القصة القصيرة جدا

المقابر المعلّقة

فتح الباب ببطء، جرّ خطواته الثقيلة، ارتمى فوق الأريكة، الجسد مرتخٍ ، العينان تائهتان في المكان، سنوات العمر انسحبت ، كشهيقه وزفيره المتقطع، كتساقط أوراق تلك الرزنامة المعلّقة، بمقابرها البيضاء ، المرقّمة . كلّما سحب منها رقما، شعر أنّه أطفأ من جذوة الحياة قبسا. كلّ هذه الأرقام ، أصفاد تذكّره بأنّه لم يعد في العمر بقيّة. الحياة – يا أيّها المسافر- خفت جمالها، فاستعد للنهايات القريبة .
قالت له رفيقته في القيد المرقم:
ـ الجدران تكاد تخنقني، أحسّها تتآمر عليّ، كأنّي غريبة بينها بعد كلّ هذه السنين، كلّ شيء بارد، الباب، النوافذ، الستائر، الموقد، الأثاث، والتحف التي كانت مفخرتي أمام كلّ عين… ما أثقل الثواني حين تمرّ، كصخرة سوزيف أدفعها للأمام، لتعود في الفجر من جديد.
في المساء زارهما جارهما الأعمى ، سألاه:
ـ كيف ترى الحياة و أنت في هذا الوضع؟
قال لهما:
ـ عندما كنّأ صغارا، كانت الحياة جميلة نقيّة، تطربنا أطيارها، تنعشنا أزهارها ،
الأشياء و إن صغرت، تزهّينا ، وتطربنا، تفرّحنا ، تسلّينا.. كبرنا قليلا، هزّنا شوق لأيام الصبا، فطربنا لقول شاعرنا: “لله ما أحلى الطفولة، إنها حلم الحياة”.
في الشباب ، ازدادت الحياة نضجا، فقطفنا من أشجار الهوى منها ثمارا، ورسمنا من خيال الحلم بدرا، ومشينا..وعدونا..وبكينا..وسهرنا من هوى هزّ أركان الفؤاد…
دبّ في المفرق شيْبٌ ، فقرأنا كلّ ما يكتبه لون البياض، قال أنّ العمر مازال جميلا، و أنّ في الحياة شيئا يستحق أن يُعاش، و أنّ نغمة في اللحن مازالتْ شريدة ، تبحث عن أذن أدركت سرّ الحياة، أدركت كنه الحقيقة. يا بني آدم ، مادام كتابك فيه وريقات بيضاء لم تُخَطْ ، فلماذا تكسر القلم الجّميل بالتعاسة، والكآبة، وانتظار الموت قبل أوانه؟
وقف، مسك عصاه ، تلمّس طريق الباب ، قال: أعذراني لأنام، فلي موعد مع الفجر و نسمته المعطّرة ببشرى يوم جديد .
ودّعاه.. نظرا إلى الرزنامة المعلّقة بمقابرها المرقّمة البيضاء، قطّعاها ، رمياها في السلّة خارج البيت.

السابق
داهية
التالي
إنذار

اترك تعليقاً

*