله التّجربة الجمالية، وتتحسّس أبعاده، وإيحاءاته، وتنفذ إلى أعماقه من خلال الرّؤيا، التي تطوي المسافات، وتتخطّى الزّمن. ويشير “التّحقيق” إلى ضيق الوسيط، وعجزه عن احتواء ذلك الفيض، والقبض عليه في كلمات معدودات. وكأنّ التّحقيق خيانة للتّجربة الجمالية، وابتسار لها، لذلك كانت يد الكاتب حاملة لإبداع الفنان وقاتلة له في آن، لأنّ : »حركة يد الكاتب التي تنحت الكلمات فوق صلابة وجه الصفحات…هي في الآن نفسه الجسر الحسّي الأداتي للحتّ الذي يعتري توهّج الفكرة ويعرّيها«(8).
ويتحدّث “رتشارد شبيرد” عن أزمة اللّغة الإبداعية، وعن عجزها الواضح أمام المعنى، حديثه عن حالة عامة، عرفتها الحداثة، وجعلت منها سببا للقطيعة مع اللّغات التّقليدية، والاتجاه نحو لغة جديدة، كالتي سعى إليها الرّمزيون، ثم الدّادائيون، والسّرياليون. وكلّ طائفة تحاول تلّمس سمات لغتها في مجال التّجريب الإبداعي. يقول “شيبرد” إنّه شعور طاغ: »بقرب حدوث الجدب اللّغوي. وموت الخيال، هو أحد جوانب مشكلة ثقافية، واجتماعية واسعة«(9). ويكمن الجانب الأساسي لأزمة اللّغة في الانفصال بين الأحاديث الاجتماعية، والأحاديث الأدبية. كانت الكتابات الكلاسيكية تستمدّ العون من مصداقية البناء اللّغوي والاجتماعي، والتي كانت تمدحه وتشيد به وترى صورتها فيه، وتجد تطابقها وإيّاه. غير أنّ الكتابة المعاصرة لا تعترف بهذا التّطابق، وترى وجوب تفكيك بنى العالم التّقليدية، وتفجير اللّغة التي اعتبرت تقليدية، فارغة، عاجزة، يجب نبذ قواعدها ومفرداتها، لأنّها لا تخدم الإبداع.
كما يتأسّس المعنى على الغموض، الذي يحدّده النقد الجديد على أنّه ذلك “الفائض” الذي يتجاوز الأثر المنتهي، في مقابل البنية التي أوجدته، وهو فائض نتحسّس سمكاته من شدّة الإغراءات التي تناغينا من وراء ظلل الرّمز، وضباية اللاتّحديد. وهو الزّبدة التي تعلوا التّعبير، فلا تكون من الأثر، ولكنّها تكتنفه، وتتيح له قابلية التّلقي، إضافة إلى دينامية الصّمت التي تسكن الأثر في صلب بنيته. والتي تشكّل “فراغات” تنفتح أمام حساسية القراءة. فتتأثث كلّ حين باعتبارات جديدة تمليها أنماط القراءات وأنساقها. والفراغ بنية ديناميكية لإنتاج المعنى، تعمل كحافز أساسي للتواصل. إذ: »يترك الرّبط بين أبعاد النّص مفتوحا«(10) مادامت الفراغات تمفصل النّص، وتتيح بناء التّخيل البنّاء الذي يضيف للنّص دلالات جديدة لم تكن في بنيته القبلية.
هوامش:
1. E.ECO L’œuvre ouverte. p: 11. Trad. chantal. Roux de Bézieux avec le concours d’André Boucourechliev. Ed. Seuil 1965.
2. فولفغانغ إيزر. التفاعل بين النص والقارئ (ت) الجيلالي الكدية. مجلة دراسات سيميائية أدبية ص:7 العدد7. 1992. المغرب.
3. م. س. ص. 9.
4. EMBERTO. Eco. Op. Cit. p: 22.
5. Voir Serge DOUBROVSKY. Pourquoi la nouvelle Critique ? P: 70 Ed Denoêl Gonthier 1966.
6. Voir Serge . DOUBROVSKY Op. Cit. p: 74.
7. محمد الزايد. المعنى والعدم. بحث في فلسفة المعنى. ص: 12. منشورات عويدات. ط1. 1975 بيروت.
8. م. س. ص. :11.
9. رتشارد شبيرد. أزمة اللغة. في الحداثة. ج2. ص: 28. تحرير مالكوم برادبري وجيمس ماكفارلن (ت) مؤيد حسن فوزي. دار المأمون. العراق. 1990.
10. فولغانغ إيزر. التفاعل بين النص والقارئ. م. م. س. ص:10.

السابق
قراءة في نص “حسرة”
التالي
إشكالية مصطلح الأدب الاستعجالي

اترك تعليقاً

*