القصة القصيرة

المنبوذ

الأرض تهتز ، ترتعد ، في تلك البقعة النائية ، المخضبة بدماء القتلى ، تثور الزوابع ، ها هو ينسل تدريجيا من بين التراب ، مخترقا هالة الغبار التي تكونت في موقع الحدث ، جسد طيني متماسك ، في ضخامته يفوق تماثيل  لميادين الكبرى ، تكاد رأسه تلامس سعف النخيل ، ها هو يتقدم بساقيه الغليظتين كجذوع الأشجار ، مترددا يحاول تحديد اتجاه سيره ، يدلف إلى الطريق العام ،يحاول تقليص المسافة بين قدميه ، منعا لدهس الزروع علي جانبي
الطريق ، تلوح له المنازل في البعد ، يقترب منها ، كأنه يعرف سكانها ، ملهوفا كمن عاد من غربة طويلة ، .. تتباطئ خطواته إثر صدمة حادة ، غيرت ملامحه : كل من يراه يطلق ساقيه للريح ، وحدهم الأطفال أقبلوا ملتفين حوله ، ينضم إليهم قلة من الشباب والشيوخ ، تبعوه بالهتافات ، فرحين بمجيئه ، يحاولون ملاحقة خطواته الواسعة ، وصل
إلى قلب الحارة ، لم يكد يلتقط أنفاسه ، حتى فوجئ بوابل من النيران ينهال عليه من كل اتجاه ، من الشرفات ومن
فوق أسطح البنايات ، إلا أن جسده يبتلع الرصاص بلا تأثر، وعندما نفدت ذخيرتهم سارعوا بالاختباء وأوصدوا خلفهم
كل الأبواب …. يلتفت إلى أتباعه ، يصعقه الألم ، رآهم غرقي في دماءهم ، يسكب عليهم نظرات الإشفاق والحسرة ، يدب الوهن في عزيمته ، يقف وقفة اليائس ، يرمق المنازل بنظرة وداع أخيرة ، يستدير متخذا قرار العودة ، عرج إلى الأسفلت ، سدد نظرة إلى المدى ، فرأى برك السراب تلمع علي طول الأسفلت ، مسرعا سار يسد الطريق ، تتوقف حركة المرور ، تمرق بعض السيارات من بين قدميه ، يشعر بعروقه تبدأ في التصلب ، ، بدأ جسده يصاب بالتيبس شيئا فشيئاا ، تتجمد عروقه تماماا ، ويبدأ جسده في التشقق ، تتوقف خطواته تماما ، يحاول جاهدا تحريك قدمه فتنفصل ساقه عن جسده ، تهوي فيهوي علي إثرها باقي جسده ، كان لسقوطه دوي هائل ، قذف الرعب في القلوب ، عروقه تحولت إلى جواهر واللآلئ ، يتناثر بعضها على الأسفلت ، بدأ الناس يتوافدون ، يتكاثرون على حطامه ، يتعاركون لاقتناص الجواهر واللآلئ ، يفتتون ما بقي متماسكا من أجزاءه ، يخرجون ما بداخلها ، مع الغروب ، كان الرجل الطيني ترابا تذروه الرياح ، وتدكه الأقدام والسيارات ، الجواهر واللآلئ ملأت أيديهم ، بدأوا يعبئون بها جيوبهم ، لكنها لم تلبث أن طارت من أيديهم وجيوبهم وفارقتهم إلى الأبد ، وتحولت إلى نجوم بعيدة …..في السماء .

السابق
ألم
التالي
أدب الطفل – دراسة في فنّياته وفنونه التّعبيرية

اترك تعليقاً

*